10 مارس 2026

زينب الكبرى: قصة حياة ابنة النبي محمد في بيت النبوة والزواج المبارك من أبي العاص

فريق كل الأسرة

مجلة كل الأسرة

من أوراق النبي ودار النبوة

كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم قد بلغ الثلاثين من العمر حين أولدت زوجه خديجة بنت خويلد ابنتهما زينب الكبرى، فشبت في بيت النبوة، ترعاها عاطفة الوالدين الحنونين وتتعهدها بالعناية والاهتمام، لتأخذ قسطها من الطفولة اليانعة في عودها الهاشمي الرطيب. وما أن بلغت العاشرة من عمرها، حتى رنت إليها عيون الهاشميين، وتنافست بيوتات مكة على الظفر بها عروساً لمن يختاره لها أبواها من كرام الفتيان العرب ومن أنجال الشرف والشهامة والسيادة.

وما أن ترعرعت زينب الكبرى وكبرت، فبلغت سن الزواج، حتى تقدمت هالة بنت خويلد من أختها خديجة بنت خويلد، تطلب زينب الكبرى زوجاً لابنها أبي العاص بن الربيع، وقد كان من رجال مكة المعدودين مالاً وأمانة وتجارة، فأتيحت له فرصة لم تتح لسواه، إذ كانت خالته»السيدة خديجة« تنـزله منـزلة الاب. فتهيأ له بذلك أن يغشى بيت النبوة وبيت الرسول محمد صلى الله عليه وسلم كلما أراد، فيجد من الترحاب البالغ والود الصادق، ما يطمعه في أن يكون الزوج المختار لزينب الكبرى. وقد خفق لها قلبه منذ كانت حديثة، فراح ينظر إليها بقلب مفعم بالعطر، وهي ترقى سريعاً في مدارج النمو، وتتفتح للصبا ملء النضرة والبهاء. وكان أبي العاص بن الربيع قد انشغل بها حتى أعماق قلبه، فهو يراها كلّما ألمّ بدار خديجة بنت خويلد، فيؤخذ ببهاء مرآها وعذوبة حنانها وذكاء ملامحها ولطف طباعها وتفتح أنوثتها زهراً وورداً. أمّا إذا ذهب في سفر طويل، فكان ينشغل بالحديث عن زينب الكبرى، فيرنو إلى مكة «أم القرى» على بعد، خافق القلب، مستثار الحنين، يؤنسه طيف من تلك الصبية الرقيقة الوديعة، التي تتألق حلاوة وتفيض عذوبة وتفوح عطراً وإيماناً.

كانت زينب الكبرى تشعر أن أبي العاص بن الربيع يودع في داخله سراً لها، وأنه يتحين الفرصة السانحة ليبوح به خصوصاً عندما يطمئن إلى مواتاة حظه. وقد كلفه هذا الموقف جهداً غير قليل، وفرض عليه قيوداً ثقالاً من الكتمان والحرص والتأني، حتى تأنس زينب الكبرى له في غير حذر ولا حرج، وحتى يجد سبيلاً يسلكه إلى والديها النبي محمد صلى الله عليه وسلم وخالته السيدة خديجة التي بدأت تشعر بنظرات أبي العاص بن الربيع التي ترنو إلى ابنتها زينب الكبرى وهي تفيض عاطفة وحباً.

تلطفت السيدة خديجة كثيراً بالحبيبين: ابن أختها أبي العاص بن الربيع وابنتها زينب الكبرى، وأخذت تفكر ملياً كيف تطلع الرسول محمد صلى الله عليه وسلم على طلب خاطب قادم إلى زينب الكبرى، خصوصاً أنه أبي العاص بن الربيع نفسه، ابن أختها الذي ما انقطع يوماً عن بيت النبوة إلاّ لسفر طويل أعياه وحال دون مراده. غير أنها عزمت على الأمر، وقد رأت حرص القرشيين على مصاهرة الهاشمي الأمين، وخشيت إذا هي تريثت أمداً، أن يسبقوا أبي العاص بن الربيع إلى طلبه يد زينب الكبرى، فيكون حرجاً لا تريده.

الزواج السعيد

كان الأب الكريم، يعرف شعور ابنته زينب الكبرى نحو أبي العاص بن الربيع ورأيها فيه. ولذلك عهد إلى أمها في أن تسبقه إلى زينب الكبرى لتطلع على رأيها. ثم قام يسعى حتى دنا من غرفتها، وقال بصوت الأب المملوء بالحب والحنان: «بنيتي زينب الكبرى، إن ابن خالتك أبي العاص بن الربيع ذكر اسمك». وتلبّث الأب يصغي برهة فلم يسمع سوى خفقات القلب الطاهر، ودعوات الأم الطيبة. ثم إذ به يعود إلى أبي العاص بن الربيع ينتظره، فيصافحه مهنئاً داعياً ومباركاً. وفي مكة ذاع النبأ السعيد، فوجمت له قلوب شبان هاشم وقد كانوا قد طمعوا بالعروس الهاشمية.

غير أنهم لم يقولوا عن أبي العاص بن الربيع إلاّ الخير، فهو قرشي صميم، يلتقي نسبه من جهة الأب مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم عند الجد الثالث عبد مناف بن قصي، ويلتقي نسبه من جهة الأم مع زينب الكبرى عند جدهما الأدنى خويلد بن أسد، فأمه «هالة بنت خويلد» أخت خديجة بنت خويلد. وكان أبي العاص بن الربيع إلى ذلك كريم الخصال، نبيل الشخصية. له من مجده المكتسب والموروث، ما يزكيه ويغنيه ويفتح له أي بيت شاء من بيوتات مكة. وتهيأ بيت النبي محمد صلى الله عليه وسلم للعرس، ومضى أبي العاص بن الربيع يعد بيته لاستقبال الوافدة العروس الهاشمية الغالية. وآن موعد الزفاف، فصحبت الأسرة المحمدية عروسها إلى بيتها الجديد. ولبثت هناك وقتاً تبارك الزوجين، وفي بيت أبي العاص بن الربيع حلت السعادة الخالصة والحب المتبادل.

ثم منّ الله عليهما بوليدهما «علي بن أبي العاص» فأخته «أمامة» فامتلأ البيت بالفرح والغبطة. وكانت "زينب الكبرى" تزور بيت أبيها خصوصاً في سفره الذي قد يطول أشهراً، فتجد ملاعب الطفولة وقد هفت لحنانها القديم الجديد.

النبأ اليقين

وفي إحدى زياراتها لبيت أبيها، وكان زوجها أبي العاص بن الربيع في سفره، أصغت زينب الكبرى إلى أمها تحدثها عن نزول الوحي على أبيها وهو يتعبد في غار حراء. فأخذت بما سمعت حتى لم تحر جواباً. ذلك أن الأمر كان من الخطر والجلال بحيث قصرت عن إدراكه وأعياها أن تبلغ مداه. وكانت أختها فاطمة تقول لها إنك بنت نبي هذه الأمة يا أختي أو ما يزداد سرورك سروراً! وعندما عاد زوجها أبو العاص من سفره، تحدثت إليه زينب بالنبأ اليقين ووجهها يفيض بشراً وفخراً، غير أنه راعها صمت عميق ران على وجه أبي العاص، وقد أتبعه بقوله: أخشى أن أفارق دين آبائي! فما تركت له، وقد أبلغته لتوها: أنا بعد، قد أسلمت يا ابن الخالة! وكان حديث بينهما، خرج بعده أبو العاص مولياً إلى دار الندوة. ثم آب إليها في غسق الدجى واجماً مطرقاً، فلم تحاول أن تسأله عما به حتى قال بصوت حزين: لقيت أباك اليوم في الكعبة يا زينب ودعاني إلى الإسلام. ثم ترنح صوته، ما أغناها عن سؤاله بما أجاب الدعوة!

رحلة العذاب

كانت الليالي تتتالى والكلال يغلب على الزوجين، خصوصاً وقد تمسك أبي العاص بن الربيع بما بدر منه قائلاً لزينب الكبرى بصوت خفيض: ليس أحب إليّ من أن أسلك معك في شعب واحد… لكني أكره لك أن يقال إن زوجك قد خذل قومه وكفر بآبائه إرضاءً لامرأته. فهلاّ قدّرت وعذرت؟ وقد تمثل بأبي طالب حين بقي على دين قومه، وإن محمداً لأحب إليه من ولده، ما يساوره في صدقه أدنى ريب. وكانت عينا زينب تتندى بالدموع ولا تجيب. وكان الأمل يخايلها في أن تنجلي الغمة عن قريب.ولجت قريش في عداواتها للرسول وأمعنوا فيمن تبعه أذى واضطهاداً وكانت المقاطعة الرهيبة التي سجلت في صحيفة علقت بالكعبة وأخرجت الهاشميين إلى «شعب أبي طالب» بظاهر مكة، حيث أقاموا هناك ثلاث سنين. ثم مات العم «أبو طالب» بعد ستة أشهر من تمزيق صحيفة المقاطعة. وماتت أمها خديجة ربة بيت النبي (صلى الله عليه وسلم) ووزيره في الإسلام. وبدأ أتباع محمد (صلى الله عليه وسلم) يهاجرون فراراً من الأذى. وقد بلغ الأمر مبلغاً خطراً حين سرى الهمس في مكة أن قريش ائتمرت بمحمد (صلى الله عليه وسلم)  لتقتله. وقد أوجست زينب خيفة على والدها. وتلفتت حولها، فإذا مكة قد خلت من كل الأهل. وإذا دار أبيها مغلقة خلاء. فكانت تذكر سعادتها المدبرة بقلب يكاد يتصدّع. إن زوجها العزيز لا يزال على دين آبائه!وهاجر النبي إلى المدينة حيث وجد أنصاراً وداراً ومقاماً. وكان أصحابه يتربصون بطريق قريش بين مكة والشام، وقد ظفروا بعيراً تحمل تجارة لقريش. فعاد أبو سفيان إلى مكة يطلب النجدة ويستنفر قريش. فصك صوته سمع «زينب» فأدركت أنها الحرب بين قريش والمسلمين. في الأولين زوجها ووالد طفليها أبو العاص، وفي الآخرين أبوها محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم). ونامت ليلتها وليس فيمن تظله سماء مكة أشقى منها ولا أفدح همّاً! وإذ أصبحت، وقفت ترقب قريشاً وهي تسير إلى دار الهجرة في المدينة بألف مقاتل وفارس.

وانتصر النبي في قلة من أصحابه، على قريش في كثرتها وعدتها. وسمعت زينب بالانتصار العظيم، ففرحت به هاتفة انتصر أبي! ثم تذكرت زوجها أبا العاص مع قريش المهزومة، فاستعبرت باكية. لكن العمة عجلت إليها بالبشرة: لم يقتل أبو العاص، بل وقع في أسر النبي الكريم والد زوجته. وبقي أبو العاص زوج زينب في دار النبوة عند النبي أسيراً، حتى جاءت رسل قريش في فداء أسراها. وغالوا في الفداء، حتى أن المرأة لتسأل عن أغلى ما فُدي به قرشي، فيقال لها أربعة آلاف درهم، فتبعث بمثلها في فداء ابنها.

زينب تبعث في فداء زوجها من أبيها النبي (صلى الله عليه وسلم)

تقدم عمرو بن الربيع أخو أبي العاص، فقال النبي: بعثتني زينب بنت محمد بهذا في فداء زوجها، أخي، أبي العاص بن الربيع! وأخرج من ثيابه صرة قدّمها إلى الرسول، فإذا فيها قلادة خديجة أهدتها إلى زينب يوم عرسها حين زفتها إلى أبي العاص.  فأطرق النبي (صلى الله عليه وسلم) خشعاً وقد هزته قلادة الحبيبة تبعث بها بنت النبي إلى أبيها في فداء زوج حبيب. وأدنى النبي إليه صهره الذي غلبه التأثر، فأسرّ إليه حديثاً، ثم حيّا ومضى، فلما أبعد، التفت الرسول إلى أصحابه من حوله، فأثنى على أبي العاص خيراً وقال: «والله ما ذممناه صهراً»! ودخل أبو العاص بيته، فوثبت إليه زينب فرحة بنجاته.. وحين رجع إلى مكة، أدى إلى كل ذي حق حقه. ثم أسلم ورجع إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)  مسلماً مهاجراً في المحرم سنة 7 هـ. فردّ عليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) زينب بنكاح جديد. وكان زوجها شديد الحب لها وكان يقول في أسفاره:

ذكرت زينب لما ركبت رما                     فقلت سقياً لشخص يسكن الحرمـا

بنت الأمين جزاه الله صالحة                   وكـــل بعلٍ سيأتــي بالــذي علمـــا

وتوفيت زينب رحمها الله سنة ثمان للهجرة، فحزن النبي عليها حزناً شديداً.

* إعداد: د. قصي الحسين