الاحترام المتبادل بين الزوجين.. مفتاح السعادة الزوجية والاستقرار الأسري
«الاحترام بين الأزواج» هو كلمة السر، في الحياة الزوجية الصحيحة والسعيدة، هذا ما يؤكده العديد من خبراء العلاقات الزوجية، إذ يرى هؤلاء أن غياب التقدير والاحترام المتبادل بين الزوجين، قد يكون هو البوابة الملكية لدمار الأسر، والانفصال الزوجي في أحيان كثيرة، وهي ضريبة يدفع ثمنها دائما الأطفال.
وتشير العديد من الدراسات، في العلاقات الزوجية، إلى أن عدم الاحترام يقف وراء الكثير من حالات الانفصال الأسري التي تضرب الأسرة العربية في السنوات الأخيرة، وتقول دراسة صادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية في مصر، إن عدم احترام الطرف الآخر، يحتل المرتبة الثانية في معظم حالات الانفصال التي غالباً ما تدور حول ثلاثة أسباب، على رأسها الخيانة الزوجية، وافتقاد الطرفين للأحلام والأهداف المشتركة، وتشير نتائج الدراسة التي أجريت على عينة من النسوة المنفصلات أن نحو 8% منهن، فضلن إنهاء الحياة الزوجية، بعدما فقدن احترامهن للطرف الآخر.
«كل الأسرة» تناقش في السطور التالية، تلك القضية التي باتت تمثل ظاهرة في العديد من البيوت العربية.
لم تكن «نادية» البالغة من العمر 36 عاماً، تتخيل في يوم أن تنتهي حياتها الزوجية، على هذا النحو الذي يشبه المأساة، وهي التي ارتبطت بقصة حب قوية مع زوجها، أثناء دراستهما الجامعية، وتقول نادية: تزاملنا طوال فترة الدراسة الجامعية، وربط الحب بيننا، وتعاهدنا على الزواج، وانتظرته حتى تمكن من تأسيس عش الزوجية بعد صعوبات شديدة، استلزمت سفره للخارج لفترة، وتزوجنا وأنجبنا طفلين، لكن شروخاً شديدة ضربت علاقتنا الزوجية، عندما بدأ يثور لأتفه الأسباب، حتى بلغ الأمر اعتداءه عليّ بالضرب، وعندها كان لابد من وقفة حازمة بعد أن وصلنا إلى طريق مسدود.
على مدار شهور، فشلت محاولات من أسرتي الطرفين التوفيق بين الزوجين، لكن نادية كانت قد حزمت أمرها، وقررت الانفصال بهدوء، وعن ذلك تقول: على الرغم من أن القرار كان صعبا، إلا أنني قررت أن ننهي تلك العلاقة، بعدما فقد كل منا احترامه للآخر، وهو أمر من المستحيل إصلاحه.
الخلافات الزوجية لأتفه الأسباب
لا تتوقف مظاهر الاحترام المتبادل بين الزوجين، حسبما يرى كثير من خبراء العلاقات الزوجية، عند حد تقاسمهما المشترك مراعاة المشاعر، لكنها تمتد إلى سلوك يومي في بيت الزوجية، يبدأ من خفض الجناح ولين الجانب، ولا ينتهي عند حسن الإنصات، ومراعاة أدب الحوار خصوصاً في مناطق الخلاف، وحبذا لو كان ذلك الاحترام باديا أمام الصغار، ومراعاة وجود الصغار بين الزوجين أمر مهم لا يجب إغفاله من الطرفين، فالشجار الذي قد يحدث لأتفه الأسباب، تحت سمع وبصر الأطفال، يؤثر بصورة كبيرة على صحتهم النفسية في المستقبل، كما أن احترام كل طرف للآخر من شأنه أن يسهم بصورة كبيرة في خلق شخصيات سوية عند الأطفال، حبذا لو كان هذا الاحترام متجسدا أمام الجميع، إذا ما اجتمعت الأسرة في مكان واحد، مثل بيت العائلة.
وأن من أهم الأشياء الواجب مراعاتها في هذا الخصوص، هو الاحترام بين الزوجين، عبر حفظ غيبة كلا الزوجين للآخر، فالمسؤولية هنا متبادلة، والأطفال يستطيعون أن يلحظوا ذلك بشدة، خصوصاً في الجلسات التي تحدث مثلاً في بيت عائلتي الأم أو الأب، والتي غالباً ما يدور فيها الحديث حول تصرفات الطرف الآخر، أو حتى في مجالس الأصدقاء، وهنا لا بد أن يشعر الطفل بأن أباه أو أمه يحيط الطرف الآخر بمشاعر الحب والاحترام أمام الغرباء، فالاحترام مطلوب من الزوجين تجاه بعضهما البعض، لأنه يحفظ كرامة الزوجين ويرفع من شأنهما، وهذا يستلزم أيضاً تعويد الأبناء على احترام والديهما، إضافة إلى احترام أفراد الأسرة داخل وخارج المنزل.
الاحترام المتبادل ومشاعر الزوجين
ينظر كثير من خبراء العلاقات الزوجية إلى الاحترام المتبادل بين الأزواج، باعتباره إكسير الحياة الزوجية، ويقولون أن مثل هذه الحياة بدون احترام هي والعدم سواء، ولا يمكن خلق حياة زوجية سعيدة من دون احترام متبادل بين الزوجين، والحياة التي يهين فيها أحد الزوجين الآخر سواء بالألفاظ أو التصرفات، ولا يراعي مشاعره وأحاسيسه لا يمكن أن تستمر.
حتى المناوشات التي يمكن أن تحدث بين الزوجين يمكن التغلب عليها، بأن يسارع الطرف المخطئ إلى تطييب خاطر الآخر، بالكلمات الحلوة، فإن ذلك من شأنه أن يعيد الحياة إلى طبيعتها مرة أخرى، ولا يدع فرصة للخلاف والمشاحنات أن تكبر بأكبر مما تستحق، ما قد يعقد المشاكل بصورة أكثر، وهذا أمر يفرض نوعا من التحدي بين الزوجين في أهمية الاستيعاب والتعامل مع لحظات التوتر بهدوء ودون عصبية أو انفعال، والاعتماد دائماً على فن الحوار والتواصل بين الزوجين في التغلب على كل المشكلات.
تتذكر أمل البالغة من العمر 35 عاما، تلك الأزمة العنيفة التي ضربت حياتها الزوجية في مقتل منذ سنوات قليلة، وكادت تعصف بها، عندما تطورت الأمور بينها وزوجها إلى الغضب، وكادت تصل إلى الطلاق، وتقول أمل: كان شيئاً تافها للغاية، لكنه كان يتعرض لضغوط عنيفة في عمله، فانفجر الموقف حتى بلغ حد السباب والتطاول، لكني في النهاية قررت أن أتجاوز عن الموقف، حفاظاً على تماسك الأسرة، وقد استشعر زوجي بخطئه فسعى لأسابيع طويلة لإرضائي والاعتذار لي بكل الطرق، حتى صفحت عنه، وهو ما لم تستطع «ندى» أن تفعله، بعدما تحملت سنوات طويلة تجاوزات من قبل زوجها، وعن ذلك تقول: تعودت ألا ألوم زوجي على ما يفعله، وكنت دائماً ما أضحي بكرامتي من أجل الحفاظ على أسرتي، لكن بعدما فقد كل منا احترامه للآخر، لم يعد هناك حل سوى الانفصال.
انتقلت ندى منذ شهور إلى منزل أهلها في انتظار أن تنتهي المفاوضات الجارية بين أسرتها وأسرة زوجها إلى انفصال زوجي هادئ، خصوصاً في ظل وجود طفلين، وهي تقول عن ذلك: على الرغم من أن خسارتي ستكون فادحة، إلا أن الاستمرار في ظل غياب الاحترام بيننا، أقرب إلى العبث.
لا يتوقف غياب الاحترام عند تجاوز الرجال فقط، لكنه يمتد إلى نوعية أخرى من النساء، على نحو دفع حسن 38 عاماً إلى الانفصال عن زوجته بعد زواج استمر أكثر من عشر سنوات، وهو يقول عن ذلك: بعد زواجي بعام واحد اكتشف عدم قدرة زوجتي على الإنجاب، ولأنني أحبها آثرت الاستمرار معها، حتى جاء يوم كنا نجلس فيه سوياً نتبادل الحديث، فقلت لها ممازحاً بأنني أكثر زوج صابر في الدنيا، وهنا فوجئت بها تنفجر في وجهي بالبكاء والصراخ، وتقذفني بكلمات جارحة، فلم أتحمل الموقف وألقيت عليها يمين الطلاق، بعدما شعرت بأنها تجرح كرامتي على نحو سوف يكون من الصعب معه الاستمرار في الزواج.
الغضب الزوجي والخرس الزوجي
غياب الاحترام الذي قد يصل في أحيان كثيرة إلى تبادل الكلمات الجارحة بين الأزواج، يرجع بالأساس إلى عدة أسباب، من بينها أن يكون الشخص حاداً بطبيعته، وهذا النوع من الصعب أن يسيطر على انفعالاته، وقد يصل إلى أقصى مدى في الخلاف، لأنه يعتقد أنك إن لم تكن معه فأنت ضده، والخلاف عنده يعني العداوة، ويقول عثمان: يجب أن يدرب الإنسان نفسه جيدا على كبح جماح غضبه، خصوصاً إذا كان هذا الغضب الزوجي من النوع الجامح، وهذا النوع لا يبذل صاحبه مجهوداً على الإطلاق للتحكم في غضبه، حتى ينتهي به الأمر بجرح نفسه وإهانة الآخرين، وهناك الغضب المكبوت الذي عادة ما يظهر في صورة مشاعر سلبية، ومن الممكن أن يتحول إلى اكتئاب أو أمراض عضوية.
يقف الإحساس بعدم الاحترام وراء كثير من حالات الخرس الزوجي التي تصيب كثيراً من المتزوجين، وأن تخزين الاستياءات والإهانات التي تتلقاها الزوجة من زوجها، أحد أكثر الأسباب التي تقف وراء تصاعد الخلافات الزوجية وبلوغها حد الانفصال، ولا يعني أن تتغاضى الزوجة عن بعض المواقف، بحجة أنها لا تستعدي المواجهة بينها وزوجها أو التصعيد، أنها سوف تمرر الأمر، لأن الموضوع هنا يشبه القنبلة الموقوتة التي يجب نزع فتيلها بسرعة عبر الاحتواء من قبل الزوج، وإلا فإن النتائج ستكون مدمرة.
وننصح الأزواج بضرورة التحكم في لحظات الغضب، انطلاقاً من القاعدة التي تقول إن الخلافات لا تلغي أبدا المشاعر الطيبة، والتحكم في الغضب والتعبير عنه بشكل صحي ضروري لحياة زوجية مستقرة وسعيدة، وهذا أمر يفرض على الطرفين أن يناقشا ما قد يتسبب فيه أي طرف من مضايقات بهدوء، ودون مواجهات شرسة، لإثبات من هو الطرف المخطئ، مع الحرص على اختيار الوقت المناسب للنقاش.
*القاهرة: "كل الأسرة"
