09 سبتمبر 2025

د. باسمة يونس تكتب: أن تكون معلّماً

كاتبة إماراتية، دكتوراه في القيادة التربوية. أصدرت (10) مجموعة قصصية، (4) روايات،(12) نص مسرحي وعدة أعمال درامية وإذاعية .حاصلة على أكثر من( 22 ) جائزة في مجالات الرواية والقصة والمسرحية

مجلة كل الأسرة

في إحدى قاعات كلية الطب، وقف أستاذ معروف بغطرسته وشغفه بإحراج الطلاب. كان يحب أن يُشعر من أمامه بأنه دون مستوى الفهم، وكان يظن أن السخرية هي أداة التعليم الأقوى.

في إحدى محاضراته، نظر الأستاذ إلى أحد الطلاب وسأله بنبرة استعلاء:

كم كلية لدينا؟

أجابه الطالب، من دون تردد:

- أربع.

ضحك الأستاذ باستهزاء، والتفت إلى مساعده قائلاً:

أحضر بعض العشب، يبدو أن لدينا حماراً في القاعة!

ضحك بعض الطلاب بخوف، كان الموقف محرجاً لزميلهم، لكنهم سيجاملون الأستاذ تجنباً لردود فعله، ولسانه السليط.

ساد صمت ثقيل بعد ذلك، لكن الطالب الذي تلقى تهكّم أستاذه لم يفقد رباطة جأشه، بل ردّ بهدوء مدهش وهو ينظر إلى المساعد:

وكوب قهوة لي، من فضلك.

أثار هدوء الطالب وكلامه غضب الأستاذ الذي ما كان منه سوى أن طرد الطالب من القاعة، ظناً أنه لقّنه بذلك درساً قاسياً في الاحترام.

في الحقيقة ما لم يخمّنه الأستاذ أن ذلك الطالب لم يكن عادياً، بل هو «أباريسيو توريللي أبوريللي»، الرجل الذي سيُعرف لاحقاً باسم «بارون إيتاراري»، أحد أبرز الفكاهيين في تاريخ البرازيل، وما لم يتوقعه الأستاذ أن ذلك الطالب كانت لديه الجرأة الكافية للرد على أستاذه ردّاً مفحماً، جديراً بتذكير الأستاذ بأنه لا يستحق أن يكون معلّماً، ولا يمتلك الذكاء الكافي لذلك.

حين خرج الطالب «أبوريللي» المطرود من مكانه، وقف عند الباب، ثم التفت ناحية أستاذه ليقول بابتسامة ذكية:

لقد سألتني يا معلمي كم كلية لدينا؟، والإجابة صحيحة، اثنتان لي، واثنتان لك، أي أربع. فكلمة لدينا تعني الجمع، أما العشب، فاحتفظ به لنفسك، واستمتع بوجبتك.

اندهش الطلاب، وساد صمت جديد، لكنه لم يكن صمت الخوف، بل صمت الاحترام، والانتصار للذكاء.

هذه القصة، التي قد تُروى على سبيل الفكاهة، تحمل في طيّاتها درساً أعمق من كل دروس الطب. فهي تذكّرنا بأن الأستاذ، مهما علا مقامه، لا بد أن يتحلّى بالحكمة، والصبر، والذكاء الحقيقي.

الحكمة هي أن يدرك أن كل كلمة تُقال في قاعة الدرس قد تُخلّد في ذاكرة طالب، والأستاذ في القصة لم يسأل من أجل المعرفة، بل من أجل إظهار ضعف الطالب، وإهانته.

أما الصبر، فهو فضيلة ضرورية في التعليم، فلو كان الأستاذ انتظر وتمعّن في إجابة الطالب، لربما اكتشف أنها صحيحة من وجهة نظر لغوية، وأن سؤاله نفسه كان يحتمل التأويل، لكنه تسرّع، فأهان نفسه، وخسر احترام طلابه.

وأما الذكاء الحقيقي، فليس في التباهي بالمعلومات، بل في القدرة على تحويل الموقف إلى لحظة تعليم لا تُنسى. كان يمكنه أن يضحك مع الطالب لا عليه، ويشرح الفارق بين السؤال الدقيق والسؤال المضلّل، فيخلق درساً مشتركاً، بدلاً من معركة عبثية خاسرة.

التعليم ليس استعراضاً للسلطة، بل فعل بناء، و الأستاذ الذي لا يعرف كيف يزرع الاحترام، سيُنبت حوله صمتاً مُرّاً، لا يدل على الأدب، بل على الخوف، أو السخرية الخفية. أما ذاك الطالب، فقد خرج من القاعة لكنه دخل التاريخ، لا لأنه حفظ دروس الطب، بل لأنه علّم أستاذه درساً في كرامة الفكر، ورهافة الردّ، وشجاعة الذكاء.