أم كلثوم بنت النبي محمد: حياتها في دار النبوة وزواجها من عثمان بن عفان ذي النورين
في صميم الحياة القاسية
عاشت السيدة «أم كلثوم» في دار النبوة الشطر الأعظم من حياتها. وكانت مع أختها تعاني قساوة معركة الاضطهاد الأولى، التي بلغت ذروتها حين يئست قريش من خذلان أبي لهب لابن أخيه، وخاب سعيها لديه كي يسلمه إليها فيبطشون به، فائتمروا فيما بينهم على مقاطعة بني هاشم، وسجلوا مقاطعتهم في وثيقة علقوها في جوف الكعبة. فكان أن خرج محمد (صلى الله عليه وسلم) ومن معه إلى شعب أبي طالب. وضاق الحصار عليهم حتى أنهم كانوا يأكلون الخبط وورق السمر. وأقاموا على ذلك نحو ثلاث سنين، لا يصل اليهم شيء إلاّ سرّاً. وكانت أم كلثوم إلى جانب أخواتها وأمها وأبيها، تنهض بمهام البيت النبوي في شعب «أبي طالب»، حتى بلغ منهم الجوع مبلغه. ذكر سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بعد محنة الحصار بسنتين: «لقد خرجت حتى أني وطئت ذات ليلة على شيء رطب فوضعته في فمي وبلعته، وما أدري ما هو إلى الآن»!
عاشت السيدة «أم كلثوم» في دار النبوة في مكة الشطر الأعظم من حياتها. وكانت مع أختها تعاني قساوة اضطهاد المسلمين الأوائل، التي بلغت ذروتها حين يئست قريش من خذلان أبي لهب لابن أخيه، وخاب سعيها لديه كي يسلمه إليها فيبطشون به، فائتمروا فيما بينهم على مقاطعة بني هاشم، وسجلوا مقاطعتهم في وثيقة علقوها في جوف الكعبة المشرفة. فكان أن خرج محمد (صلى الله عليه وسلم) ومن معه إلى شعب أبي طالب. وضاق الحصار عليهم حتى أنهم كانوا يأكلون الخبط وورق السمر.
وأقاموا على ذلك نحو ثلاث سنين، لا يصل اليهم شيء إلاّ سرّاً. وكانت أم كلثوم بنت النبي إلى جانب أخواتها وأمها وأبيها، تنهض بمهام البيت النبوي في شعب أبي طالب، حتى بلغ منهم الجوع مبلغه.
وكانت أم كلثوم مع أهلها وسائر المؤمنين لا يتزعزع إيمانها مثقال ذرة ولا تتزحزح عن مساندتها لمن تبع الدعوة ووقف ينصر النبي (صلى الله عليه وسلم) في هذه المحنة الشديدة. وذات ليلة، خرج الرسول إلى فم شعب أبي طالب يستقبل بعيراً أوقره هشام بن عمرو بن ربيعة العامري طعاماً للمسلمين. وكان يريد (صلى الله عليه وسلم) أن يشرف على توزيعه في ذوي العيال ممن معه، فسهرت «أم كلثوم» عند فراش أمها التي علت بها السن وأنهكتها الأحداث، تخفف عنها ما استطاعت، وتؤانسها وهي تعيش وحشة غياب الزوج عن الدار باستمرار من أجل الدعوة. ولطالما سمعتها وهي تناجيها: «ليت الأجل يمهلني حتى تنجلي المحنة، فأموت قريرة العين راضية» ولطالما كانت تتعلم من أمها الصبر على المكاره من أجل نصرة النبي (صلى الله عليه وسلم). حدثت أم كلثوم أن أمها حين أسبلت عينيها ذات يوم وهي على فراش المرض ناجت ربها: اللهم إني لا أحصي ثناء عليك! اللهم إني لا أكره لقاءك، ولكني أطمع في مزيد من التضحية لأكون جديرة بما أنعمت علي».
التربية الصالحة
وكانت أم كلثوم بجانب أمها وأبيها تتلقى من دار النبوة التربية الصالحة والعمل الصالح، كما تتدرب على شظف العيش ووعورة الحياة وصعوبة السلوك مع الأقربين والأبعدين. وكانت تجالس أمها في جوف الليل، حتى إذا احتضر الضوء النحيل الشاحب الذي كانت تبعثه ذبالة واهية هناك، ولفّ الكون سكون خاشع، وأرهف الليل سمعه لهذه النجوى المؤثرة، لم يعد يسمع فيه سوى أنفاس أم المؤمنين، وخفقات قلب أم كلثوم التي راحت تدعو صامتة.
كذلك كانت «أم كلثوم» تصغي إلى ما كان أبوها عليه الصلاة والسلام، يحمل من الأنباء، وأن المسلمين تتعزز مواقفهم يوماً بعد يوم ويتغلبون على أعدائهم مهما قست قلوبهم واشتدت ضرباتهم وتنوعت أساليب الإبعاد والحصار. حتى أن أم كلثوم شعرت ذات ليلة كأن ظلام الليل ينقشع رويداً رويداً، كيما يفسح المجال لنور الفجر الجديد. وقد عاد العم أبو طالب في ليلته تلك من زيارة الحرم القدسي الشريف في مكة، ليحدّث المسلمين في شعب أبي طالب عمّا رأى وسمع من أمر نقض الصحيفة. فقد قام فريق من أهل مكة يلتمسون الصحيفة لشقها وفيهم أبو طالب، فوجد أن الأرضة قد أكلتها، فلم تدع إلاّ: «باسمك اللهم»! وقال إن قريش وجمت وأسقط في يدها وأحست بالسهم الذي راشته يرتد إلى صدرها فيمزقه. وقد أخذ يردد وهو في طريقه إلى البيت العتيق:
ألا هل أتى بحرينا صنع ربنا على نأيهم، والله بالناس أرود فيخبرهم أن الصحيفة مزقت وأن كل ما لم يرضه الله مفسد فكان الناس يهتفون في الشعب ومعهم «أم كلثوم»: الله أكبر.
شهدت رحيل أمها وهجرة أبيها
ما كاد حصار مكة يتهاوى ويغدو القوم ساعين إلى البيت، حتى رقدت السيدة خديجة في فراشها تتهيأ للقاء ربها بعد أن اطمأنت على زوجها الحبيب. ثم فاضت روحها وأم كلثوم إلى جانبها تهون عليها سكرات الموت وزوجها النبي (صلى الله عليه وسلم) يبشرها بما أعدّ الله لها من نعيم في جنان الخلد. وفي العاشر من رمضان سنة عشر من المبعث حملت إلى الحجون، وهناك أضجعها الرسول (صلى الله عليه وسلم) بيديه في حفرتها، ثم ودّعها وآب إلى بيته محزوناً. وكانت أم كلثوم في انتظاره تتشقق أسى ولوعة على غياب الأم الحنون وجدث الرحمة في الحجون.
وأحس النبي أن المقام بمكة لم يعد يطاق بعد رحيل خديجة. فقد نبا به المكان، غير أن طيفاً منها ظل يلم بها غادياً ورائحاً، فيؤنس غربته في وطنه حتى أذن الله له هجرته إلى يثرب. فنهض يودع بناته زينب وأم كلثوم وفاطمة. ثم ذهب في ضحوة النهار إلى بيت أبي بكر الصديق فاستصحبه، ثم كانت اللحظة الأولى للانطلاق في الانفصال عن مكة والهجرة إلى يثرب، ومن على تلٍ أشرف النبي (صلى الله عليه وسلم) على مهد الصبا ودار النبوة ومبعث النور، ثم قال: «والله إنك لأحب أرض الله إلى الله. وإنك لأحب أرض الله إليّ. ولولا أهلك أخرجوني ما فارقتك». ثم مضى في طريقه إلى الغار يصحبه الصديق أبو بكر، ولبثت أم كلثوم مع أختها فاطمة وحيدتين في البيت النبوي المهجور: خديجة ترقد في الحجون، ومحمد (صلى الله عليه وسلم) في الغار، ينتظر مع الصديق بدء الهجرة إلى يثرب، والأسى يعمّ الزمان والمكان لولا رحمة من الله كانت تنـزل على قلب أم كلثوم وفاطمة فتهدأ الخواطر، وتندمل القلوب المفجوعة.
أم كلثوم المهاجرة
وكانت الأيام والليالي مشحونة بالقلق واللهفة، مثقلة بالخوف والشجن في غياب النبي عن منـزل أم كلثوم. ثم جاءت البشرى بوصوله سالماً إلى يثرب. ثم ما لبث زيد بن حارثة أن أقبل ليصحب أم كلثوم وشقيقتها فاطمة وآل أبي بكر إلى يثرب دار الهجرة.
وأمضت أم كلثوم يومها الأخير بمكة، تذكر الأمس السعيد وهي في دار النبوة وفي أحضان الوالدين الحنونين: خديجة ومحمد (صلى الله عليه وسلم) وبجانب الأخوات الثلاث: زينب ورقية وفاطمة. ثم هي تخرج مع فاطمة، تغلق الباب الذي شهد ماضيهن الخليّ. ثم سعين إلى الحجون حيث ترقد الأم الحنون، تروين قبرها بالدموع الطاهرة. ثم بدت تمسك بيد أختها فاطمة وتمضي بها إلى حيث كان زيد بن حارثة في انتظارهما. وكان لأم كلثوم أن تلقي نظرة وداع على مغاني مكة، وما كانت تدري أتكون إليها عودة. وها هي تندمج في الركب المهاجر، وكان شجنها يخفّ عليها وهي تغذّ السير في موكبها إلى أبيها الرسول (صلى الله عليه وسلم) في دار النبوة الجديد في المدينة.
شهدت «أم كلثوم» في المدينة عودة أبيها منتصراً من «بدر»، وكانت تقف إلى جانبه تخفف عنه من وعثاء السفر ومن غبار الجهاد، حين كان يكثر من الخروج من المدينة. كذلك شهدت موت شقيقتها الغالية «رقية» يوم النصر، فكانت تمزج دموع الفرح بدموع الحزن. وها هو العام الثالث يهل على أم كلثوم ولا يزال حزنها جديداً على رقية، ولا تزال قريش تبكي قتلاها وتتداعى للثأر من النبي (صلى الله عليه وسلم) ومن يقف معه من المسلمين. فكانت في كل يوم تكتب حياتها في دار الهجرة، تماماً كما سائر المسلمين المجاهدين الذين نذروا أنفسهم وأموالهم في سبيل الجهاد وإعلاء شأن الدعوة.
قدر أم كلثوم ورقية
كانت أم كلثوم تلمح «عثمان» وهو يلازم دار النبوة في المدينة ويلتمس لديه العزاء عن فقيدته الغالية. ودخل عمر بن الخطاب يوماً على النبي مستثار الغضب: لقد عرض ابنته حفصة بعد أن مات زوجها خُنيس بن حذافة، على أبي بكر ثم على عثمان، دون أن يلقى أي منهما تجاوباً. وسمعت أم كلثوم كيف أن أباها يلاطف عمر فيقول له: «يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة» وخفق قلبها لما سمعت!
فما من امرأة خير من أم كلثوم تشغل مكان أختها رقية في بيت عثمان. وعادت بها الذاكرة إلى الماضي البعيد، يوم وقفت هي وأختها الراحلة «رقية» تصغيان إلى أبيهما حين عرض عليهما رغبة ابني أبي لهب في الزواج منهما. ثم كان على رقية وأم كلثوم أن تجتازا المرحلة القاسية معاً، حين طلقهما ابنا «حمالة الحطب» في وقت واحد.
وها هي أم كلثوم يتكرر قدرها مع رقية التي تزوجت من عثمان فيما بعد. فتتزوج هي من زوج رقية بعد موتها. فقد دخلت عليها «أم عياش» خادم النبي (صلى الله عليه وسلم)، تدعوها للقاء أبيها. ثم عقد زواجها من عثمان «ذي النورين» على مثل صداق رقية، وعلى مثل صحبتها. وخرجت إلى بيت زوجها وعليها ثوب عرس، شبيه بذلك الذي دخلت به رقية على عثمان. وعندما شارفت البيت الجديد، أحست كأن طيفاً من أختها رقية الراحلة ينتظرها، ليصحبها هنالك فلا يفارقها في يقظة أو في منام. وربما كانت تردد في شجن: «لم يبق يا رقية إلاّ أن الحق بك حيث ترقدين، فيجمعنا الموت كما جمعتنا الحياة منذ كنا».
زوجة ذي النورين
عاشت أم كلثوم في بيت عثمان ست سنين، رأت فيها الإسلام يبلغ أوج انتصاره. فقد شهدت في بيته «صلح الحديبية» وعدّ عثمان من أهله. كذلك شهدت أم كلثوم وهي في دار عثمان، «بيعة الرضوان»، وكان عثمان قد عدّ من أصحاب هذه البيعة، وإن تغيب عنها إذ بعثه النبي إلى مكة في أمر لا يقوم به غيره.
وعندما فتحت مكة بعد عامين على صلح الحديبية، كانت أم كلثوم في طليعة من دخلوا إلى «البيت الحرام»، ثم أنها دلفت من هناك إلى منـزل أهلها، فرق قلبها لذكرى الراحلات الغاليات: أمها خديجة، وشقيقتها زينب ورقية، وهذا ما جعلها تقوم بزيارة الحجون وتذرف الدموع على الأجداث الطاهرة. كذلك أدركت أم كلثوم مسيرة النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى تبوك في شهر رجب سنة تسع للهجرة. وكان زوجها عثمان يجهز جيش العسرة بتسعمئة وخمسين بعيراً، وأتم الألف بخمسين فرساً، وذلك من ماله الخاص، وبدعاء مبارك من السيدة أم كلثوم. ثم كان لها أن تلبي دعوة ربها في شهر شعبان سنة تسع من غير ولد. ووقف النبي (صلى الله عليه وسلم) يذرف الدموع على جدثها في يثرب مثقل القلب بألم الثكل المتتابع، رحمة الله عليها.
*د. قصي الحسين
