قدم معرض" سرديّات الفوتوغراف "، الذي نظمته مؤسسة الشارقة للفنون، مساحة استثنائية لاستكشاف تاريخ الخليج العربي، عبر 165 صورة نادرة، توثق ملامح الحياة والعمل، على السواحل، وكيف شكّل البحر مسار التجارة والثقافة في المنطقة.
ارتكز المعرض على مجموعة فريدة من مقتنيات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، ليقدم مرجعاً بصرياً يساعد على قراءة تاريخ المنطقة من منظور أوسع، كما يسلط الضوء على كيفية إنتاج المعرفة وتوثيقها، في تلك الحقبة، بما يتيح فهماً أعمق للتحولات التي شهدتها المنطقة عبر الزمن.
ذاكرة مصورة
تعود أغلب صور المعرض إلى أواخر القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، وقد التقطت على شرائح زجاجية توثق أشخاصاً، وأمكنة، وأنشطة، على امتداد الخليج العربي، وسواحل المحيط الهندي، التي شكلت على الدوام معابر للتجارة والتواصل الحضاري، لتبرز الدور الحيوي للممرّات المائية والمناطق الساحلية في تشكيل التجارة العالمية، وخلق فضاءات تبادل معرفي، وثقافي، ولغوي، إلى جانب كشفه ملامح السلطة والطبقات الاجتماعية، والعلاقات الجندرية، والأعراق، والسلوكات الثقافية في تلك الفترات.
الفوتوغراف وسيط
ركّز المعرض على دور الفوتوغراف كوسيط بصري، مستعرضاً الشرائح الزجاجية التي نُسخت عليها الصور، إضافة إلى استخدام الفانوس السحري، أحد أوائل أجهزة عرض الصور، وأحد أسلاف تقنيات العرض الحديثة، بما يتيح للزائر التعرف إلى الابتكارات الفوتوغرافية التي رافقت بدايات التصوير، خلال تلك الحقبة.
الخليج... فضاء للتواصل
على الرغم من هيمنة النشاط الاقتصادي الموسمي على حياة مجتمعات الخليج قديماً، فإنها لم تخلُ من مظاهر الترفيه التي شكلت جزءاً أساسياً من المشهد الاجتماعي، حيث تظهر الصور أرشيفاً حياً للاحتفالات الدينية، والرقصات الشعبية، والموسيقى، والمقاهي التقليدية، إضافة إلى ظهور دولاب الملاهي المحلي الذي شيّد من جذوع النخيل، في دليل على الإبداع الشعبي في بناء فضاءات الترفيه البسيطة. وتبرز صور مثل «دوامة محلية»، و«جسر القوارب – بغداد»، الطرق المبتكرة التي اعتمدها السكان في تشييد المرافق، ومنها الجسور العائمة المصنوعة من قوارب متصلة بألواح خشبية، والتي سمحت بحركة مرنة عبر الأنهار.
تبادل ثقافي عابر للبحار
لم تكن طرق التجارة القديمة مجرّد مسارات للبضائع، بل قنوات أولى لتبادل الثقافة بين إفريقيا والخليج. وتوثق إحدى الصور مجموعة من الرجال والنساء والأطفال، من أصول إفريقية يحملون آلات موسيقية، في مشهد يجسد التداخل بين الإيقاعات الإفريقية والخليجية. وقد لعبت هذه التأثيرات دوراً واضحاً في الأغاني البحرية المرتبطة بالغوص بحثاً عن اللؤلؤ، حيث ساعدت الإيقاعات القادمة من شرق إفريقيا على ضبط حركة العمل، ورفع معنويات البحارة.
مجتمعات مختلطة وثقافات متعددة
تشير بعض الصور إلى وجود مجتمعات ذات أصول عرقية متنوعة استقرت في الخليج، بفضل موقعه الحيوي على طرق التجارة البحرية، بما في ذلك أشخاص من بلوشستان، والسند، وغوجارات، وشرق إفريقيا. عمل هؤلاء كتجار، وحرفيين، وغواصين، ومزارعين، في مدن الخليج. أما أغلبية الجاليات الإفريقية فوصلت إلى المنطقة عبر زنجبار للعمل في قطاعَي التمور واللؤلؤ، وشكلت لاحقاً جزءاً أساسياً من النسيج السكاني.
اقتصاد الخليج القديم... بين التمر واللؤلؤ
كما كشفت بعض الصور اعتماد الحياة الاقتصادية في الخليج، لآلاف السنين، على زراعة التمور، وصيد اللؤلؤ. وعلى الرغم من أهمية صيد الأسماك والزراعة في توفير الغذاء، فإن الإيقاع العام للحياة ارتبط بتصدير التمور واللؤلؤ. وتظهر بعض الصور مزارع النخيل في البصرة، وعمليات معالجتها وتعبئتها، إلى جانب مشاهد لاجتماع المزارعين والتجار لتحديد أسعار التمور. كما تسجل مراحل صيد اللؤلؤ الذي كان يمثل مصدر الدخل الأهم قبل انتشار اللؤلؤ المستزرع في القرن العشرين، حيث شارك معظم الرجال القادرين في مواسم الغوص الممتدة من يونيو إلى سبتمبر.
النفوذ الاستعماري... حضور بصري في الأرشيف
فيما تنسب بعض الصور المعروضة إلى ألبرت تشارلز راتيسلو، القنصل البريطاني السابق في البصرة، الذي وثق الحياة الاقتصادية في المدينة في مذكراته «قنصل في الشرق» (1942)، حيث تظهر في الصور لحظات بارزة، مثل موسم التمر، وتجديد المقر البريطاني، إضافة إلى مشاهد لسفن بخارية تحمل الأعلام البريطانية والعثمانية، تعكس التوتر بين القوى السياسية والتجارية المؤثرة في جنوب العراق، في تلك الفترة.وتبرز إحدى الصور سفينة «المجيدية» البخارية التي كانت تنقل البضائع والركاب بين البصرة وبغداد، وتشير إلى مرحلة شهدت تنافساً محموماً بين الإمبراطورية البريطانية والدولة العثمانية، على النفوذ التجاري.
جغرافيا مؤثرة وحضارات ضاربة في التاريخ
يمتد تاريخ الاستيطان البشري في شبه الجزيرة العربية إلى ما لا يقل عن 130 ألف عام، بينما تعود بدايات الزراعة في بلاد ما بين النهرين إلى نحو 8000 قبل الميلاد. وقد أسهم المناخ المعتدل، وخصوبة التربة، وارتباط المنطقة بطرق الملاحة العالمية، في نشوء مدن ساحلية مزدهرة، مثل الشارقة، والبصرة، ومطرح، وعدن، وبندر عباس. وتعرض إحدى الصور نصباً تذكارياً يخلد «حملة الفرات» (1835–1836)، التي حاولت خلالها شركة الهند الشرقية البريطانية فتح طرق تجارية جديدة، قبل أن تنتهي بغرق سفينة «دجلة» ومقتل 20 شخصاً من طاقمها، لتكون هذه الوثائق البصرية جزءاً مهماً من سرديات التفاعل التجاري والسياسي في المنطقة.
أرشيف بلا أسماء... ومساحات مفتوحة للتأويل
تعرض الصور كما عثر عليها، من دون معلومات واضحة حول هوية المصور، أو تاريخ ومكان الالتقاط. وعلى الرغم من وجود عناوين لبعض اللقطات، فإن مصدر هذه العناوين غير محدّد، ما يفتح المجال أمام تعدّد التأويلات، واختلاف العلاقة بين النص والصورة عبر الزمن. ويكشف هذا الجانب عن الحكاية المزدوجة للصور، حكاية الأشخاص والموضوعات التي توثقها، وحكاية انتقالها بين مراحل متعددة من النسخ، والشرح، وإعادة الكتابة.
* تصوير : سيد رمضان
