«حارسات الصور»... رحلة ستة عقود من السرد البصري والذاكرة المصورة
يقدم معرض «حارسات الصور»، الذي ينظمه رواق الفوتوغراف، بالتعاون مع مؤسسة الشارقة للفنون، قراءة شاملة لمسار التجريب الفوتوغرافي، خلال ستة عقود، بأكثر من خمسين عملاً تعكس التغيرات الاجتماعية والسياسية، ويستكشف دور الصورة في توثيق الذاكرة والهويات المتعدّدة، مقدماً حواراً بصرياً متكاملاً بين الفنان، والمجتمع، والتاريخ.
يستعرض المعرض رحلة التجريب الفوتوغرافي من خلال طوابقه المتعدّدة،حيث يكشف الطابق السفلي عن سلسلة بورتريهات تعرض تنوّع التجارب الإنسانية عبر أماكن وأزمنة متعدّدة، مع إبراز الهويات العرقية والمدنية، وتجارب الشتات، وطبيعة العلاقات المعقدة التي تنشأ بين الأفراد والبيئات التي يعيشون فيها.
وفي القسم الثاني، تعرض أعمال تتخذ من الفوتوغراف وسيلة لاستجلاء ما يخفى، أو يغيب في سياقات النزاعات والهجرة عبر الحدود، إذ يمنح الفنانون صورهم أشكالاً جديدة عبر تبنّي الغموض، أو إذابة الواقع في التجريد، أو التركيز على ما يخلّفه الحدث من آثار بصرية.
أما في الطابق العلوي، فيواصل المعرض استكشاف الوسيط الفوتوغرافي من خلال مواد وتقنيات وأساليب عرض متنوعة، حيث تبحث الأعمال عن طرق ابتكارية للسرد البصري، ترتكز على التأمل، والأداء، والبعد الساخر في قراءة التجارب الإنسانية.
زينب سديرة... «حارسات الصور» تحفظ الذاكرة
وفي سياق المسار الذي يقدمه المعرض، يبرز عمل الفنانة زينب سديرة «حارسات الضوء» (2010)، العمل الذي استلهم منه عنوان المعرض — بوصفه محطة مفصلية تعمق فكرة الذاكرة، ودور الصورة في حفظها. حيث يقدم الفيديو ثلاثي القنوات شهادة حية على هذا الدور، من خلال مقابلة مع صفية كواسي التي حافظت على الأرشيف الفوتوغرافي لزوجها المصور محمد كواسي، في محاولة لإبقاء التاريخ الشخصي والجماعي حاضراً، وهو بمثابة إشادة بممارسات فوتوغرافية جريئة من أنحاء العالم، أسهمت في تشكيل مسار مؤسسة الشارقة للفنون منذ عام 2009.
أمينة زبير... «موسيكابيدا» يملأ فجوات الذاكرة الثقافية
في العمل الفوتوغرافي «موسيكابيدا» (2016)، تستعيد أمينة زبير، الذاكرة المغاربية من خلال مزج صور شخصيات جزائرية بأغلفة ألبومات فينيل، في مقاربة تربط بين التاريخ، والأسطورة، والسياسة، والجماليات. ويهدف العمل إلى إعادة إحياء حضور فنانين من المغرب العربي ومصر لمع نجمهم بين ستينيات وثمانينيات القرن الماضي، لا سيما أولئك الذين غاب أثرهم خلال «العشرية السوداء». ومن خلال هذا الدمج البصري، تسعى أمينة إلى ملء فجوات الذاكرة الثقافية لدى الأجيال الشابة، وتعزيز حضور هؤلاء الفنانين في الوعي الجماعي، بينما تتأمل في الوقت ذاته هويتها الجزائرية، ودور الفن في حفظ ما طواه النسيان.
لطيف العاني... «العصر الذهبي للجمهورية العراقية» أرشيف بصري
فيما يبرز حضور عراب الفوتوغراف العراقي، لطيف العاني، كحلقة أساسية في سرديات المعرض حول التوثيق والتاريخ. فهو يُعد من أهم رواد التصوير في العراق، قدم بين خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي أرشيفاً بصرياً فريداً لما يعرف بـ«العصر الذهبي للجمهورية العراقية». التقط في أعماله الآثار القديمة، والمشاريع العمرانية الحديثة، والتحولات الاجتماعية، مسلطاً الضوء على التنوّع الثقافي من خلال تصوير الأكراد، واليزيديين، والمندائيين، إضافة إلى توثيق مشاريع كبرى، مثل بناء سد دربندخان في كردستان. وتأتي صوره كشهادة على مرحلة قصيرة اتسمت بالتفاؤل في التاريخ العراقي الحديث، قبل أن يتوقف عن التصوير قبيل اندلاع الحرب العراقية–الإيرانية إثر القيود التي فرضها النظام على التصوير في الأماكن العامة.
بسمة الشريف... تفكيك العلاقة بين الصورة والسياق
في مسار المعرض حول الذاكرة والهوية، تسهم بسمة الشريف، بمجموعة من الأعمال التي تفكك العلاقة بين الصورة والسياق. ففي «قصة حليب وعسل» (2011)، تمزج بين فيلم تجريبي وثلاث سلاسل فوتوغرافية تكشف تداخل الحكاية الشخصية مع البعد السياسي. وتواصل بهذا الأسلوب في «ورش بيروت» (2010) عبر صور لأشخاص مجهولين تحذف منها الواجهة البحرية، وفي «بري» (2011) التي تستعيد فيها عناصر من بيئتها الطبيعية. أما «أرشيف العائلة الأصل» (2011)، فيضم 49 صورة مجهولة الهوية، أزالت منها الفنانة دلالات المكان، والوجوه، والزمن، في قراءة جديدة للصورة خارج سياقها الأصلي.
رشدي أنور... تفكيك إرث الحدود الاستعمارية
بينما تضيف أعمال رشدي أنور، بعداً سياسياً حادّاً لمسار المعرض، عبر تفكيك إرث الحدود الاستعمارية. ففي سلسلته «أمل وسلام لإنهاء كل أمل وسلام» (2023–الآن)، يستكشف الفنان أثر اتفاقية سايكس–بيكو (1916) في واقع المنطقة. ويتجسد هذا الطرح بوضوح في عمله «لقد ملأوا عالمنا بالظل، ثم قالوا لنا ابحثوا عن النور» (2023)، حيث تنقش خريطة الاتفاقية على رصاصات نحاسية مرفقة بوثائق مرتبطة بتجربته كلاجئ كردي. أما «حول فضنك إلى طلقات» (2023) فيربط بين إرث الحرب العالمية الأولى واستمرار الحدود المصطنعة حتى اليوم، من خلال دمج الطلقات بخريطة حديثة، في امتداد لخطاب الذاكرة والهوية الذي تطرحه الأعمال السابقة.
خديجة ساي... الصدمة والذاكرة ثقافياً ودينياً
من خلال أعمال خديجة ساي، المصورة البريطانية من أصول غامبية، يضيف المعرض بعداً روحانياً وإنسانياً للمعرض، تناولت فيها المصورة الصدمة والذاكرة في سياق ثقافي وديني إفريقي. ففي سلسلتها «في هذا الفضاء الذي نتشقق» (2017–2018)، تقدم بورتريهات تتفاعل مع رموز وطقوس مستوحاة من خلفيتها الدينية، لتعكس قدسية الصلاة، وفكرة التعافي الروحي. استخدمت ساي تقنية الكولوديون على صفائح معدنية ذات طابع طقسي، فيما أنتجت نسخاً أخرى رقمياً، بعد فقدان الأعمال الأصلية في حريق برج غرينفيل بلندن عام 2017، الحادث الذي أودى أيضاً بحياتها وحياة والدتها، ليصبح عملها شهادة على الذاكرة، الفردية والجماعية.
ويواصل المعرض سرديته البصرية بأعمال لفنانين آخرين مثل، هارير سركيسيان، قادر عطية، ماني ديارا نيانغ، محمد كاظم، رشيد مهدي، ريما نوغوشي، رولا حلواني، سونيل غوبتا، وسوزان حفونة، لتتلاقى مع محاور الذاكرة، والهوية، والتجريب الفوتوغرافي لأعمال الفنانين الذين تم ذكرهم سابقاً.
* تصوير : السيد رمضان
