ذات مرّة، في مطلع عهدي بالصحافة، قمت بزيارة ليلية لمجلة «الحوادث»، في بيروت، لأن المحاسب كان يغيب نهاراً حتى لا يطالبه أحد بالدفع، فترصّدته ليلاً، وخرجت من مكتبه وقد قبضت أتعابي.
قبل مغادرة المكاتب دخلت الحمّام، وغسلت يديّ، ونظرت حولي فلم أجد منشفة. دخلت على نائب رئيس التحرير وهو منكبّ على الكتابة. مددت يدي إلى أول ورقة مقلوبة على وجهها، واستخدمتها للغسيل. لم ينظر إليّ لأنه كان مشغولاً ومركّزاً، وأنا لم أنظر إلى الورقة الثانية التي استكملت بها تنشيف يديّ، لكن حين كنت أرميها في الزبالة لاحظت أنها تحمل كتابات، وأدركت سريعاً أنني كنت أمسح يديّ بمقالته.
تركت الورقة مكانها، وتركت المكتب بأسره، وغِبت، (لكوني لست من المحررين الدائمين)، نحو أسبوعين قبل أن أعود، تماماً كالمجرم الذي لابد له أن يزور مكان الجريمة.
بعد القلم الطابعة اليدوية.. وبفخر كنت من أوائل من استخدمها في الصحافة، ثم توقفت عنها عندما اشتريت الكومبيوتر الأول لي من زميل في جريدة «الحياة»، في منتصف التسعينيات.
ما دفعني للخطوة أنني كنت في باريس أطبع مقالتي ليلاً، في الفندق الذي كنت أنزل فيه عند كل زيارة. فجأة خبط جاري الحائط شاكياً من صوت الطابعة.
كان عمر الكومبيوتر لا يزال حديثاً. وكان الكومبيوتر الذي اشتريته بدائياً بمعايير اليوم، لكنه كان تكنولوجيا متقدّمة جداً في ذلك الحي.
أحد مشاكله أن الفنادق (وقد أمضيت أكثر من نصف عمري فيها)، لم تكن مجهزة لمثل هذا الاستخدام. في تورنتو، غيّرت فندقين قبل أن أنجح في إرسال مقال من غرفتي.
في لوكارنو السويسرية، وجدت نفسي جالساً في مكتب الاستقبال لكي أبعث برسائلي عن مهرجانها. عادة في الصباح الباكر جداً قبل أن يبدأ وصول الزبائن، أو في نهاية الليل. لم يكن هناك «واي فاي» في معظم فنادق المدينة
الآن جميعنا نستخدم الكومبيوتر الذي تستطيع معه تنشيف يديك بورقه، ولا إسماع جارك أنك تكتب.