19 أغسطس 2025

«تيم لاب فينومينا-أبوظبي»... متحف يتنفس الضوء والصوت والطبيعة مع زوّاره

محررة في مجلة كل الأسرة

مجلة كل الأسرة

يشكّل افتتاح متحف «تيم لاب فينومينا أبوظبي» للفنون الرقمية في المنطقة الثقافية، في جزيرة السعديات، بأبوظبي، تجربة حسية متكاملة، بالتعاون مع مجموعة «تيم لاب» الفنية العالمية، ودائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، وإشراف شركة «ميرال»، حيث تضم المنطقة مجموعة من المتاحف والمؤسسات الثقافية المرموقة، ما يُرسّخ مكانة المنطقة كمركز عالمي لتجارب الفن المعاصر والتفاعلي الغامر.

مجلة كل الأسرة
مجلة كل الأسرة

تتماهى التجربة مع رؤية مؤسس مجموعة تيم لاب، توشيوكي إينوكو، الذي يرى أن الفن لا ينبغي أن يكون كالحجر، جامداً ومنفصلاً عن بيئته، حيث تمتد على مساحة 17,000 متر مربع، وتحوي أعمالاً تحويلية تمزج بين الفن، والتكنولوجيا، والظواهر الطبيعية، يتجوّل فيها الزائر بين عوالم مفعمة بالضوء، والحركة، وإيقاع الطبيعة.

يتألف المتحف من منطقتين رئيسيتين: «المنطقة الجافة»، و«المنطقة المائية».. في «المنطقة الجافة»، يتفاعل الزوار مع مجموعة من الأعمال الفنية التي تستجيب لحركاتهم وتصرفاتهم، ما يخلق علاقة فريدة بين الزائر والعمل الفني. أما في «المنطقة المائية»، فيسير الزوّار عبر ممر مخصص يقودهم إلى عالم مملوء بالتجارب الحسية التفاعلية التي تعمّق ارتباطهم بالفن.

مجلة كل الأسرة
مجلة كل الأسرة

كل لحظة في هذه المساحة الفنية تزوّدك بإحساس غامر بالانتماء إلى عالم آخر غير مألوف، كأن الفن ذاته ينبض من قلب البيئة المحيطة، ما يدفع الزائر إلى إعادة النظر في معنى «الوجود»، وتوسّع إدراكه نحو ما هو أبعد من المادي، نحو العابر، والمتغيّر، والديناميكي. فالأعمال التي تحيط المكان تتسم بالتفاعل المستمر مع البيئة المحيطة، على عكس الأعمال الفنية التقليدية.

مجلة كل الأسرة
مجلة كل الأسرة

أكبر مشروع في العالم

وفي حديثه مع «كل الأسرة»، يرصد مارك كوبر، المدير العام لـ «تيم لاب فينومينا أبوظبي»، ما يميّز «تيم لاب فينومينا أبوظبي» عن المواقع الأخرى لتيم لاب حول العالم، حيث «يعّد أكبر مشروع لـ«تيم لاب» يتم تصميمه على مستوى العالم، ما يجعله إنجازاً فنياً ومعمارياً استثنائياً، من حيث الحجم والرؤية المفاهيمية. وقد جرى تصميم المبنى بالتعاون بين «تيم لاب للهندسة المعمارية» و«إم زد للهندسة المعمارية أبوظبي»، حيث جاء الشكل الخارجي بسيطاً ومتجانساً، ليمنح تبايناً متعمداً مع عالم الأعمال الفنية المتغيرة باستمرار في الداخل. ويجسد هذا المفهوم التصميمي حواراً معاصراً بين الحداثة وروح الهوية الثقافية الإماراتية».

تم تصميم تجربة «تيم لاب فينومينا أبوظبي» لتتناسب مع الثقافة والهوية المحليتين، وهناك عناصر مستوحاة من البيئة الإماراتية، في رؤية فنية تتقاطع مع الفلسفات الإبداعية العالمية، يشرح كوبر: «يستلهم التصميم المعماري ملامحه من الجماليات الطبيعية التي تنفرد بها الدولة، بما في ذلك التكوينات النحتية للمسطحات الملحية، والوديان الجافة، وتدرّجات الكثبان الرملية، ليقدم بيئة معمارية تنسجم مع محيطها، وتمنح الزائر إحساساً بالانتقال إلى بعد فني آخر».

مجلة كل الأسرة
مجلة كل الأسرة

في الداخل، تتفاعل الأعمال الفنية مع الظواهر الطبيعية، مثل الضوء والصوت والرطوبة، لتجسد إيقاعات الحياة اليومية في دولة الإمارات. ويجد المفهوم الياباني القائم على الترابط بين الإنسان والطبيعة والتكنولوجيا صدى واضحاً في القيم الإماراتية التي تجسد روح الانسجام مع البيئة، وأهمية التجربة الجماعية. ويبرز عمل «Megaliths in the Roots Garden» في منطقة المياه بوصفه تجسيداً ملموساً لهذا التفاعل، حيث يعرض مجموعة من الأشجار المحلية النادرة، جميعها من بيئة الإمارات الطبيعية. ومن خلال هذا المزج بين المنظور العالمي والتأثير الإماراتي، يقدم «تيم لاب فينومينا أبوظبي» حواراً ثقافياً متعدّد الأبعاد، تصبح فيه اللغة الرقمية الغامرة وسيلة تعبير جديدة عن الهوية المحلية والابتكار الفني العالمي.

عبر  التفاعل بين المحلي والعالمي، يوفر «تيم لاب فينومينا-أبوظبي» تجربة غامرة تحتفي بالتراث الطبيعي والثقافي لدولة الإمارات

يعكس«تيم لاب فينومينا» العلاقة بين الإنسان والبيئة، وأبرز ما يميّزه هو توظيفه المبتكر للعوامل البيئية، مثل الحرارة، والرطوبة، والضوء، كعناصر حية، تسهم في تجدد الأعمال الفنية وتحوّلها المستمر. ويشرح المدير العام للمتحف: «التجربة ليست ساكنة، بل نابضة بالحياة، تتشكّل في كل لحظة بتفاعل الطبيعة، والمكان، والإنسان. ويعكس هذا النهج منظوراً فلسفياً عميقاً يرى الإنسان جزءاً لا يتجزأ من المنظومة البيئية، لا كياناً منفصلاً عنها. إذ يجد الزوار أنفسهم في قلب أعمال فنية تتجاوب مع وجودهم، وتتفاعل مع المحيط الطبيعي، الأمر الذي يعزز من الفكرة الجوهرية أن البيئة لا تحيط بنا فحسب، بل تشكل وعينا، كما نشكل نحن ملامحها».

تجربة تعزز الإدراك بين الإنسان والبيئة

تؤثر هذه التجربة الغامرة في إدراك الإنسان لذاته، وللعالم من حوله... ولكن كيف؟ يشرح كوبر: «صمم «تيم لاب فينومينا» لإيقاظ مشاعر الدهشة والتأمل العميق، من خلال إزالة الحواجز التقليدية بين العمل الفني والمشاهد، ما يُفسح المجال لتجربة حسّية تشرك الزائر بوصفه جزءاً فاعلاً من العمل، لا مجرد متلقٍ له. تُعزز هذه التجربة الإدراك الفردي للعلاقة المتبادلة بين الإنسان والبيئة، إذ تُظهر كيف يمكن لأبسط الحركات كاللمس، أو المشي، أو حتى التنفس، أن تُحدث تأثيراً مباشراً في الفضاء المحيط. وبهذا، تدعو التجربة الزوار إلى إعادة النظر في موقعهم داخل منظومة كونية مترابطة، وتنمّي لديهم إحساساً أعمق بالانتماء، ليس إلى العالم الطبيعي فقط، بل أيضاً إلى الآخرين من حولهم».

مجلة كل الأسرة
مجلة كل الأسرة

تحفز أعمال المختبر الفضول العلمي والمعرفي لدى الزوار، خصوصاً الأطفال، ويرسي «تيم لاب فينومينا أبوظبي» معايير جديدة لمستقبل الفنون التفاعلية والتجريبية، حيث يتم دمج التكنولوجيا بالعلم، والفن، والطبيعة، في تجربة حية تتخطى حدود الإدراك التقليدي.

يخلص كوبر: «لا تكتفي هذه التجربة بإثارة الخيال، بل تحفّز الفضول الفطري، وتدفع الزوار، خصوصاً الأطفال، إلى التفاعل والاكتشاف بفضول علمي، وأسئلة مفتوحة. هنا، لا يكون الطفل مجرّد متفرّج، بل مشارك فعال يستشعر أثر حركته في العمل الفني، ويختبر كيف يمكن للوجود البشري أن يعيد تشكيل الفضاء من حوله. وهكذا تصبح التجربة منصة تعليمية غير مباشرة، تثري التفكير النقدي والخيال الإبداعي، وتسهم في بناء جيل جديد من المفكرين والمستكشفين».

* تصوير: محمد السماني