الانتحار... بين المسؤولية الشرعية للأسرة وتدابير ديننا الحنيف لحماية الإنسان
يعدّ الانتحار السبب الثالث، عالمياً، في الوفاة بين الفئة العمرية من 15 إلى 29 عاماً، وتتعدّد أسبابه وأبرزها الاضطرابات النفسية، منها الاكتئاب، تعاطي المخدرات، أزمات مالية، أو حتى مشكلات أسرية، وغيرها من اضطرابات تتعلق بالشعور بالعجز، أو الإحساس بالوحدة.
وعبر التاريخ، هناك العديد من قصص الانتحار التي أثارت اهتماماً عالمياً، وألقت الضوء على التأثير الكبير للصحة النفسية في الأفراد. وفي مجتمعنا، يعدّ الانتحار محرّماً شرعاً، لكون حياة الفرد هي «أمانة من الله سبحانه وتعالى»، وعلى الرغم من ذلك، نرصد بعض حالات انتحار، وبالأخص بين الشباب، وآخرها حالة انتحار لمحفّظ قرآن شنق نفسه في محافظة سوهاج، بمصر، بعد صلاة الفجر، من دون توضيح الأسباب.
وفي هذا الصدد، ترصد الدكتورة أمل مرجي، أستاذة الفقه وأصوله في الجامعة القاسمية، حكم الانتحار في الشريعة الإسلامية: «حثت الشريعة الإسلامية على حفظ النفس، واعتبرتها من الضرورات الخمس، ودعت إلى حفظها وجوداً، وعدماً، قال تعالى : (ولا تقتلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)، وقال تعالى : (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)؛ وقد عدّ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قتل النفس من المهلكات: «اجتنبوا السبع الموبقاتِ. قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ:... وَقَتْلَ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّم الله إلا بالحق..)».
وتوضح : «فالاعتداء على النفس، حقيقة، من أعظم أنواع الجرائم التي قد يقترفها الإنسان، لا سيما وأن هذه النفس ليست ملكاً لصاحبها، بل هي ملك الله تعالى، ثم إن الإنسان خلق لغاية عظيمة، تمثلت في عبادته، جلّ وعلا، وعمارة الأرض، فكانت بذلك النفس البشرية أمانة لدى صاحبها، ومحيطه الإنساني. وإذا نظرنا في حقيقة جريمة الانتحار نراها تشتمل على معانٍ خطرة، ومآلات عظيمة؛ فهي جريمة فيها معنى إنكار نعمة الحياة، وفيها افتئات على حق الله تبارك وتعالى، إذ قال سبحانه: (هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)؛ وقال النبي صلى الله عليه وسلم (لَا يَتَمَنَّيَنْ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرّ نزل به...)، فضلاً أن فيها معنى القنوط واليأس، فالانتحار حرام شرعاً، لا يجوز للمسلم أن يلجأ إليه بأيّ صورة كانت».
كمتخصصة في الفقه، ترصد د. أمل مرجي تماس الشباب مع أبعاد دينهم. ولكن، هل الوازع الديني ضعيف لدى هؤلاء، لا سيما في ظل انتحار محفّظ قرآن، أخيراً؟
تجيب «لا شك في أن الشباب يعدّون ركيزة أساسية لأيّ مجتمع، وشريان حياة البلاد، وأملها المعقود عليه، حاضراً ومستقبلاً؛ فهم أساس البناء الإنساني، وأداة الإنجاز والتقدم الحضاري، ولكنهم، كأيّ طيف من أطياف المجتمع، قد يتأثرون أحياناً بإيجابيات وسلبيات من حولهم، لا سيما في ظل ما يشهده العالم من تطور تقني، وامتزاج حضاري، واختلاط إنساني، وسهولة الوصول إلى مختلف القضايا التي تُعد مؤثرة في تكوينهم، الفكري والثقافي. وهنا، فإننا قد نلحظ الشباب منقسمين في التماس مع أبعاد الدين إلى قسمين: قسم متأثر بصورة إيجابية بالفهم الصحيح الواعي لأحكام دينه ومقاصده، وقسم متأثر بصورة سلبية بالفهم غير الواعي لأحكام الدين وغايته، ولا شك في أن الوازع الديني في ضوء ذلك يتفاوت عند فئة الشباب، وله تأثير كبير في حمايتهم من التفكير في الانتحار، ولكن ليس هو السبب الوحيد الذي يقف وراء الانتحار؛ إذ إن هناك المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، وكذلك الصحية، إضافة إلى ما نشهده من إدمان الشباب الألعاب الإلكترونية، بما تحمل من العنف، وخدش الحياء، وتؤثر في أفكارهم وأخلاقهم، بما تتشرّبه عقولهم لينعكس سلباً عليهم، ودافعاً للإقدام على الانتحار».
وتعلق د. أمل على انتحار محفّظ قرآن: «لا يمكن الجزم أن انتحار محفظ القرآن المشار إليه في السؤال كان سببه ضعف الوازع الديني، لأن الأسباب كثيرة، لكن ما ينبغي أن ننوه إليه هو كيف نحمي الشباب من الوصول إلى حالة القنوط واليأس الباعثة على التفكير في الانتحار. من هنا، أريد التأكيد على ضرورة تعميق الوازع الديني والقيمي لدى الشباب، لكونه من أهم الركائز التي يمكن الاستناد إليها لمنع أن يصبح الانتحار ظاهرة منتشرة في المجتمع، إلى جانب رعاية الشباب، وحل مشكلاتهم، وتلبية متطلباتهم».
المسؤولية الشرعية للأسرة تتمثل في حماية الأبناء من الأفكار الضالّة ومعالجة سلوكاتهم السلبية وتفهّم أخطائهم
إذن، ما المسؤولية الشرعية التي تترتب على الأسرة حيال جريمة الانتحار؟
تجيب أستاذة الفقه وأصوله: «إن شريعتنا السمحة اعتنت أيّما عناية بالأسرة؛ فالأسرة هي الحاضنة الأساسية، واللبنة الأولى في صناعة وتكوين شخصية الأبناء، والمحافظة على سلامة فطرتهم وترسيخ أخلاقياتهم وتقويم سلوكهم، وتحصينهم من الانحرافات سواء الفكرية والأخلاقية، لقول النبي :«ألا كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيّته»، وتكون المسؤولية الشرعية للأسرة بالتربية الوقائية من جهة، والعلاجية من جهة أخرى".
وتكون التربية الوقائية للأبناء من خلال:
- تحصينهم من الأفكار الضالّة والتوجهات المنحرفة.
- حمايتهم ممّا يتعرضون له من الشبهات والشهوات .
- ترسيخ العقيدة السليمة في نفوسهم .
- غرس القيم الأخلاقية في قلوبهم وعقولهم.
- قيام الأهل بالدور المطلوب المتمثل في المتابعة، والرعاية، وضبط السلوك، وتوجيه الطاقات .
- اغتنام أوقات الفراغ بكل مفيد ونافع.
ومن الناحية العلاجية، تلفت د.مرجي إلى استراتيجيات يجب اتباعها، أهمها:
- تحلّي الأسرة بالصبر والأناة في معالجة السلوكات السلبية.
- الابتعاد عن العنف لما له من عواقب سيئة.
- ضرورة تفهّم الأخطاء من الأبناء، والعمل على معالجتها، ومحو آثارها، لردم الفجوة بين الأسرة والأبناء.
- استفادة الأسرة من مؤسسات المجتمع المدني في المعالجة والإصلاح، بإشراكها في مجال العمل التطوعي.
وهل توجد تعليمات محدّدة في الإسلام بخصوص كيفية التعامل مع من يفكر في الانتحار؟
توضح د. أمل مرجي: «نعم، وضعت الشريعة الإسلامية الضمانات للحفاظ على الوجود الإنساني، واستمراره، وبيان المصالح والمضار في تحصيل المعاش»، وتورد بعض التدابير المتعلقة بحماية الإنسان من التفكير في الانتحار:
- ترسيخ حقائق الإيمان التي تجعل النفس مسلمة بقضاء الله وقدره، ومطمئنة لكل ما يواجهها من تحّديات وصعوبات، قال تعالى: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يُؤْمِنُ بِالله يهدِ قلبه).
- التوازن في البناء النفسي والروحي والجسدي والعقلي، يدفع باتجاه القناعة والرضا بما قسم الله، وقدّر لها، وبذلك يستشعر الإنسان السعادة والرخاء، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ عِظمَ الْجَزَاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أَحَب قَوْماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط).
- استثمار الأوقات وتنمية الطاقات بالإكثار من الطاعات، ومن ذلك العمل التطوعي الذي يعين على الإيجابية.
- عدم الانشغال بأحوال الآخرين الذي يشكل أحياناً هواجس للنفس تجعلها متقبّلة لفكرة الانتحار، حيث جاء في الحديث: (مِنْ حُسن إسلام المرء تركة ما لا يعنيه).
- تغليظ العقوبة القانونية على مروّجي الأفكار والوسائل الداعية إلى الانتحار في المجتمع، فموضوع الانتحار دخيل على مجتمعاتنا، ومنافٍ لتعاليم ديننا السمح، وأعراف مجتمعاتنا العريقة، وهو مرفوض، شرعاً وعرفاً.
