الانفصال العاطفي للزوجين.. الطلاق الصامت وتأثيره النفسي على الأبناء والأسرة
تعيش «م. أ» حالة من الانفصال العاطفي داخل بيت من المفترض أنه عش الزوجية والذي لا يربطها بزوجها فيه أي علاقة سوى محادثات ورسائل عن طريق «الواتس آب»، تتعلق بتنفيذ طلب ما أو تذكير بدفع فاتورة أو لسداد قسط مدرسي خاص بأحد الأبناء، تلك هي الأجواء داخل هذا المنزل الذي قرر طرفيه الأساسيين أن يعيشا تحت سقف واحد دون أن يكون هناك أي نوع من التواصل منذ أكثر من 3 سنوات، بعد أن زادت الخلافات وتأصلت مشاعر النفور تجاه بعضهما بشكل أدى إلى عدم قدرتهما على أن يقيما علاقة طيبة قوامها العطف والود والوصال، لتكون المحصلة معاناة مزدوجة للأم والأبناء.
زوجة أخرى تم تحويلها من العيادة الطبية إلى المتخصص النفسي بعد أن تم تشخيص حالتها المرضية بـ«النفسجسمية»، وتعاني من التهابات المعدة الحادة والصداع المزمن والشعور بالإجهاد طوال الوقت وضعف الذاكرة، ليرجعها الطبيب إلى الاستشاريين الأسريين الذين أقروا بأن ما تعانيه سببه فقد التواصل بينها وبين زوجها، والذي أسقط سبب تعثره في دين عليها فهجرها على الرغم من أنهما يعيشان في بيت واحد، ونتيجة لكتمان تلك الضغوط تحول الأمر إلى حالة من الكره بينهما خاصة بعد أن انعكس ذلك على الزوجة سلباً بالأمراض.
في السطور التالية نناقش حل الخلافات الأسرية وأسباب قبول الزوجين لهذا النوع من العلاقات، والتي مهما اختلفت مسمياتها سواء بالانفصال العاطفي أو الطلاق الصامت مع وقف التنفيذ، فله بالتأكيد تأثير سلبي ليس في أصحابه فقط، بل في الأبناء الذين دائماً ما يدفعون الثمن.
الانفصال العاطفي بداية الطلاق الصامت الذي يسبق الطلاق الفعلي، وهو عبارة عن ردة فعل عكسية لمشاعر الزوجين اللذين اقتصرت الحياة بينهما على التواصل المكاني فقط، من أجل أداء المهام المخولة لكل واحد منهما، ويرجع السبب في تلك الإشكالية إلى التراكمات النفسية والضغوط اليومية مع ضعف قدرة الطرفين على مواجهة المشكلات وفشل تحقيق التوازن بين الاحتياجات والإمكانات، وهناك حالات قد يكون عدم توافر ما يطمح له الزوج أن يجده في شريكة حياته سبباً لإحداث الفجوة بينهما ومن ثم الوقوع في براثن الخيانة، يلي ذلك حدوث الانفصال الذي قد يأخذ شكلاً خفياً فقط أي داخل جدران المنزل بعيداً عن أعين المجتمع.
وتشير: 60% من المشكلات الزوجية سببها الهجر والانفصال والتجاهل لدرجة تصل في بعض الحالات إلى عدم تلبية الاحتياجات الأساسية من مأكل ومشرب، ونتيجة لاختفاء الحوار تتأزم المشكلة ويصبح الزوجان كالغرباء يتشاركون المسكن فقط، وكثيراً ما ترد إلينا حالات تعاني فيها الزوجة من وضع نفسي سيئ وأحياناً من عدة أمراض وتارة أخرى ينعكس ذلك على الأبناء، وهناك حالة لطفل عرضته والدته وهو يعاني من فرط الحركة وعدم التركيز في الدراسة والقلق والتوتر، وبدراسة أسباب ذلك تبين أن ما يعانيه إنما هو ردود فعل أو بالأحرى انعكاس لما يراه أمامه من علاقة هشة تجمع الأبوين، وعند مناقشة الأم تبين أن زوجها على الرغم من أنه يقيم في المنزل معهم إلا أنه لا يوجد أي حوار يجمعهما ولا يتحدث معها سوى عن طريق إحدى وسائل التواصل الاجتماعي وعند الاستفسار عن السبب، أشارت إلى أن هناك حالة من النفور أدت إلى الانفصال تدريجياً حتى وصل الأمر إلى ما يشبه الطلاق الصامت وبررت هذا الوضع بأنه من أجل الأبناء وحتى لا يوصموا أمام المجتمع بشبح التفكك الأسري.
ننصح لمثل تلك الحالات التي تعيش تحت سقف واحد دون علاقة حقيقية تجمعها أن يتوقف أصحابها عن هذا، وإذا اعتقدوا أن ما يفعلوه يصب في مصلحة الأبناء فهو خطأ فادح لأن انعكاس هذا الوضع عليهم يأتي بنتائج قد لا يحمد عقباها، فمتى شعر الزوجان بالفتور عليهما أن يتحاورا وأن يصلحا الخلل الذي أدى بهما إلى هذا الطريق وألا يتركا أنفسهما فريسة هذا النفق المظلم.
وعن أسباب قبول البعض لأوضاع اجتماعية غير طبيعية: هناك تراكمات مستمرة وعدم البوح بها يولد نوعاً من الحاجز الذي يصعب معه التفاهم، لتبدأ مرحلة الصمت بين الزوجين وهي حياة غير طبيعية ويكون أمامها خياران إما البحث عن طرق بديلة لإنهاء هذا الوضع أو التسليم بالأمر الواقع، لتكون النتيجة ما نناقشه الآن والمعروف باسم الطلاق الصامت، الهدف من استمراره إما رجوع المياه إلى مجاريها مع الوقت أو التحمل من أجل الأبناء من أجل العبور بهم إلى بر الأمان، أو التخفي من نظرات المجتمع وراء هيكل بيت خرب من الداخل، ومن وجهة نظري فتحمل الزوجين لتلك الأوضاع لفترة طويلة قد تصل إلى عام وأكثر لن يؤدي إلى تغيير الأمر بل سيعتاد الطرفان على الوضع القائم ويستمران فيه.
أما الاستمرار من أجل الأبناء فهو أيضا خطأ كبير لأنهم بلا شك يشعرون بتلك الفجوة بين أبويهم وبالطبع يؤثر ذلك عليهم بشكل سلبي، وفيما يتعلق بنظرة المجتمع فمن المفترض ألا يدمر الإنسان حياته من أجل إرضاء الآخرين، ويتحمل وضع الانفصال أو شبه الطلاق حتى يكفي نفسه شرهم.
في الفقه وأصول الشريعة الإسلامية: العلاقة بين الزوجين تقوم على الود والعاطفة، وإذا ما ساد تلك العلاقة نوع من الفتور أو النشوز فالأصل البحث عن حل لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه، فقد يحدث خلاف بين الزوجين لا يصل إلى مرحلة الطلاق ولكن يشوب العلاقة بينهما نوع من البرود أو الانفصال الظاهري دون أن يكون هناك طلاق من الزوج، والذي يظهر والله أعلم أن الحكم الشرعي في هذه الأمور كما جاء في قوله تعالى: (ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا)، فإبقاء الزوجة في هذه الصيغة هي كالمعلقة والقرآن قال: (ولا تذروها كالمعلقة)، فلا يعد هذا الهجران طلاقاً لأن الطلاق له ألفاظ صريحة وكنائية، فإما أن يطلق الزوج صراحة كأن يقول لها: أنت طالق أو أنت مسرح أو مفرق، وإما أن تكون كنائية بأن يتلفظ الزوج بألفاظ تحتمل الطلاق وغيره كأن يقول: «اذهبي لأهلك»، فإن كان يقصد الذهاب الأبدي فهو طلاق وإن لم يقصد ذلك فلا يعد، وعليه فإن بقاء المرأة في البيت دون أن تكون بينهما علاقة ولم يتلفظ الزوج بلفظ الطلاق كناية أو تصريحاً فإنه لا يعد طلاقاً، ولكن الزوج مطالب من الناحية الشرعية أن يحسم الأمر إما بالبقاء أو التسريح.
والقول إن الوضع بتلك الطريقة إنما هو من أجل الأولاد أو الشكل الاجتماعي، فهذا يعد مصلحة فاسدة أمام حق المرأة.
انفصال المرأة عن زوجها في السكن من غير طلاق لا يسقط شيئاً من حقوقها الزوجية
الزواج رابطة مقدسة أساسها السكن والاستقرار، وإمداد المجتمع بالنسل الصالح الكريم، وحددت الشريعة الإسلامية، حقوقاً مشتركة للزوجين ومن بينها حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر فيما أباحه الشرع، فالزواج سبيل العفاف والإحصان وتكاثر الأمة، ولذا فمن حقوق المرأة على زوجها ألا يهجرها وأن يعاشرها بالمعروف بأن يبيت عندها ويعفها، وفي حال كان الرجل متزوجاً أكثر من واحدة فيجب عليه العدل بينهن، أو استرضاء من لا يبيت معها ومصالحتها، فإن الصلح بين الزوجين على إسقاط المبيت كله أو بعضه جائز، لقول الله تعالى: (فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير)، فإن تنازلت هي عن حقها في ذلك فلا مانع، ويسلم هو من الإثم، لأنها أسقطت حقها في المبيت برضاها، ولها أن تطالب بحقها متى شاءت، ولكن الأولى بالرجل ما دام زوجاً لها أن يعفها، حتى لا يظلمها لأنها تتضرر من هجرها.
ولا ينبغي أن تكون الخلافات القائمة أو السابقة سبباً في نفور الزوج من زوجته، فقال تعالى: (وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيراً كثيراً)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضى منها آخر»، وأما انفصال المرأة عن زوجها في السكن بموافقة من الزوج من غير طلاق لها، فلا يأخذ حكم الطلاق ولا يسقط شيئاً من حقوق الزوجة الواجبة لها إلا إذا كانت ناشزاً.
