قبل سنوات، كتبت في هذه الصفحة عن سيدة اعتدت رؤيتها في المتجر الكبير للمأكولات واللوازم البيتية القريب من بيتي. كانت بيضاء الشعر، نحيلة، ومبتسمة، وعلى شيء من الأناقة. صادفتها مرّات عدّة، وهي تدفع عربة المشتريات، مثل غيرها من الزبائن في «السوبرماركت». تمرّ بين رفوف المعلبات، وتختار ما تحتاج إليه. ثم تذهب إلى قسم الأجبان والألبان وتضيف ما تشاء إلى العربة. والأمر نفسه مع الفواكه، والخضار، والحبوب، والمكسّرات.
في نهاية الجولة، تعود السيدة المحترمة أدراجها، ولكن عكس مسارها الأول، وتعيد كل علبة، وكل عبوة، وكل تفاحة، إلى مكانها على الرف. ثم تتجه نحو باب الخروج مرفوعة الرأس مثل ملكة، من دون أن تغيب ابتسامتها عن وجهها.
قالت لي عاملة عربية في المتجر، إن هذا المشهد يتكرر مرّات عدّة كل شهر. وأضافت أنها سألت الزبونة، ذات يوم، عن السبب في تصرفها الغريب، وعرفت منها أنها تعيش على مرتب تقاعدي بسيط لا يسمح لها باقتناء كل ما تشتهيه نفسها. وهي مسجلة في قوائم المحتاجين، وتنال حصة تموينية بسيطة كل شهر. زيت، ودقيق، وصابون، وخمس بيضات، وما تيسّر من حليب وخضار.
كانت تلك المرأة المتعففة تزور «السوبرماركت» لاستعادة أيام العز. يوم كانت عاملة تحصل على أجر معقول يتيح لها شراء احتياجاتها مثل باقي الناس. إن جولتها الأسبوعية في المتجر هي نوع من العلاج النفسي الذي يرفع معنوياتها، ويمنع عنها الكآبة، حتى لو خرجت من المكان بخفي حنين. هل سمعت المتقاعدة الباريسية بحنين، وبخفّيه؟
اليوم بلغ تدنّي مستوى المعيشة حداً عالياً في فرنسا. لكن جيل الشباب الحالي يقاوم الجوع بأسلوب مختلف. يرتاد الأولاد والبنات متاجر الطعام، ويمدّون أيديهم إلى الرفوف، ويسحبون ما يشتهون. يفتحون علب البسكويت والشوكولاتة ويأكلون منها، وهم داخل المحل. يقشّرون الموز والبرتقال ويلتهمونهما في غفلة من أعين الحراس. يسرقون دجاجة مشوية ويتقاسمونها بينهم. يشربون العصير من القنينة، ويخرجون وكأن شيئاً لم يكن، من دون أن يدفعوا الثمن.
يحدث أن يتم كشف بعضهم واستدعاء الشرطة. لكن ماذا يفعل الشرطي، أو الحارس، إزاء طفلة في الثانية عشرة تقول له إنها سرقت موزة أو كعكة لأنها جائعة؟ ونسمع في نشرة الأخبار أن حوادث السطو في متاجر الأطعمة قد زادت بنسبة 45 في المئة، خلال العام الجاري. صدق من قال إن الجوع كافر.