قصة مصمم الأزياء ساهر ضياء الذي أعاد تعريف الأزياء الراقية بلا زخرفة وتطريز
في عالم يتسارع فيه صخب الموضة وتتبدل صيحاته مع كل موسم، يبقى هناك مبدعون يراهنون على الأصالة والتميز. ومن بين هؤلاء، يبرز اسم مصمم الأزياء اللبناني ساهر ضياء كعنوان بارز للأناقة الكلاسيكية التي لا تزول، والفخامة الهادئة التي تأسر العين دون تكلف نجح ضيا في رسم هوية تصميمية فريدة تخاطب المرأة الواثقة، الراقية، والتي تبحث عن تفاصيل تبرز أنوثتها بنعومة متناهية ومؤخراً، عاد ليترجم سحر الطبيعة وعناصرها الأخاذة في مجموعته الجديدة للخياطة الراقية، والتي حملت عنوان "Éclat de Nature" (بريق الطبيعة)، مقدماً توليفة ساحرة بين فخامة الماضي وعصرية الحاضر مجلة "كل الأسرة" التقت بالمبدع ساهر ضياء في هذا الحوار الحصري، لتُبحر معه في كواليس عالمة الساحر والأنيق وتتعرف إلى أسرار فلسفته التي تعيد تعريف البساطة كأعلى درجات الأناقة.
كيف انطلقت شرارة شغفك بالتصميم، وكيف أثّر لبنان في هويتك الفنية؟
هي موهبة بدأت معي منذ الصغر. نشأت في بيئة فنية، فقد كان والدي فنانًا، واعتدت على أجواء الفن ورؤية كبار الفنانين والمطربين يترددون على منزلنا. كان حب الفن كامنًا في داخلي، فأحببت الموسيقى والرسم كثيرًا. ولاحقًا حين بدأت شخصيتي تتبلور، اتجه شغفي نحو الأزياء؛ فكنت أبدي رأيي دائمًا لوالدي وإخوتي في ما يرتدونه وكيف ينبغي أن يظهروا. من هنا قررت دراسة الفنون الجميلة مدة عامين، ثم التحقت بدراسة تصميم الأزياء لثلاث سنوات.
أما لبنان، فكما تعلمون، هو بلد الجمال والأناقة، والمرأة اللبنانية معروفة بذوقها الرفيع. وقد ساعدني ذلك كثيرًا على بناء شخصية مميزة، لا سيما أنني كنت شديد الاطلاع على هذه المجالات.
لماذا اخترت الإمارات منطلقًا لمسيرتك، وكيف كان أسلوبك في البدايات؟
وُلدت في الإمارات، وكنت أتردد عليها دائمًا. وبعد أن أنهيت دراستي قررت، لأسباب خاصة، أن أبدأ مسيرتي من هنا لا من لبنان.
أما أسلوبي، فقد كان في بداياتي غريبًا وجريئًا إلى حد كبير، في حين كانت المرأة هنا معتادة على الأعمال المزخرفة البارزة كالتطريز بالخرز وما شابه. ولم يشكّل ذلك عائقًا كبيرًا، لأن المصمم الماهر الذي درس الفن وتعمّق فيه قادر على تقديم رؤيته. صحيح أنني واجهت بعض الصعوبة، لكن الناس بدأوا تدريجيًا يتقبلون فكرة التركيز على القصّات بدلًا من كثافة الزخرفة. واليوم، يتبع معظم المصممين في الخليج الأسلوب الذي بدأته عام 1997.
نصيحتي للعروس كي تتميز ألا تبالغ في الزخرفة، وأن ترتدي ما تحبه فعلاً
كيف تصف ذوق المرأة الإماراتية؟
منذ أن بدأت العمل معها، وجدت المرأة الإماراتية صاحبة ذوق رفيع. وحين وصلت إلى دبي كان هناك انفتاح كبير على الفن والثقافة وكثير من المجالات، فلم أواجه أي صعوبة تُذكر، بل على العكس.
أما من ناحية الأزياء، سواء كانت محتشمة أو فيها شيء من الجرأة، فلم تكن هناك مشكلة، لأن المرأة كانت ترتدي العباءة فوق الفستان. ومع الوقت، أصبحنا نصمم الفستان والعباءة معًا بوصفهما قطعة متكاملة. ولم يزعجني ذلك إطلاقًا. والمرأة الإماراتية، كما ذكرت، واسعة الاطلاع على الموضة، وأعتقد أنها سبّاقة في هذا المجال.
هل واجهت صعوبات في تقديم مفهوم الفخامة القائمة على البساطة؟
هناك من يفهم البساطة على أنها تصميم عادي يخلو من الجهد والعمل. لكنني، كما ذكرت، لم أعانِ كثيرًا من هذا الأمر. بالطبع هناك من يفضّل الأعمال البارزة والمبالغ فيها، لكن هذا ليس من أسلوبي ولا أدرجه في قاموسي، لأنني أعتمد أساسًا على الخياطة. يهمني أن تكون الخياطة نظيفة من الداخل قبل الخارج، إذ لاحظت منذ قدومي أن الخياطة عمومًا لم تكن تحظى بالاهتمام الكافي.
وقد ركزت على هذا الجانب كثيرًا، خاصة أنني درست وتميزت وتخرجت من بين الأوائل في جامعتي. وهذا ما ساعدني على إضفاء الفخامة، فالفخامة لا تقوم على التطريز والانتفاخ، بل على القصّة، واختيار نوع العمل، والمجوهرات، والمكياج؛ فكل ذلك يسهم فيها.
ما هي الأزياء الراقية (الهوت كوتور)، وما الذي يميزها عن الأزياء الجاهزة؟
الهوت كوتور مفهوم لم يُعرف على نطاق واسع في البلدان العربية إلا منذ عشر أو خمس عشرة سنة، في حين أنه موجود في أوروبا منذ زمن بعيد، ولم يعتمد يومًا على التطريز والزخرفة. قد تجد فستانًا بسيطًا من الساتان، لكنه يتضمن قصّات ودرزات محددة، ومنفّذ بالكامل يدويًا.
والفرق بينه وبين الأزياء الجاهزة (الريدي تو وير) أن الهوت كوتور يُنفَّذ كليًا باليد، بما في ذلك التطريز، ويُصنع من أقمشة عالية الجودة. أما الأزياء الجاهزة فجودتها أقل، وتُنتج بعدة مقاسات، وتعتمد أكثر على الخياطة الآلية والسرعة.
ولو نظرت إلى دور مثل ديور وشانيل وسان لوران وكارفن، وهي من أوائل دور الموضة، وكذلك مصممين مثل جان لوي شيرير الذي غادر ساحة الموضة لكنه ما زال يؤثر فيّ حتى اليوم، لوجدت أنها لم تعتمد قط على الصخب البصري والمبالغة في العمل. وهذا هو أسلوبي.
هل تؤمن بأن الموضة تعيد نفسها؟ وأين تقف الجرأة في التصميم من قابلية الارتداء؟
لا أذكر إن كنت قد صرّحت بذلك من قبل، لكنني أرى أن الموضة تعيد نفسها دائمًا، سواء في الأزياء أو المكياج أو تصفيف الشعر أو غير ذلك. فنحن نعود باستمرار إلى الماضي وإلى التاريخ والحضارات القديمة لنستلهم منها مجموعاتنا.
وحتى الصيحات الجديدة، مهما بلغت غرابتها، يجب أن تكون قابلة للارتداء، خاصة حين نصمم للعالم العربي. فالتصميم الذي لا يُلبس قد يُنفَّذ، لكنه يبقى غير قابل للارتداء. فعندما تخرجت من الجامعة صممت فستانًا غير قابل للارتداء، مصنوعًا من الجلد والحديد وخامات أخرى كثيرة، وهو ما أهّلني للفوز بالمرتبة الأولى، لكنه في النهاية لم يكن للارتداء. وهذا ما أعنيه بالصيحة في عالم الموضة.
ما المقصود بـ"السيمي كوتور" الذي تعتمده؟
هو مستوى يقع بين الهوت كوتور والأزياء الجاهزة. يُنفَّذ بعناية، فيكون التطريز راقيًا جدًا ونظيفًا، وكذلك القماش، لكنه لا يبلغ مستوى الهوت كوتور الذي يشترط أعلى درجات الجودة؛ إذ يجب أن تكون أقمشته أوروبية بالكامل، من الدول الثلاث المهيمنة على صناعة الأقمشة: فرنسا وإيطاليا وسويسرا. أما في الأزياء الجاهزة فقد ينزل المستوى إلى الأقمشة اليابانية أو الكورية وغيرها.
وأنا أجمع بين الاثنين، وهذا هو السيمي كوتور: يُنفَّذ جزء منه يدويًا وجزء آخر آليًا. وهو يختلف عن البريت آ بورتيه الذي يُنتج بكميات كبيرة وألوان متعددة، وهو ما لا أقدمه. فالسيمي كوتور لديّ يُطلب عبر الإنترنت حسب الطلب، أو يُنفَّذ بالطريقة التي وصفتها، لتكون أسعاره مناسبة لشريحة معينة.
أما الأزياء الجاهزة ذات الإنتاج الكمي، المنتشرة كثيرًا في بلدان مثل تركيا والصين، فلم أعمل فيها، ولا أفضّل العمل فيها بصراحة.
يبقى الدانتيل الأقرب إلى قلبي، لأنه يمنح فخامة كبيرة ولا يفقد قيمته مع الزمن
ركزت في مجموعتك على قصّتي حورية البحر (الميرميد) والقلم (البنسل كات)، ولجأت إلى الشفافية. ما الذي أردت إيصاله؟
أحب دائمًا أن تظهر المرأة بصورة راقية. لم أعمل بالأقمشة الشفافة لفترة طويلة، لكنني تعمّدت أن تكون هذه المجموعة شفافة، لأن مصدر إلهامها هو الضوء والطبيعة، مثل ورقة الشجر أو الوردة أو انعكاس الضوء عليها، فانعكس ذلك على الفساتين.
واعتمدت قصّتي الميرميد والبنسل كات بأسلوب أنيق، واستخدمت قماش الميكادو الإيطالي الذي يُبرز قوام الجسم، إلى جانب التول والدانتيل اللذين لا يغيبان عن تصاميمي أبدًا. فهذه عناصر لا أتخلى عنها: القصّة الجميلة غير المبالغ فيها.
وبطبيعة الحال، فإن ما نقدمه هنا مخصص للتصوير. أما حين تشتري إحدى عميلاتي فستانًا جاهزًا، فتُجرى عليه تعديلات من تضييق وتوسيع وإضافة بطانة أو غيرها. وهنا يؤدي المصمم دورًا كبيرًا في تكييف الفستان بما يلائم عميلته، فليس من المعتاد أن تظهر امرأة بفستان شفاف، باستثناء فئة محدودة من المشاهير. لذلك تُضاف عادةً عناصر أخرى لتغطية الشفافية في الفساتين.
حدّثنا عن فساتين الزفاف التي قدمتها، وما نصيحتك للعروس؟
فساتين الزفاف التي قدمتها جزء من المجموعة، وأعتمد حاليًا كثيرًا على الأعمال ذات اللمعة الخفيفة. فالعميلة اليوم تميل إلى الأناقة والكلاسيكية، وتفضّل درجات اللون الواحد (تون سور تون)، بحيث يكون لون الفستان هادئًا قليل اللمعان، بينما يكمن الإبهار في التطريز والأشكال الهندسية.
وقد استُلهم فستان الزفاف من فن الباروك، المشهور كثيرًا في فرنسا بنقوشه المحفورة في الأسقف ورسوماته البارزة، فنفّذته بالأسلوب ذاته ولكن بالتطريز ودون لمعان.
أما نصيحتي للعروس كي تتميز، فهي ألا تبالغ في الزخرفة، وأن ترتدي ما تحبه فعلًا. فالعروس في هذه الأيام أصبحت في حيرة ولا تعرف تمامًا ما تريد؛ بعض العرائس يعرفن ذلك، وبعضهن يتبعن الموضة، فإذا قيل إن الدانتيل لم يعد رائجًا تخلّين عنه. وأنا ضد ذلك؛ أحب أن ترى العميلة ما يليق بها، سواء كان التصميم قديمًا أو حديثًا. فمثلًا، فساتين الزفاف بقصّة البنسل كات نفّذتها منذ نحو خمس عشرة سنة، وها هي تعود من جديد، لأن الموضة لا بد أن تعيد نفسها.
لذلك أرى أن على المرء أن يرتدي ما يناسبه ويناسب جسمه، دون أن يلهث وراء الموضة، وأن يأخذ منها ما يلائمه بأسلوب جميل وناعم.
ما الخامات الأقرب إلى قلبك؟
بصراحة، أحب الأقمشة كلها، لكن ربما يبقى الدانتيل الأقرب إلى قلبي لأنه يمنح فخامة كبيرة ولا يفقد قيمته مع الزمن، فهو يدوم مدى الحياة. حتى إن معظم عميلاتي اللواتي أخيط لهن تبقى فساتيني لديهن عشر سنوات وخمس عشرة سنة، ويأتينني دائمًا ليقلن: "أحب هذا الفستان كثيرًا، لكن أريد تعديل كذا". ويسعدني أن فساتيني تدوم ولا تُلبس مرة واحدة فقط، حتى حين نعمل في السيمي كوتور. وهذا ما يميزني، والحمد لله، وهو ما يدفع عميلاتي إلى اختياري دائمًا.
كذلك أحب الحرير كثيرًا، لكنه لا يناسب كثيرًا من الناس. وأحب الشيفون أيضًا، خاصة حين يكون منسدلًا وواسعًا، وإن كنت لم أستخدمه كثيرًا في الفترة الأخيرة. ولا توجد لديّ أي مشكلة مع الأقمشة؛ فهي جميعها في النهاية بمثابة أبنائي، والأمر يتوقف على الشخص.
ما لونك المفضل؟
لا يوجد لون مفضل بعينه، فالأمر يتوقف على المجموعة وعلى اتجاهات الموضة. فالموضة حاليًا تتجه نحو ألوان الباستيل حتى في الشتاء، مع أنني أرى أن الألوان الداكنة أجمل في هذا الموسم. ويبدو لي أن الموضة اليوم لم تعد تعرف تمامًا ما تريد، ولم يعد هناك ما هو ممنوع. فمثلًا، قدّمت ديور مؤخرًا اللون البرتقالي في مجموعة الكوتور لموسم الخريف والشتاء، فاستغرب الناس ذلك. فكل مصمم يتبنى النظرية التي يراها، لكن لا بد من وجود فكرة محددة يعمل عليها.
أما الألوان التي أحبها حاليًا فهي ألوان الباستيل، مثل الوردي البودري، والأزرق الفاتح، والأزرق الرمادي، تمامًا كظلال العيون التي تأتي دائمًا بدرجات الباستيل. لكن ألواني المفضلة في الأساس هي الأسود والأحمر والأبيض، فهذه ألوان أحبها كثيرًا وتعني لي الكثير، ويضاف إليها اللون الزمردي. فأنا أحب الألوان الثابتة الأساسية.
بماذا نعرف ساهر ضياء؟
أعمل في عالم التصميم منذ عام 1997، وقد ألبست كثيرًا من الفنانين في العالم العربي وخارجه، ومعظمهم موجودون ضمن القصص المميزة (الهايلايت) على حسابي في إنستغرام، كما ألبست كثيرًا من كبار الشخصيات وأفراد من العائلات الملكية.
وإن شاء الله ستكون المجموعة المقبلة مختلفة بعض الشيء. فقد عملت لفترة طويلة، منذ عام 2014 تقريبًا، على مجموعات مستوحاة من أيقونات عالمية، وبدأت ذلك فعليًا عام 2015. وحين شاركت في أسبوع الموضة في باريس، مرتين أو ثلاث مرات، عملت على غريس كيلي، ثم أودري هيبورن، ثم صوفيا لورين. وعندما افتتحت أسبوع الموضة في دبي عام 2017، كانت المجموعة مستوحاة من "العصر الذهبي" وعدد من فنانات تلك الحقبة.
أما هذه المرة، فقد ابتعدت عن الأيقونات، وركزت أكثر على الضوء والألوان في مجموعة "Éclat de Nature".
