05 مارس 2026

«كلوا واشربوا ولا تسرفوا»: نصائح لتجنب الإسراف في رمضان والحفاظ على ميزانية الأسرة

فريق كل الأسرة

مجلة كل الأسرة

كل عام وأنتم بخير، ونحن في شهر الخير والبركة، شهر ينتظره المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها بكل شوق ولهفة لما في أيامه ولياليه من عطاء إلهي عظيم.. فهو شهر عبادة وتقوى، وشهر توسعة على الأسرة، وشهر كرم وجود وعطاء بين الأسر والأهل والأصدقاء، فهل يليق بهذا الشهر الفضيل أن يتحول إلى موسم سنوي لزيادة الإسراف في رمضان والإسراف المالي للأسر والسفه في التعامل مع الطعام والشراب؟ وهل من المطلوب أن ننشغل في رمضان بماذا نأكل وماذا نشرب ونلف على المتاجر لجمع كل صنوف الطعام والشراب؟

هذه التساؤلات من المهم التعرف إلى إجاباتها من العلماء، ونحن نستعد لاستقبال الشهر الفضيل حتى نضبط سلوكنا الاستهلاكي بتعاليم وآداب الإسلام.. ذلك الدين العظيم الذي وضع للمسلم قاعدة ذهبية للإنفاق والتعامل مع نعم الله في كل وقت وخاصة في شهر الصوم والعبادة، للحفاظ على الاعتدال في الطعام والاعتدال في الشراب.

رمانة ميزان الأسرة

الخبيرة الاجتماعية د. عزة كريم المستشارة بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية في مصر تعبر عن أسفها لارتباط ظاهرة الإسراف في رمضان وإسراف الطعام والشراب بشهر كريم من المفترض أن يقل استهلاكنا فيه بمعدل الثلث، فنحن في رمضان نتناول وجبتين يومياً، بينما في بقية شهور السنة نتناول ثلاث وجبات يومياً فنحن في رمضان نوفر وجبة يومية، فكيف يزيد استهلاكنا في رمضان من الطعام والشراب عنه في غير رمضان؟

وتضيف: المنطق يقول هذا، لكن الواقع يقول إننا قبل قدوم رمضان بشهرين وربما أكثر ننشغل بجمع كل صنوف الطعام لاستهلاكه في رمضان ربما خوفاً من زيادة الأسعار، وربما خوفاً من عدم وجود نقود في رمضان تفي بالمطالب الكثيرة التي تشغل المرأة العربية بها قبل رمضان.

وتتفق الخبيرة الاجتماعية مع أستاذ الاقتصاد الإسلامي في أن محاكاة الأسر بعضها لبعض فيما يتعلق بولائم وعزومات رمضان هو الذي يؤدي إلى زيادة الإسراف في رمضان،

فوليمة رمضان لم تعد في إطار الاعتدال بل أصبحت وسيلة للتفاخر والتباهي حيث تتلاقى فيها كل أشكال الطعام والشراب وما نأكله ونشربه منه قليل للغاية ويكون مصير هذا الطعام في الغالب صناديق القمامة، وهو أمر محزن لأن كل مجتمع عربي فيه فقراء لا يجدون ما يفي بحاجتهم من الطعام والشراب، وعليه علينا أن نغلف بواقي الموائد مما لم تعبث به الأيدي ونوزعه على الفقراء ليكون أحد أشكال الصدقة التي نتقرب بها إلى الخالق سبحانه، كما نحمي أنفسنا من عقاب الخالق الذي سيحاسبنا حتماً على إلقاء نعم الله في صناديق القمامة ومخلفات الطعام، وبهذا يكون الحفاظ على ميزانية الأسرة من أهم أولويات رمضان.

وهنا تحمل د. عزة المرأة المسؤولية الأولى في ضبط ميزانية الأسرة والإنفاق المضاعف على الطعام والشراب في رمضان، مؤكدة أن الزوجة الرشيدة هي التي تضبط سلوك زوجها الإنفاقي في رمضان، وتستطيع كل زوجة أن تشكل وتنوع في مائدة رمضان في حدود حاجة الأسرة، فالإنسان في رمضان لن يأكل أكثر من طاقته، ولو أكل أكثر من حاجته سيمرض ولن يستطيع إكمال ما عليه من واجبات وعبادات، ومن هنا يظهر دور آداب رمضان وتربية الأطفال على احترام الطعام.

ولذلك يجب أن تكون الزوجة «رمانة ميزان» بحيث لا تصنع من الطعام أكثر من الحاجة وتقدم لأفراد الأسرة احتياجاتهم الغذائية بشكل جيد دون إسراف، وما يتبقى من الطعام تستطيع أن تحفظه بطريقتها وتقدمه في اليوم أو الأيام التالية بشكل مختلف دون أن تشعرهم بأن هذا المتبقي من طعام أيام سابقة، كما أن هذه المرأة الرشيدة تضبط السلوك الإنفاقي للأسرة في رمضان، فلا تطلب طعاماً من خارج البيت إلا عند الضرورة،

وتصنع هي بنفسها ما يحتاجه زوجها وأولادها، وتصنيع الطعام في المنزل يوفر أكثر ممن ندفعه فيه خارج المنزل، كما أنها لا تطلب من زوجها ولا تلملم من المتاجر والمولات التجارية غير ما تحتاج إليه.

وبالإضافة إلى كل ذلك هي موائد الطعام التي تستضيف عليها أسر أخرى عاقلة رشيدة لا تجنح إلى التفاخر بالإسراف وتهتم بالنوع أكثر من انشغالها بالكم، فتقدم لضيوفها طعاماً جذاباً يجد عندهم القبول والرضا في حدود احتياجاتهم الفعلية.

وترى د. عزة ضرورة تربية الصغار على احترام الطعام في رمضان، لأن معظم ما يهدر من الطعام هو ما يتبقى في أطباق الأطفال، وهذه مسؤولية الأم بالدرجة الأولى، حيث ينبغي أن تعلم كل أم صغارها على كيفية احترام الطعام وعدم العبث به وعدم الأخذ منه أكثر مما يحتاج، حيث تشير دراسات طبية عديدة إلى أن الأمهات هن المسؤولات عن حالة السمنة التي يعانيها أطفالهن.

مجلة كل الأسرة

إسراف يغضب الله

العالمة الأزهرية د. آمنة نصير العميدة السابقة لكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالأزهر تحذر هي الأخرى من السفه الاستهلاكي في رمضان، وتؤكد أن سلوك المسلمين مع الطعام والشراب خلال الشهر الفضيل يجلب معظمه غضب الله وعقابه، ويتسبب في إهدار أجر وثواب الصوم لأن الطعام نعمة واجب المسلم أن يتعامل معها باعتدال والإسراف فيها يؤكد عدم الوعي بأهميتها، وهذا أمر مرفوض شرعاً.

وعن عادة الموائد الرمضانية واستضافة الأهل والأقارب تقول د. آمنة: لا نستطيع أن نلوم هذه الأسر أو ننتقدها.

فرمضان شهر كرم وجود وتواصل أسري واجتماعي، ولذلك نرحب بموائد الإفطار الأسرية وما تحرص عليه كثير من الأسر العربية من تبادل الزيارات خلال هذا الشهر الكريم، لأنها مظهر طيب من مظاهر الترابط الاجتماعي التي ينميها فينا شهر رمضان المبارك، وكل ما يقوي الصلة بين المسلمين سواء أكانوا أقارب أو أصدقاء أو زملاء عمل أو جيران مطلوب ومشروع، لكن نؤكد ضرورة الالتزام بالآداب والأخلاقيات الإسلامية خلال هذه التجمعات بمعنى أن نتجنب الاختلاط بين الرجال والنساء والشباب والفتيات، والذي يجر إلى كثير من الرذائل المنهي عنها شرعاً في رمضان وفي غير رمضان.

كما ننصح الأسر التي تحرص على هذه الموائد الجماعية بالبعد عن مظاهر الإسراف في الطعام والشراب، فإكرام الضيف مطلوب لكن إهدار نعم الله معصية وإثم، فبعض الأسر تتفاخر وتتباهى بإعداد أطعمة كثيرة ومتنوعة وتذهب معظمها إلى صناديق القمامة وهذا أمر يرفضه الإسلام، وإكرام الضيف ليس بكثرة الطعام والشراب الذي يقدم له، ولكن الإكرام الحقيقي بالحفاوة به، وإحاطته بكل مشاعر المودة والمحبة وإشعاره بأن الجميع يرحب به ويرغب في تكرار زيارته.

كما تحض د. آمنة أهل الخير القادرين ومحدودي الدخل على إعداد طعام الإفطار في رمضان للفقراء وعابري السبيل من خلال موائد الرحمن في كل البلدان العربية والإسلامية، وتؤكد أن هذه الظاهرة الطيبة مطلوبة شرعاً، فإطعام الطعام من أفضل الأعمال والله عز وجل يقول في شأن المؤمنين المخلصين الصادقين في إيمانهم: «ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً‏»‏، ورسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يقول: «أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام»، ويقول صلى الله عليه وسلم‏: «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به».. وقد أوصى صلى الله عليه وسلم بإكرام الضيف وعده من علامات الإيمان فقال‏:‏ «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت».

مجلة كل الأسرة

‏الاعتدال.. هو الحل

د. حذيفة المسير الأستاذ بكلية أصول الدين بالأزهر ينتهي بنا هنا إلى ضرورة الحرص على الاعتدال وتجنب كل صور الإسراف والسفه الاستهلاكي سواء في رمضان أو في غيره، فهذا هو المطلوب من المسلم في كل وقت وفي كل مكان، ويقول: الإنسان مسؤول عن المال الذي استودعه الله إياه، واستخلفه عليه فهو يتصرف فيه بالطرق المشروعة من غير إسراف أو تقتير، سائراً على المنهج القرآني الذي رسمه الله سبحانه وتعالى في قوله: «والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما»، فالتعامل المعتدل مع المال ونعم الله هو سمة الشخصية المعتدلة، التي تتحاشى الإفراط والتفريط تنفيذاً لقول الله تعالى: «ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً». فالإسلام لا يمنع من التمتع بالطيبات، ولكنه يضع لها من الضوابط ما يصون شخصية المسلم من الإسراف فيها من ناحية، ومن التكبر والاستعلاء من ناحية أخرى، فالضابط الأول مادي ينظم حاجة الجسم حتى يظل صحيحاً معافى، والآخر معنوي أخلاقي ينظم طريقة استخدام الرزق، فلا ينحرف الإنسان بما لديه من مال إلى الغرور والمكابرة والمفاخرة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل واشرب والبس وتصدق في غير سرف ولا مخيلة».

وإذا كان الإسراف رذيلة ممقوتة، فإن الشح والبخل من أشد الرذائل خطراً على الفرد والجماعة فالبخيل يده مغلولة يضيع حقوق الناس، ويعطل سير الحياة، ويوقف أعمال البر والخير بل إنه يترتب على الشح من المضار والمساوئ ما يكون سبباً في سفك الدماء واستحلال المحارم، قال صلوات الله وسلامه عليه: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم». بل إن ضرر البخل لا يقتصر على الجماعات فحسب، وإنما يعود على نفس الإنسان البخيل ويرجع عليه بالشرور والمخاطر، وهنا يقول الحق سبحانه: «ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل على نفسه والله الغني وأنتم الفقراء». ومن هنا يتضح لنا أن الإسلام هو دين الاعتدال في كل شيء، يحرم التقتير كما يحرم الإسراف لأن كليهما ظلم للنفس وتحطيم لقدراتها، وإن اختلفت الوسيلة، فعلى المسلم إذاً أن يتجنب الإسراف في شتى صوره في المأكل، والملبس والمشرب، والترفيه، وسائر الأغراض المشروعة، لأن الإسراف يعني تبديد الموارد وإضاعة الثروات فيما لا يفيد، وقد سجلت دراسات كثيرة أن المواطن العربي ينفق معظم دخله على الطعام والشراب ووسائل الترفيه مما يعني تراجع معدلات الادخار، وربما الاستدانة في بعض الأسر من أجل الوفاء بالالتزامات الحياتية ومعظمها استهلاكية.