11 يوليو 2026

زلات اللسان بين الزوجين.. هل تهدد العفوية والمصارحة استقرار الحياة الزوجية؟

محررة في مجلة كل الأسرة

مجلة كل الأسرة

ما بين العفوية التي يتمتع بها بعض الأزواج والحرص الزائد واللف والدوران الذي يتبناه البعض تتضح العديد من الاختلافات، فالبعض يرى أن العفوية في الحياة الزوجية والتلقائية في الحديث هي مفتاح الدخول إلى قلب وعقل الآخر خاصة إن كان الزوج أو الزوجة، وإن تلك العفوية هي أفضل الطرق وأنسبها للتواصل بين الزوجين وحل الخلافات الزوجية، والخروج بالعلاقة إلى بر الأمان وبأقل الخسائر، والأهم أنها دليل الألفة والمحبة التي تجمع بين شريكي العمر، على الجانب الآخر يرى البعض أن العفوية الزائدة هي الخروج عن آداب الحوار الذي يحمل معه أخطاء بالجملة وأسلوب قد يسبب الآلم للآخرين ويضرب استقرار الحياة الزوجية في أساسها، وربما يصل الأمر إلى النظر إليها على أنها نوع من التحدي ومحاولة لفرض الأمر الواقع، وما بين الزوج والزوجة تختلف الأمور وتتعدد نقاط المسموح والممنوع «كل الأسرة» استطلعت الآراء وسألت المختصين للوقوف على فوائد ومضار هذا التصرف وكان التحقيق التالي:

يقول محمد الشازلي «متزوج» "عدم قدرة أحد الزوجين في التحكم فيما يصدر عنه من كلام أو زلات اللسان بين الزوجين تعود أسبابه في كثير من الأحيان إلى العفوية المفرطة التي يتمتع بها والتي قد تؤدي إلى نشوب المشاكل الزوجية ربما تؤدي في النهاية لإنهاء العلاقة، ففي بعض الآحيان ينطق الشخص أحياناً سهواً أو عن حسن نية أو عفوية بما يجب ألا يقال أو أن يصل لمسامع الطرف الآخر، والحقيقة أن الشخص العفوي دائماً ما يكون مظلوماً فهو شخص يتمتع بالنقاء ويتصرف بحسن نية".

ويبين الشازلي عفويته التي توقعه في الكثير من المشكلات مع زوجته «شخصيتي العفوية وتصرفاتي التلقائية تمنعني من القدرة على التمييز ومعرفة طباع الطرف الآخر وجهلي بكيفية التصرف عند بعض المواقف، دائماً ما أتحدث بطريقة عفوية من غير زيف أو خداع أو تلوين وهي طبيعة لا يمكنني التخلي عنها لكن زوجتي إلى هذا الوقت لم تتفهم هذا الأمر على الرغم من مرور سنوات عدة على زواجنا، وهو ما يؤدي لنشوب العديد من الخلافات الزوجية بيننا».

تصور خاطئ

يوضح الوليد مختار «متزوج» تبدأ الحياة الزوجية وكلا الزوجين غالباً ما يكون محملاً بالكثير من الأفكار المكتسبة والنصائح التي في الكثير منها قد تكون تحمل معها أفكاراً ونظريات مغلوطة دون التأكد من مدى صحتها، فتكون النتيجة ظهور المشكلات الزوجية على السطح.

يضيف مختار «بدأت حياتي الزوجية حاملاً فكرة أن قائد الأسرة الناجح يجب أن يمتاز بالغموض ونوع من الديكتاتورية، لكن هذه الفكرة سرعان ما سببت لي مشكلات وخلافات كثيرة دفعتني إلى إعادة التفكير، ووجدت أن الحل هو المصارحة بين الزوجين والعفوية وهو الشعار الذي علي أن أتبعه لضمان نجاح العلاقة الزوجية الناجحة، ولكل من الزوجين دور لا يقل أهمية عن دور الآخر في إكساب الثقة والشفافية للطرف الآخر».

سلبيات عديدة

تؤكد ليلى عبدالمنعم «موظفة متزوجة» أن العفوية المفرطة تحمل معها الكثير من السلبيات، يبوح الشخص بكلام من الممكن أن يسبب الألم للطرف الآخر، فهو يتصرف من دون تفكير ولا يبالي بمشاعر الآخرين، مجرد لفظ جارح أو كلمة قاسية من دون قصد كفيلة بأن تفسد العلاقة، تروي عبد المنعم إحساسها بالألم بسبب عفوية زوجها بالحديث عن تأثير عملها على واجباتها المنزلية والأولاد فهو دائماً ما يردد على مسامعي ذلك، تضيف عبد المنعم أشعر بالآلم والإحساس بالذنب بسبب عدم قدرتي على التوفيق ما بين عملي وواجباتي تجاه أولادي وزوجي ومنزلي لكن ظروف عملي تجعلني عاجزة عن التوفيق بينهم.

مجلة كل الأسرة

نوع العلاقة

وتشير شيخة المري «موظفة» يتحدد الكلام العفوي والتلقائي بطبيعة المجتمع ونوع العلاقة التي تربط بين الزوجين فالرجل الشرقي لا يتقبل تصرف الزوجة بعفوية كبيرة على الرغم من تغير طبيعة المجتمعات العربية عن سابق عهدها.. إلا أنها تبقى مجتمعات محافظة، وعلى المرأة أن تكون حريصة حول ما يمكن أن تتطرق له من أحاديث مع الزوج، عفوية المرأة وتلقائيتها في الكلام غير مرغوبة من الزوج في كثير من الأحيان، فمن الضروري أن توجد لها مساحة من الخصوصية خاصةً فيما يتعلق بالأمور التي قد لا يرغب الزوج في طرحها وتتسبب في إثارة المشكلات، كما أنه على الزوجة الابتعاد عن الحديث الذي يثير المشكلات وأن يتسم أسلوبها بالهدوء والود كذلك واختيار الوقت المناسب للحديث.

تلقائية وعفوية

توضح د. سعاد العمر، تقوم مؤسسة الزواج على علاقة بين شخصين، وتختلف طبيعة العلاقة بينهما عن باقي العلاقات الاجتماعية إذ إن للعلاقة الزوجية خصوصيتها، لذلك من المهم أن يكون الحوار بين الزوجين وطبيعة الحديث بين الأزواج مختلفة تتسم بالسلاسة والوضوح والعفوية حتى يظهر كل شخص فيهم ما في داخله متجاوزين حدود المجاملات فالحديث التلقائي والعفوي دليل على وجود الألفة بين الأزواج، العفوية المسؤولة المتزنة تتمتع بإيجابيات لكن يجب أن تكون مصحوبة بالاتزان والوعي الكامل لكل ما يقال وكل ما يصدر من أفعال، لكنها في ذات الوقت يجب أن تكون مقترنة بالصدق والوضوح وأن تتسم بالكياسة والمجاملة فإذا ما تجاوزت الحدود قد تكون جارحة وغير محببة، فهي ضرورية لإيجاد الحلول للكثير من حل المشكلات الزوجية التي تعترض العلاقة الزوجية، أما إذا كانت العلاقة الزوجية مبنية على أسس ضعيفة وغير متينة عندها تكون العلاقة مصطنعة وغير حقيقية تولد التلقائية فيها الحواجز مما يسبب خلافات وتأزم في العلاقة مسببة الكثير من الحرج.

تضيف العمر: إن الله سبحانه وتعالى وصف العلاقة بين الزوجين بالمودة والرحمة في قرآنه الكريم بقوله (وجعل بينكم مودة ورحمة) باعتبارهما من ضرورات قيام العلاقة الزوجية ووصفه الزوجين بأنهما خلقا من نفس واحدة وأن الإنسان أصرح ما يكون في حالات صراحته هي مع نفسه، ومن مسلمات الزواج إيجاد السكن النفسي والاجتماعي والذي لا يتحقق إلا بوجود تلقائية الفعل والكلام وهو ما يترجم على شكل ممارسات تؤكد هذه الرحمة والود.

مردودات إيجابية

يبين عبيد آل علي أن الحديث العفوي والصريح له مردودات إيجابية أكثر منها سلبية فهو يفتح مساحة للحديث بأريحية دون تكلف أوتصنع، وتفرز العفوية لهذا النوع من الأشخاص علاقات خالية من المشكلات والمنغصات طويلة الأمد متينة الروابط، فهي تمكن الشخص من التعبير عن مكنوناته النفسية ومشاعره الحقيقية لتكشف ما يدور في نفسه فهي تعبير صادق عن المشاعر الحقيقية خاصةً عندما يتحدث الزوجان أو يتناولان ما يعكر صفو حياتهما الزوجية للبحث عن حلول مناسبة لها، وإذا ما كان التصرف في جانبه الآخر يحمل معه نوعاً من الفرض والإجبار في الرأي أو السلوك سواء كان من الزوج أو الزوجة عندها يكون من غير المرغوب فيه كأن يخبر الرجل زوجته أنها بدينة، وربما تؤدي العفوية إلى خلافات لكنها لا تتسبب في تأزم الوضع لتصل إلى حد الطلاق.

تحكم العلاقة

وفي الحديث الشريف «المؤمن كيس فطن» وهو ما يدعو لأن تكون العفوية وحسن الظن والنية السليمة والمصارحة بين الزوجين هي ما تحكم أي علاقة اجتماعية فما بالك بالزوجين اللذين يجمعهما بيت واحد وأسرة واحدة وتربط بينهما علاقة الزواج التي تعني الصدق والوضوح مع الاحتياط، لكن ليس للدرجة التي يسلمان بها الأمر للمقادير والواقع سلباً كان أم إيجاباً ويقال عنهما كمال يقول المثل «وافق شن طبقة» لأنها إن تجاوزت الحد المطلوب قد تفسر بالعكس وتفسد الأمور، كما لا ينبغي أن يستخدم أحدهما الحديث العفوي كشكل من أشكال ما يطلق عليه حرية التعبير باستخدامه طريقة خارجة عن آداب الحوار كما يستغله الكثير ويفسره على أنه حرية رأي، أن الاستسلام للشيء وعدم القدرة على فهم الواجب والأوجب شيء، والتنبيه لموطن الخلل والضعف شيء آخر، وفي نفس الوقت فإن سوء النية والسذاجة المفرطة غير مرغوبة، وبما أن الإنسان يملك نعمة العقل فإنه مطالب باستخدامه فهو يحاسب على أقواله وأفعاله وأن كثرة الكلام وعفويته له مضاره أحياناً كما السكوت الزائد أيضاً، فالعفوية والتلقائية محببة لكن بشرط إلا تفسر على أنها نوع من البلاهة أو السذاجة.