بات هناك اليوم انفتاح كبير على التعامل مع الذكاء الاصطناعي في مختلف مجالات الحياة، فهو أداة عصرية في يد العلماء، والباحثين، والجماهير، تيسّر لهم سبل الحياة، وترشدهم إلى التصرف الصحيح. إلا أن علماء الفتوى في عالمنا العربي لا يزالون متحفظين على استخدام الذكاء الاصطناعي في الإفتاء، والتعرف إلى الحلال والحرام.
فما هي مبرراتهم وحيثياتهم؟ وكيف نستفيد من هذه الأداة العصرية في تعميق المفاهيم الدينية الصحيحة من خلال فتاوى موثقة؟
أمر غير جائز شرعاً
البداية مع د. نظير عياد، مفتي مصر، حيث يرى أن الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي للحصول على الفتاوى الشرعية «أمر غير جائز شرعاً»، مشدداً على أن الإفتاء عملية علمية دقيقة تتطلب عقلاً بشرياً واعياً، قادراً على مراعاة السياق، والزمان والمكان، وظروف السائل.
ويقول: «لذلك لا ننصح باعتماد الجماهير على هذه التطبيق في الفتوى، لأن الذكاء الاصطناعي– رغم تطوّره– لا يمتلك أدوات الإفتاء الكاملة التي تجمع بين العلم الشرعي، والخبرة الإنسانية، وفهم المقاصد الشرعية ومراعاة الفروق بين الحالات. وإذا كانت بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي قد بلغت مستوى متقدماً في تنفيذ مهام محدّدة تضاهي أداء الخبراء، إلا أن ذلك لا يشمل مجال الفتوى الذي يعتمد على الاجتهاد، والنظر، والاستنباط وفق أصول علمية راسخة لا يمكن برمجتها بدقة».
ننصح كل من يسعى لمعرفة الحكم الشرعي في مسألة ما، أن يلجأ إلى المؤسسات الدينية المعتمدة وأهل الاختصاص
لا بديل عن المفتي البشري
ويوضح مفتي مصر أن الذكاء الاصطناعي هو أداة مساعدة للمفتي، وليست بديلاً عنه. ويضيف «الذكاء الاصطناعي يُعرف بأنه «قدرة الحاسوب أو الروبوت على أداء مهام فكرية شبيهة بالبشر، كالتفكير المنطقي، والتعلّم من التجربة»، واستخدام هذه التقنيات في المجالات العلمية، أو الطبية، أو البحثية، مباح من حيث الأصل، استناداً إلى قوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ)، لكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يقول: «مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَافِيَةٌ، فَاقْبَلُوا مِنَ اللَّهِ الْعَافِيَة».. لذلك ننصح كل من يسعى لمعرفة الحكم الشرعي في مسألة ما، أن يلجأ إلى المؤسسات الدينية المعتمدة، وأهل الاختصاص، لأن الفتوى تتعلق بضمير الإنسان، ومسؤوليته أمام الله، لا ببرامج رقمية محدودة الفهم والإدراك».
يفيد المفتين والباحثين
د. أيمن عبد المؤمن، استشاري إدارة نظم المعلومات بمشيخة الأزهر، يؤيد ما ذكره مفتي مصر، ويبين «الذكاء الاصطناعي يفيد المفتين أكثر ما يفيد الجماهير. ولذلك قدّمنا، أخيراً، في المؤتمر العالمي السنوي العاشر للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، مشروعاً لتطوير «منصة الفتوى الذكية» Fatwa AI، والتي تهدف إلى مساعدة المفتين والباحثين الشرعيين بتقنيات الذكاء الاصطناعي المتطورة، في جميع المؤسسات الدينية في جميع الدول الإسلامية».
ويواصل: «المنصة تعمل كأداة مساعدة، وليس لإصدار الفتاوى بشكل مستقل؛ حيث يُدخِل المستفتي السؤال الشرعي؛ فيقوم الذكاء الاصطناعي بتوليد مسودة أولية تجمع الأقوال، والأدلة، وملخصاً للأقوال والمذاهب المختلفة في المسألة، ثم يقوم المفتي البشري بالتحقيق، والتدقيق، والتكييف الفقهي، قبل إصدار الفتوى النهائية. لذلك، فإن الهدف من المنصة هو تسريع البحث، وتوفير المعلومات للمفتي، مع الحفاظ على مرجعية المفتي الشرعية، والإشراف البشري الكامل على عملية الإفتاء، وهذه خطوة هامة نحو دمج التكنولوجيا المتطورة في خدمة العلوم الشرعية، وتمكين العلماء بأدوات المستقبل».
حوار مع الذكاء الاصطناعي
قامت «كل الأسرة» بعرض العديد من التساؤلات الدينية على الذكاء الاصطناعي الذي رحّب بها وأجاب عنها. وهذه نماذج منها:
السؤال الأول: هل يجوز للزوجة أن ترفض معاشرة زوجها لمجرّد أنه رفض تلبية بعض مطالبها؟
الذكاء الاصطناعي: سؤال ممتاز، وفعلاً يُثار كثيراً في الحياة الزوجية.
الجواب باختصار: لا يجوز للزوجة أن تمتنع عن معاشرة زوجها لمجرّد أنه رفض تلبية بعض مطالبها، ما دامت الحياة الزوجية قائمة، ولم يكن هناك ضرر واقع عليها، أو ظلم بالغ. والدليل الشرعي: قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح». (رواه البخاري ومسلم)، هذا الحديث يبيّن حرمة امتناع الزوجة عن زوجها من دون عذر شرعي.
لكن في المقابل، الإسلام لا يجيز للزوج أن يستخدم حقه في المعاشرة كوسيلة للضغط، أو الإهانة. فعلى الزوج أن يعامل زوجته بالمعروف، كما قال تعالى: «وعاشروهن بالمعروف».
الضوابط الهامة: إن كان رفض الزوج لبعض مطالبها ظلماً أو إساءة، أو فيه تقصير بحقها (كالنفقة أو المعاملة السيئة)، فهنا لها أن تُعاتبه، أو تشتكي، أو تطلب الإصلاح، لكن لا أن تمنع نفسها عنه. أما إذا كان امتناعها بسبب ضرر نفسي، أو بدني حقيقي، كأن يُعاملها بعنف أو إكراه، فحينها لها الحق في الامتناع حتى تُصلح الأمور، أو تلجأ إلى القضاء الشرعي.
الذكاء الاصطناعي: هل ترغب أن أذكر لك الحالات التي يكون فيها امتناع الزوجة عن المعاشرة جائزاً شرعاً؟
كل الأسرة: نعم نريد التعرف إلى تلك الحالات
إليك الحالات التي يجوز فيها للزوجة شرعاً أن تمتنع عن المعاشرة من دون أن تُعدّ ناشزاً، أو آثمة:
1-وجود ضرر بدني أو نفسي. إذا كان الجماع يُسبب لها أذى جسدياً (كمرض، أو نزيف، أو تعب شديد)، أو أذى نفسياً معتبراً (كخوف، أو قرف بسبب إهمال الزوج في النظافة أو سوء المعاملة)، فامتناعها في هذه الحالة جائز حتى يزول الضرر. قال تعالى: «ولا تضاروهنّ لتضيّقوا عليهن».
2- الحيض أو النفاس: حيث يحرم على الزوج معاشرتها أثناء الحيض أو النفاس، ويجوز لها الامتناع، بل يجب. قال تعالى: «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ».
3- الصوم الواجب أو الإحرام: إذا كانت صائمة صوماً واجباً (كصيام رمضان أو قضاء واجب)، أو محرمة بحج أو عمرة، فليس لزوجها أن يطلبها للجماع في هذه الأوقات، ويجوز لها الرفض.
4-وجود ضرر من الزوج نفسه -عنف أو إكراه- فإذا كان الزوج يُعاملها بعنف، أو يجبرها على الجماع بطريقة مُهينة، أو مؤذية، فهنا يحق لها الامتناع حتى يُقلع عن الأذى. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار».
5- في حال امتناع الزوج عن واجباته الأساسية، مثل أن يهجرها طويلاً من دون سبب، أو يمنع عنها النفقة، أو يُهينها باستمرار، فهنا يجوز لها أن تمتنع مؤقتاً حتى يُصلح حاله، مع محاولة الإصلاح، أو اللجوء للتحكيم الشرعي.
6- المرض المعدي أو النفسي الخطر. فإذا كان الزوج مصاباً بمرض معدٍ خطر (كأمراض تناسلية)، فلها أن تمتنع حتى يُعالج، حماية لنفسها.
ظلم الأب لأحد أبنائه
السؤال الثاني: هل يجوز للأب أن يمنح أحد أبنائه سيارة هدية من دون أن يعطي باقي أخوته؟
-الذكاء الاصطناعي: الأصل العدل بين الأبناء، فهو واجب شرعاً، ولا يجوز للأب أن يُفضّل أحد أولاده في العطايا والهدايا بغير سبب شرعي معتبر.
الأدلة الشرعية: روى النعمان بن بشير، رضي الله عنه، أن أباه أعطاه عطية، فقالت أمه: لا أرضى حتى تُشهد النبي، صلى الله عليه وسلم. فلما جاء إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، قال له صلى الله عليه وسلم: «أكلَّ ولدك أعطيتَ مثل هذا؟»؟
قال: لا.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم»
ثم قال: «فلا تُشهدني على جور».
والحديث واضح في تحريم التفضيل بين الأبناء في العطاء من دون مسوّغ.
متى يجوز التفضيل؟
-الذكاء الاصطناعي: يجوز للأب أن يُعطي أحد أبنائه أكثر من غيره في الحالات الآتية:
1-إذا كان الابن ذا حاجة خاصة (مريضاً، عاجزاً، عليه ديون، فقيراً، أو له أسرة كبيرة).
2- أو إذا كانت العطية مقابل عمل أو خدمة قام بها للوالد، كأن يكون ساعده على التجارة، أو رعاه في مرضه.
3- أو إذا رضي باقي الأبناء صراحة بالعطية من دون ضغينة.
مثال على حالتك: لو أن الأب أعطى أحد الأبناء سيارة لمجرد التفضيل، أو الحب، أو لأنه «الأقرب إلى قلبه»، فهذا حرام شرعاً، ويُعدّ جوراً يجب على الأب إزالته، إما بإرجاع السيارة وإما بإعطاء الباقين ما يُساويها.
لكن لو أعطاه السيارة لأنه يحتاج إليها للعمل أو الدراسة، والباقون لا يحتاجون إلى مثلها حالياً، فذلك يجوز بشرط النية العادلة، وأن يُبيّن الأب سبب العطاء بوضوح لبقية الأبناء، حتى لا يقع الظلم، أو الحسد.
حرمان من الميراث
السؤال الثالث: هل يجوز للأب أن يحرم أحد أبنائه من الميراث بدعوى أنه ولد عاق على عكس باقي إخوته؟
الذكاء الاصطناعي: سؤال دقيق جداً، ويتعلق بحقوق عظيمة لا يملك أحد التصرّف فيها، حتى الأب نفسه.
الجواب الواضح: لا يجوز شرعاً للأب أن يحرم أحد أبنائه من الميراث، حتى لو كان هذا الابن عاقّاً أو مسيئاً إليه، لأن الميراث حقٌّ شرعي ثابت بنصّ القرآن الكريم، لا يملك أحد تغييره، أو منعه.
الأدلة من القرآن الكريم: قول الله تعالى: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ»
هذه الآية فرضت الميراث قَسْراً، أي أنه يُقسم بعد الموت حسب شرع الله، وليس حسب رغبة الأب. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث»، أي لا يجوز أن يوصي أو يتصرّف الأب بما يغيّر ما قسمه الله.
حتى لو كان الابن عاقّاً؟
الذكاء الاصطناعي: العقوق ذنب كبير، لكن عقوبته عند الله، لا في الميراث، والأب لا يملك أن يُسقط حقّاً جعله الله له، لأن الميراث يُوزّع بعد الوفاة بأمرٍ من الله، لا باختيار الناس.
نعم، يجوز للأب في حياته أن يُقلل عطاياه، أو يمنع الهدايا عن الابن العاق، كنوع من التأديب. لكن لا يجوز له أن يحرمه من الميراث بعد موته، أو يوصي بذلك، أو يكتب أمواله لغيره بقصد حرمانه.
وكيف يكون التصرف لو الأب كتب كل أملاكه لأحد الأبناء قبل وفاته؟
الذكاء الاصطناعي: هذا أيضاً حرام إذا كان القصد حرمان الآخرين، ويُعدّ تحايلاً على شرع الله، ويجب على الورثة أن يُعيدوا الحقوق إلى نصابها بعد موته، لأن المال الذي أُعطي بغير عدل يُردّ إلى التركة.
مشاعر الزوجة لزوجها فقط
السؤال الرابع: هل يجوز للزوجة أن تبادل رجلاً آخر غير زوجها المشاعر العاطفية؟
الذكاء الاصطناعي: سؤال عميق جداً، ويُظهر وعياً بالمسؤولية الشرعية والإنسانية في العلاقات، لأن هذا الموضوع دقيق وخطر، في آنٍ واحد.
دعنا نُجِب بهدوء وبوضوح:
أولًا: حكم مبادلة المشاعر لرجل غير الزوج: لا يجوز شرعاً بأي حال من الأحوال أن تبادل الزوجة رجلاً غير زوجها مشاعر الحب، أو الإعجاب، أو العاطفة، حتى لو لم يكن بينهما علاقة جسدية، أو لقاءات. قال الله تعالى: «فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض»، وهذه الآية تخاطب نساء النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بغيرهن؟
أي أن مجرّد اللين في الكلام أو الانفتاح العاطفي مع رجل أجنبي يمكن أن يُعدّ باباً للحرام.
الحب، أو التعلق العاطفي برجل غير الزوج، يُفسد نقاء العلاقة الزوجية، ويفتح أبواباً من الذنب والفتنة، حتى لو لم يُترجم إلى فعل.
قال العلماء: «العين تزني، والقلب يزني، وزنا القلب التمني».
رفض أزهري
وعلى الرغم من عدم وجود ملاحظات فقهية على الفتاوى السابقة التي حصلنا عليها من الذكاء الاصطناعي، إلا أن الفقيه الأزهري د. فتحي عثمان الفقي، عضو هيئة كبار العلماء وعضو لجنة الفتوى المركزية بالأزهر، أصرّ على رفض استفتائه والحصول منه على فتاوى شرعية. وقال: «في أمور الحلال والحرام يجب أن نتحرّى الدقة، والحصول على الفتوى من مصادرها الطبيعية، وهي العلماء المؤهلين للإفتاء، وهم موجودون الآن في كل مكان في عالمنا العربي والإسلامي، والتواصل معهم يتم يومياً، سواء من خلال اللقاءات المباشرة، أو من خلال وسائل التواصل الحديثة».
ويضيف: «الإسلام لا يمنعنا من الاستفادة من كل أدوات العصر، ولذلك نأخذ بتحليل DNA في إثبات النسب، أو نفيه، لأن العلم أثبت مصداقية هذا الفحص. لكن في مسألة الفتاوى الأمر مختلف، لأن الذكاء الاصطناعي يعتمد على ما هو منشور في مواقع وصفحات الإنترنت.. وفيها الغث والسمين».
اقرأ أيضاً: علماء الأزهر يحذّرون من فتاوى مواقع التواصل
