28 ديسمبر 2025

الذكاء الاصطناعي يُنذر بنهاية السينما كما عرفناها

ناقد ومؤرخ سينمائي، وُلد وترعرع في بيروت، لبنان ثم هاجر إلى الغرب حيث ما زال يعيش إلى الآن معتبراً السينما فضاء واسعاً للشغف

مجلة كل الأسرة

حتى سنوات قليلة سابقة، كان إنتاج الأفلام يتم بالطريقة المعهودة: حين الموافقة على مشروع ما يتم تطويع كل الإمكانات، الفنية والتقنية، لخدمته، استناداً إلى موضوع كل فيلم، وتبعاً للنوع الذي ينتمي إليه.

بذلك بات من المعتاد استخدام تقنيات الكومبيوتر غرافيكس المختلفة، لإتمام ما لم يكن متاحاً إنجازه عبر الخيال المرتبط بالواقع. كمثال، مشاهد مطاردات السيارات كانت (كما الحال في «بولِت»، 1968، أو «ذَ فرنش كونكشن»، 1971، أو «رونَن»، 1998) تتم بجهد بشري مشترك بين السيارة ومن فيها، وكيفية تصويرها في كل مراحل الخطر.

ولكن، تبعاً للقاموس الجديد من التنفيذ، بات هناك اعتماد متزايد لتنفيذ كل شيء عبر برامج الكومبيوتر، وأمام شاشات خضراء يمكن لاحقاً أن تصوّر الممثل يركض في شوارع باريس بينما هو في استوديوهات يونيفرسال.

تكفي مقارنة أيّ من هذه الأفلام الثلاثة بأي فيلم من سلسلة Fast and Fury لكون هذه تعتمد على مشاهد المطاردات بدورها.

لكن المدّ لم يتوقف هنا. دخول الذكاء الإصطناعي، هذا العام، ارتفع عدداً، عما كان عليه قبل عام واحد. وبات الحل المطلوب لتوفير فيلم من السيناريو إلى الشاشة، اعتماداً على فكر غير بشري. كل شيء بات من السهل استبداله، من فن الكتابة إلى فن الإخراج، ومن التصوير إلى المونتاج، بما في ذلك الممثلون.

مجلة كل الأسرة

واقع جديد

الإضراب الذي قامت به نقابتا الكتّاب والممثلين قبل عامين، وأدّى إلى تراجع كم الإنتاج تلفزيونياً وسينمائياً، انتهى بقبول استوديوهات هوليوود إرضاء النقابتين مادياً، والالتزام بعدم استبدال الجهد البشري في هاتين المهنتين، بما يستطيع الذكاء الاصطناعي توفيره. لكن هذا لم يمنع من تمادي الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، بحيث لم يعد من الممكن التفرقة بين ما هو مصوّر فعلاً، وبين ما هو مركّب.

قبل أسبوعين، وقف المخرج غييرمو دل تورو، على منصّة «أميركان فيلم إنستتيوت»، لاستلام جائرته عن فيلمه الجديد «فرانكنشتاين»، ونال تصفيقاً حاداً عندما أعلن «فيلمي فني في كل لقطة. خالٍ مئة في المئة من الذكاء الاصطناعي».

هناك دافع رئيسي لاستخدام هذا التطوّر متعدّد الجوانب. ففي غمار ارتفاع ميزانيات صنع الأفلام التجارية في هوليوود أساساً، يوفر الذكاء الاصطناعي القدرة على تخفيض التكاليف إلى ما قد يصل إلى النصف (لا يبقى منها سوى الرواتب والأجور أساساً).

هذا الواقع الجديد يلتقي مع استعداد الجمهور العريض، قبول كل ما يرده، طالما إنه عبارة عن مشاهد متراكمة من الأكشن والخيال. لا ينتظر المُشاهد أن يختار الأفلام التي يريد مشاهدتها على أساس إذا ما كانت بشرية، أو لا، وإذا كانت فبأي حجم أو نسبة؟.

مجلة كل الأسرة

عام مفصلي

يردّد المدافعون عن الـ AI بأنه يطوّر ويجوّد بصريات الفيلم، ونواحيه المؤثراتية، لكن هذا ليس صحيحاً إلا بقدر محدود، لأن السينما عاشت على قمم الأعمال التي حققها فنّانون أكفّاء. الواحد منّا لا يجد أيّ خلل تقني أو بصري في أفلام مثل «ووترلو»، أو «بوني وكلايد»، أو «لورنس العرب»، أو «صنست بوليفارد»، أو «القيامة الآن».

ما يطلبه الذكاء الصناعي منك هو تحديداً: «لا تفكّر. سأفكر أنا عنك»، بذلك، وكما الحال اليوم مع كل المنتجات التقنية من الهواتف الجوّالة إلى خرائط غوغل، يجذبك للاعتماد على التقنية المتوفّرة عوض القيام بجهد ذهني لاستيعاب، وحفظ أيّ معلومات.

الذكاء الاصطناعي لا يعمل وحده في مسيرة التخلّي عن التيارات والمناهج السابقة. عام 2025 هو امتداد أشدّ ضراوة لما بدأ قبل عدّة سنوات، مع إنشاء المنصّات المنزلية التي توفّر عليك مهمّة الانتقال إلى صالات السينما. غايتها ليست راحتك، ولا حتى مساعدتك على الحد من النفقات، (لم ترتفع أسعار التذاكر إلى المستوى الحالي إلا كردّ فعل على انخفاض الإقبال)، بل مدّ أصابعها إلى محفظتك كل شهر. أنت بالتالي، وعلى عكس روعة الحضور الفعلي لصالة السينما، لست أكثر من رقم محفوظ ومصمم لكي تُفيد جهة لن تقوم مطلقاً، بتوفير أفلام فنية، أو تعالج موضوعات جادّة بفاعلية طالما أنها ليست مطلب الجمهور.