«بينك وبين الكتب»، ليس مجرّد شعار أطلقته النسخة الـ 44 من معرض الشارقة الدولي للكتاب، بل هو حكاية تبدأ، غالباً، بلقاء أوّل، ربما مع كتاب لا تعرف كيف وقع بين يديك، لكنه علّق شيئاً في داخلك لم ينطفئ منذ ذلك الحين.
الكتب تُشبه الأصدقاء الأوفياء، نعود إليهم حين تضيق بنا الحياة، أو حين نبحث عن إجابة، أو حتى لمجرد أن نريد الهروب إلى عالم نختاره بأنفسنا، نتعلّم، نحلم، نطرح الأسئلة التي لا نجرؤ على البوح بها أحياناً. لكن في المقابل، تتراجع هذه العلاقة في حياة الكثير من الشباب، وتبدأ المسافة تتسع شيئاً فشيئاً. تدخل وسائل التواصل الاجتماعي على الخط، تُغري بالاختصار والسرعة، وتمنح وهماً بالاكتفاء المعرفي، بينما تُقصي الكتب جانباً. ومع الانشغال المتزايد، وضغط الحياة اليومية، وفقدان القدوة أو البيئة المشجعة، يصبح من السهل أن تتآكل تلك العلاقة الجميلة التي بدأت بلقاء صادق مع أوّل كتاب. قد يكون أوّل كتاب قرأته بالكامل، أو رواية جعلتك تعيش مغامرات أبطالها، كما لو كنت واحداً منهم. هناك دائماً «الكتاب الأول» الذي لا يُنسى، لأنه ليس مجرّد صفحات وكلمات، بل هو بداية ذاكرة جديدة، عالم خاص لا يشاركك فيه أحد، وتفاصيل تنمو معك كلّما كبرت.
فما الذي يجمع الشباب بالكتب حقاً؟ وما الذي فرّق بينهم؟ وهل لا تزال هناك فرصة لإحياء تلك الصلة العميقة التي لا تُقارن بأيّ محتوى عابر على الشاشة؟
تصدّر الكتب لقوائم «الترند»
يقول الكاتب عبدالعزيز البقيش، إن العلاقة بينه وبين الكتاب ليست قطيعة، بل هي «إلهاء» مستمر، تُزاحمه فيه مشاغل الحياة اليومية، وتيارات المحتوى المتدفقة من كل اتجاه، ومع ذلك، لا يزال يجد في الكتاب فائدة عظيمة، وأشياء تُثري فكره، وتُلهب خياله. ويتذكّر البقيش كيف بدأت علاقته بالقراءة من خلال أول كتاب اقتناه، والذي كان حينها من الكتب الأكثر مبيعاً، ما أثار فضوله وجذبه إلى الدخول إلى عالم الكتب. ويرى أن هذا النوع من الترغيب، مثل تصدّر الكتب لقوائم «الترند»، يمكن أن يُقرّب المسافة بين الشباب والقراءة، إذا ما استُثمرت منصات التواصل الاجتماعي بشكل ذكي، لتحويل الكتاب إلى ظاهرة محببة، ومُثيرة للاهتمام، تُخاطب جيلاً يعيش في عالم السرعة، ويحتاج إلى من يُوقظ فضوله لاستهلاك المعرفة من مصدرها الأعمق: الكتاب.
علاقة حب من طرف واحد
يرى صانع المحتوى شهاب الهاشمي، أن علاقته بالكتب باتت تُشبه «حباً من طرف واحد»، فالكتاب – كما يصفه – لا يزال يُحبّه، وينتظره بصبر، بينما هو كثيراً ما يُعرض عنه بسبب انشغاله الدائم بالهاتف وصناعة المحتوى، ويقول: «ما تمنحه القراءة لا يُقارن بالمعلومة السريعة المنتشرة في وسائل التواصل، لأن الكتاب لا يقدّم مجرّد معلومات، بل يخلق حالة متكاملة من تهذيب العقل والنفس، ويُنمّي القدرة على التفكير العميق، فأنا أؤمن بأن العودة إلى الكتاب ضرورة لا ترف، وأن تخصيص وقت منتظم للقراءة هو استثمار حقيقي في الذات، بخاصة في زمن طغت فيه السرعة على التأمل، وانتشرت فيه المعرفة المعلّبة على حساب الفهم الحقيقي».
الناس يميلون إلى الاستماع للـ«بودكاست»
من جهتها، تبيّن حنان طارق: «أحياناً أتساءل: هل مواضيع الكتب التي نقرأها اليوم تُلامس فعلاً اهتمامات جيلنا؟ فقد أصبحت الحياة سريعة إلى درجة لا نكاد نلتقط فيها أنفاسنا، وأصبح الناس يميلون إلى الاستماع للـ«بودكاست»، أو مشاهدة المقاطع القصيرة، لأنها أسهل وأسرع. ومع ذلك، ما زلت أؤمن بأن للكتاب سحراً خاصاً، لا سيّما عندما تتناول موضوعاته قضايا قريبة من واقعنا، وتطرح أفكاراً تشبهنا. ما نحتاج إليه فعلاً هو أن يكون للمؤثّرين دور حقيقي في تشجيع الشباب على العودة إلى القراءة. ولا يشترط أن يكون المؤثر مشهوراً، بل الأهم أن يكون له أثر إيجابي في حياتنا، وأن يُعيد إلينا حب الكتاب، لا من خلال التلقين، بل من خلال مشاركة صادقة تنبع من تجربة حقيقية».
مكتبات تستهدف فئة الشباب
أما الكاتب والشاعر قصي عبدالله، فيؤكد «قبل أن نُلقي اللوم على الشباب بسبب عزوفهم عن القراءة، علينا أن نتساءل: هل رفوف المكتبات تحتوي فعلاً على كتب موجهة لهم؟ الحقيقة أنها لا تحتوي. لا يمكن أن ألوم شاباً عمره 12 أو 13 سنة لأنه لا يقرأ كتباً أدبية تحتاج إلى خبرة، ونضج، ومعرفة، فهذه الكتب الموجودة حالياً لا تناسبه أصلاً. صحيح أن هناك جهوداً مؤسسية في الوطن العربي لدعم القراءة، لكن معظم هذه المبادرات لا تقوم على أساس صناعة كتاب يستهدف تلك الفئات العمرية تحديداً، فهي تروّج لفكرة القراءة كقيمة بحد ذاتها، لكن هذه القيمة ما زالت تفتقر إلى البنية التحتية الحقيقية التي تجعلها ممكنة ومستدامة».
القراءة تناسب الفتاة العصرية
وبالنسبة إلى هندة فرحي، العلاقة بينها وبين الكتاب لم تكن يوماً مجرد قراءة عابرة، بل كانت تتخيل نفسها داخل الصفحات، وتوضح: «أعيش الأحداث، وأتقاسم المشاعر مع الشخصيات. كل كتاب قرأته كان بمثابة رحلة شعورية تركت أثراً عميقاً في نفسي. ومن خلال هذه التجربة، أدركت أن التشجيع على القراءة لا يكون بفرضها كواجب، بل بجعلها أسلوب حياة للفتاة العصرية؛ أسلوباً يعكس وعيها، ويمنحها عمقاً فكريّاً وروحيّاً. حين تصبح القراءة عادة يومية، فإنها لا تلهم القارئة فحسب، بل تتحوّل إلى رسالة صامتة تُلهم من حولها أيضاً».
الصدق يعزز علاقة القارئ بالكتاب
تؤمن الكاتبة ماجدة الجراح بأن الصدق هو الجسر الأعمق الذي يربط بين الكاتب والقارئ «الصدق هو اللغة الخفية التي تنفذ إلى القلب دون استئذان. عندما يكتب الكاتب بصدقٍ نابعٍ من تجربته، ومشاعره، وواقعه، يشعر القارئ أن الكلمات ليست مجرد حروفٍ على الورق، بل نبضٌ حيّ يلامس وجدانه. الصدق في الكتابة لا يعني الإفصاح الكامل عن الذات، بل يعني أن يكون الكاتب أمينًا في إحساسه، صادقًا في رؤيته، مخلصًا في رسالته. حينها فقط، تتحول العلاقة بين القارئ والكاتب إلى علاقة ثقة واحترام، تنمو مع كل صفحة وتتعزز مع كل سطر».
البحث عن حالة معرفية متكاملة
أما الباحث سيف العيد، فهو يتعامل مع القراءة كرحلة مترابطة الحلقات، لا تنتهي عند كتابٍ واحد، ويوضح: «حين أقرأ وأصادف في الهوامش أو المراجع إشارة إلى كتاب آخر، أشعر وكأن الكاتب يمد لي خيطًا خفيًّا يقودني إلى محطة جديدة من الفهم. لا أستطيع أن أتجاهل هذا الخيط؛ بل أبحث عن ذلك الكتاب، أقتنيه وأغوص في صفحاته، لأنني أؤمن أن المعرفة لا تُمنح دفعة واحدة، بل تُبنى طبقة فوق طبقة. بهذه الطريقة، تتكامل لديّ الصورة، وأرى الفكرة من زوايا متعددة، كما لو أن كل كتاب يشرح لي سطرًا من الكتاب السابق ويهيئني للذي يليه».
التجارب الواقعية مهمة للقارئ
من جهته، يرى الكاتب علي الحبسي، أن الكتابة التي تنبع من التجربة الشخصية تمتلك قوة لا تُضاهى، فهي لا تكتفي بسرد الأحداث، بل تنقل للقارئ جزءًا من روح الكاتب ونظرته للحياة، ويبين: «عندما أشارك تجاربي، بما تحمله من نجاحاتٍ وعثراتٍ وتحوّلات، فإنني لا أكتب لمجرد الحكاية، بل لأصنع جسرًا من الصدق والتجربة بيني وبين القارئ. هذا الارتباط الإنساني العميق هو ما يجعل النص حيًّا ومؤثرًا، لأن القارئ لا يرى في الكلمات قصة غيره فحسب، بل يرى انعكاسًا لذاته وتجربته في سطور الكاتب».
العلاقة بالكتب تبدأ من الطفولة
وترى الكاتبة مريم جمال أن علاقة الإنسان بالكتاب تبدأ منذ لحظاته الأولى في الحياة، فحب المعرفة لا يُزرع فجأة، بل ينبت بهدوء منذ الطفولة «في رأيي، يمكن للأم أن تبدأ بتقديم الكتب لطفلها منذ عمر أربعة أشهر، ليس ليقرأ طبعًا، بل ليتعرف على شكل الكتاب، على ألوانه، وملمسه، وصوته حين تُقلب صفحاته. هذه اللحظات البسيطة هي البذرة الأولى لعلاقةٍ عميقة تنمو مع الوقت، فكل صفحةٍ يلمسها الطفل تُشكّل في داخله إحساسًا بالارتباط مع هذا العالم الجميل من القصص والأفكار، ليكبر وهو يرى في الكتاب صديقًا لا مجرد وسيلة للمعرفة».
