رقية بنت النبي محمد ذات الهجرتين: قصة زواجها من عثمان بن عفان وهجرتها إلى الحبشة والمدينة
من أوراق النبي ودار النبوة
لم يكن قد مضى على زواج زينب الكبرى غير وقت قصير، حتى استقبل البيت المحمدي وفداً من آل عبدالمطلب، وقد جاؤوا يلتمسون مصاهرة ابن عمهم الأمين محمد (صلى الله عليه وسلم). وقد كانوا قد خافوا أن يسبقهم إليه كفء كريم، كما حصل في زواج زينب وأبي العاص بن الربيع. وكانت الأختان رقية بنت النبي وأم كلثوم ينتظران الزواج السعيد. فدخل الشيخ أبو طالب عم النبي وكفيله في صغره فقال والعروسان تسمعان: إنك يا ابن أخي قد زوجت زينب أبا العاص بن الربيع، وإنه لنعم الصهر. غير أن بني عمّك يرون لهم عليك مثل ما لابن أخت خديجة، وليسوا دونه شرفاً ونسباً. وقد جئناك نخطب ابنتينا رقية وأم كلثوم، وما أراك تضن بهما على ابني عمك: عتبة وعتيبة ابني عبد العزّى.
شعرت الأم خديجة بانقباض لا تعرف له تفسيراً، وربما عللته بقرب فراقها لابنتيها وكانت قد فارقت من قبل زينب. ثم عادت ففكرت أنها لا ترتاح إلى «أم جميل بنت حرب» زوجة عبد العزى وأم ولديه. أما رقية بنت النبي وأم كلثوم، فقد انسحبتا إلى مخدعهما في سكون، دون أن تنبسا ببنت شفة! وكانت خديجة (رض) تفضي إلى زوجها لمخاوفها. غير أنها كرهت أن تشغل محمداً بهذه الهواجس، وهي تراه مشغول البال، دائم التفكير منصرفاً عن شواغل الدنيا. وإنها لتدرك بفطنتها وقوة حبها لمحمد (صلى الله عليه وسلم) أن هناك أمراً خطيراً يشغله.
وكانت الأختان من بنات الرسول (صلى الله عليه ةسلم) رقية وأم كلثوم تبدوان أقرب إلى الاكتئاب والقلق، لكن أفكارهما كانت تدور بلا ريب في مدار واحد: ما بال الأسرة تتعجل زواجهما. هلا أتاحت لهما وقتاً تألفان فيه فكرة الانتقال إلى دار أم جميل زوج العم عبد العزى، ذات الطبع الجامح والحاد! غير أن أم كلثوم شجعت رقية وقالت لها إن أبانا لن يقضي هذا الأمر دوننا، فماذا ترينك فاعلة! فأجابت رقية أنها لن تعق أباها وأنها لن تعرضه للحرج أمام أهله وعشيرته الأقربين. ثم تمّ الأمر بهدوء مشوب بالقلق، فتزوجت رقية عتبة بن عبد العزى، وتزوجت أم كلثوم أخاه عتيبة. وبارك محمد ابنتيه، ثم تركهما في حراسة الله ورعايته. وانصرف إلى العبادة والتأمل.
محنة العروس
وما كاد محمد (صلى الله عليه وسلم) يتلقى رسالة ربه ويدعو إلى الدين الحق، حتى أخرجت رقية بنت النبي كما أم كلثوم من بيت عبد العزى أبي لهب، وردتّا إلى بيت أبيهما، خصوصاً أن قريش قد ائتمرت بسيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) في بناته قائلة: «إنكم قد فرغتم محمداً من همه، فردوا عليه بناته فأشغلوه بهن! ومشوا إلى أصهار الرسول الثلاثة، فقالوا لهم واحداً بعد الآخر: فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة من قريش إن شئت». والحق أن ابني أبي لهب لم يكونا في حاجة إلى سعاية قريش في طلاق العروسين، فلقد تكفلت به «أم جميل بنت حرب» من قبل. ولما بعث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنزل عز وجل (تبت يدا أبي لهب وتب). فقال أبو لهب لابنه عتبة زوج رقية: رأسي من رأسك حرام إن لم تطلق ابنته. ففارقها ولم يكن قد دخل بها.
زواج رقية من عثمان بن عفان
وخاب ظن حمالة الحطب أم جميل، فلم يشغل النبي (ص) بابنتيه عن دعوته، ولم يشق عليه طلاق ابنتيه فقد نجاهما الله من محنة العيش مع «حمالة الحطب» و«أبي لهب». وما لبث أن أبدلهما خيراً منهما. فقد تزوجت رقية من عثمان بن عفان بن أبي العاص. وقد أعزه الله في الجاهلية فكان من أعرق فتيان قريش نسباً. وكان أيضاً إلى هذا النسب العريق، بهي الطلعة، فخم السمت، موفور المال رضي الخلق. قال عبدالله بن مسعود (رض) كان عثمان أوصلنا للرحم، وكان من الذين آمنوا، ثم اتقوا الله وأحسنوا. والله يحب المحسنين. وقد أعزه الله في الإسلام، فكان من السابقين الأولين.
هجرتها إلى الحبشة
وإذ أخذت قريش بتعذيب أتباع النبي (صلى الله عليه وسلم) بالضرب والجوع والعطش، آل عثمان بن عفان على أن يبيع أهله وعشيرته ودنياه في سبيل رضى ربه. وهاجر فتى أمية من مكة حين رأى ما يصيب أصحابه من البلاء، وأنه لا يقدر أن يمنعهم، وتوجه الى الحبشة وهاجرت عنه زوجته السيدة رقية وهي على قرب عهد بالزواج. فلم تملك دمعها، وهي تطوف بمغاني صباها مودعة، وتعانق أباها وأمها وأخواتها. وتمهلت في مسيرها إلى حيث كانت راحلتها تنتظر. فلما آن أوان الرحيل، تلفتت وراءها لتملأ عينيها من الوطن، وكانت دموعها تنهمل من عينيها حزناً وشوقاً، فهي مودعة للأوطان ومشتاقة لنصرة النبي على البهتان.
وفي أول مرحلة من الطريق، أناخت الإبل ريثما تجمع المهاجرون الأولون في سبيل الله، فبلغت عدتهم بضعة عشر رجلاً، ورحبت الحبشة بالمهاجرين الأولين وأوسعت لهم أرضها مكاناً سهلاً. وسرّ رقية أن كان بينهم من بني هاشم: جعفر بن أبي طالب وآل زوجها عثمان، عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية وأخوه خالد. وقد أمنهم «النجاشي» وأحسن جوارهم، وتركهم أحراراً يعبدون الله لا يخافون على ذلك أحداً. وحدثوا أن النبي (ص) افتقد أبناء ابنته «رقية»، حتى أتت امرأة أخبرته (ص) أنها رأت رقية وزوجها فقال: «منحهما الله، ان عثمان أول من هاجر بأهله». ولعل السيدة رقية، كانت أشد المهاجرين حنيناً إلى مكة، ولعلها ما انتقدت أبويها وأخواتها من قبل، مثلما افتقدتهم آنذاك. فلقد أثرت الأحداث الشداد التي مرت بها في صحتها تأثيراً عظيماً، لكنها كانت قد وجدت من رعاية زوجها عثمان وحبه، ومن عطف المهاجرين وعنايتهم، ما أعانها على اجتياز الصعوبات.
ماتت أمها
وتحدثت شائعات في الحبشة عن هدنة بين النبي (صلى الله عليه وسلم) وقريش. وأن الحصار قد رفع عن أتباع محمد (ص)، فلم يقو بعضهم على مغالبة الحنين، فتهيأوا للرحيل إلى الوطن. وسار الركب في الطريق إلى مكة يتقدمهم «عثمان بن عفان» وزوجته رقية. وراحوا خلال سفرهم الطويل يعللون أنفسهم بلقاء الأحباب، ويتشاغلون بتمثل ما ينتظرون في الوطن من أمن وسلام. وأطلت عليهم مشارف مكة وما أن وطئت أقدام المهاجرين أرض الوطن، حتى أخذتهم صيحات العداء من كل جانب. فاستجاروا الوليد بن المغيرة المخزومي والحرم الأقدس. وآبت «رقية» إلى بيت أبيها مشوقة مجهدة، فخفت أختاها أم كلثوم وفاطمة للقائها. وتشبثا بها معانقين، وسألت رقية مستريبة عن أمها وأبيها، فجاء الجواب أن الأب بخير للقاء العائدين معك من الحبشة، أما الأم فقد رحلت إلى جوار ربها. ثم جاء الأب فأخذها بحنانه وأسعفها الدفع ما شاء لها حزنها وأساها، ثم أوت إلى صدره الكريم تمضغ حزنها بصبر عظيم.
هجرتها إلى المدينة
لم يطل مقام رقية في مكة، إذ لم يلبث أن اشتدّ الأذى على المسلمين وأخذت قريش تهددهم وتتوعدهم. فآثر النبي الهجرة إلى يثرب، وكذلك هاجرت رقية في صحبة زوجها. وفي دار الهجرة بيثرب وضعت طفلها عبدالله بن عثمان، فملأ عليها منـزلها الجديد أنساً، وأقبلت عليه تريد أن تنسى مرارة ثكلها لجنينها البكر في الحبشة، ولوعة مصابها في فقد أمها وهي في مهاجرها هناك بعيدة عنها. وحسبت أنها استوفت حظها من الآلام، لكن مصاباً جديداً كان يقف لها بالمرصاد، وهي المرأة الشديدة الصبر على النوازل والمصاعب والآلام.مات صغيرها عبدالله وهو في السادسة من عمره بنقرة من ديك، فترنحت رقية تحت وطأة الثكل المرير المضاعف وهي صريعة الحمى، وقيل إنها الحصبة. وكان إلى جانبها يقيم عثمان، فيمرضها ويرعاها. حتى إذا تناهى إلى سمعه صوت داعي النبي (صلى الله عليه وسلم) يحض المسلمين على الجهاد في «بدر» كان يود لو يشارك في تلبية الدعوة العظيمة، غير أن قلبه لم يطاوعه على فراق رقية التي كانت تعالج ما يشبه سكرات الموت، فتخلف عن شهود يوم بدر بأمر من النبي نفسه، وراح يشهد معركة الموت في أعز من له!
موت ذات الهجرتين
لقد كانت حياة رقية/ ذات الهجرتين ما كان قد شاق قلبها، كما لو أن الرواسي حطت فجأة عليه، فتحولت روحها إلى أتون العذاب الدائم، تتلمظ فيه حزنها المرير على حظها من زواجها من عتبة، الذي لم يحفظ لها ودّ ولم يرع لها ذمة ولم يشهد لها حرمة في الدين. فغدر بها حين ردّها إلى دار أبيها كما ردّ أخوه عتيبة أختها أم كلثوم، بناءً لطلب أبيهما أبي لهب وأمهما أم جميل بنت حرب التي كانت تذيقها الأمرين وهي في دار زواجها الأول.
وإذ أقبلت الحياة عليها من جديد فأبدل سوء زواجها الأول بزواجها السعيد من عثمان ذي النورين، غير أن الأمور لم تجر على ما كان العروسان السعيدان يشتهيان، لأن مرارة الهجرة والاغتراب إلى الحبشة كانت في انتظارهما. كذلك كانت مرارة ثكلها بجنينها البكر. وعندما عادت إلى مكة بشوق وتلهف معانقة والدتها خديجة، كانت صدمتها الكبرى بموتها الذي بلغها وهي تعانق أختيها. إنها الصاعقة وقد نزلت عليها، عندما أبلغاها أن أمها كانت قد انتقلت إلى جوار ربها بعد مرض أقعدها أشهراً عديدة، ولم تكن رقية في جوارها لتعودها وتمرضها.
وعندما آذن ربها بالهجرة الثانية إلى يثرب مع زوجها عثمان، تعرضت رقية من جديد لثكل شديد. مات صغيرها عبدالله بن عفان بنقرة ديك! ما فجر فيها حزناً دفيناً. وأرخت الفجائع سدولها عليها فأقعدتها وأصابت منها. وقسا الصراع مع المرض وطال، دون أن يكون أبوها إلى جانبها، لأنه كان قد خرج إلى بدر يدافع عن دين الله. ثم رفت روحها على شفتيها في حشرجة وانية، وعيناها على زوجها ذي النورين، وغابت عن الوجود. وكان ذلك في رمضان في السنة الثانية للهجرة. وجاء الأب الثاكل فدنا من ابنته المسجاة رقية يودعها، ثم انحنى نحو فاطمة وأم كلثوم، فجعل يمسح دموعهما بطرف ثوبه. ولم تتمالك النساء أنفسهن أمام موت رقية، فبكين وانتحبن، ثم خرج المسلمون في إثرها مودعين وقد صلى النبي (صلى الله عليه وسلم) على ابنته رقية ذات الهجرتين رحمها الله تعالى.
*د. قصي الحسين
