16 يونيو 2026

العطاء المتبادل بين الزوجين.. سر نجاح العلاقة الزوجية واستمرار الحب

معالجة ومستشارة نفسية للأزواج

مجلة كل الأسرة

لذة العطاء المتبادل يعيشها الكثير من الأشخاص وهم يبحثون دائماً عن الاستمرار فيها لأن لذلك العطاء الكثير من المردود على المستويين المعنوي والنفسي لهؤلاء الأشخاص الذين يكثرون منه. فالعطاء هو على المستوى المادي والمعنوي والنفسي، فعندما أكون موجوداً لأجل الآخر وأهتم بأموره وأكثر من الخدمات التي يحتاج لها أو حتى أقوم بمبادرات لأجله حتى لو لم يكن يطلبها بالشكل المباشر.

وفي الوقت عينه قد يشعر الشخص الذي يكثر العطاء للآخرين بعدم توازن من قبل الآخرين بمعنى أنه يعطي ويهتم لكنه لا يحصل على شيء بالمقابل. في الواقع إذا عشنا اختبار البخل العاطفي في طفولتنا من قبل أهل لا يجيدون العطاء في أعمار صغيرة من الممكن أن ينتج عنها تطوير صورة لهذا المثال العاطفي، وبالتالي نبدأ بالبحث بشكل غير واع لتكرار صورة الأهل البخلاء في العاطفة ونكرر الفعل باختيار شريك على مثالهم.

وقد ننزعج دائماً من لعب دور المنقذ للآخرين على الرغم من أن اللاوعي يبحث دائماً عن أشخاص بحاجة إلى عاطفتنا واهتمامنا به وبالتالي نقوم بخيارات خاطئة. كل العلاقات الزوجية والعلاقات التي تسير باتجاه صحي وناجح هي تلك التي تعتمد على مبدأ العطاء بين الزوجين والعطاء المتبادل ولكن ليس مبدأ العطاء بالمقابل أو انتظار عطاء الآخر للتمكن من العطاء شخصياً.

هذه المعادلة ليست صحية. وللتمكن من اعتماد منطق العطاء المتبادل بين الزوجين دون شروط أو حسابات يحتاج الأشخاص إلى نضج نفسي كاف إضافة إلى تصالح مع الذات بعيداً عن العقد التي يطورها منذ الصغر. إن أخطر ما يعانيه الزوجان في العلاقة هو انتظار الكرم والفيض العاطفي من الشريك دون الطلب منه ذلك أو التعبير عن الحاجة له، لأن الطرفين يبقيان في النقص لعدم وضوح الصورة أمامهما وعدم الدراية بحاجة الشريك الحقيقية.

فأي شخص يدخل حياتكم من الضروري التنبه للأمور المتطرفة التي يقوم بها وفي حال كان التطرف مرضياً لديكم من الضروري البحث في هذا الإطار عن السبب والحاجة لديكم لجذب شخص بحاجة دائمة إلى اهتمامكم وإلى عطائكم. من ناحية أخرى وعلى محور معاكس قد يكون الأشخاص أنفسهم يرفضون الارتباط العاطفي والعطاء والرغبة بالبقاء مع الشريك الذي يحب.

قد يكون ذلك متعلقاً بسبب متطرف آخر وهو كثرة اهتمام الأهل به في الصغر بشكل لم يعطوه فرصة للتنفس أو للتعبير عن حاجاته. على العكس كان يحصل على كل ما يريد أو يحتاج قبل أن يطلبه. تاريخ الأشخاص وعلاقاتهم المبنية في الصغر وطريقة عيش الأمور وضعت الأشخاص في خانات من الحاجة مختلفة جداً أدت بهم إلى تموضع خاص في العلاقة الزوجية يجعلها ممكنة وأحياناً ناجحة لأن حاجات الطرف الأول تلقى تجاوباً مع حاجات الشريك الثاني، وبالتالي يأخذ كل طرف مكانه في العلاقة على شكل واهب وموهوب.

ففي الحياة الزوجية الناجحة والعلاقات العاطفية وهذا أمر بشري يحتاج الشخص للشعور بأنه محبوب كي تزيد الثقة بالنفس، فعندما يشعر أنه غير محبوب تتأثر ثقته بنفسه لأن الأشخاص يعيشون من خلال الصورة التي كونوها عن أنفسهم نتيجة مجموعة الصور التي وصلتهم عن أنفسهم من الآخرين.

وهكذا كل شخص هو عاجز عن حب نفسه بالشكل الصحيح أو الكافي لأنه في صراع دائم مع الصورة المثالية عن نفسه مواجهةً مع الصورة الحقيقية التي يعيشها. لذا نرى الكثير من الأشخاص الذين لا يشعرون بوجودهم إلا من خلال عطائهم للآخر وكلما زاد عطاؤهم كلما شعروا بقيمتهم. إنما عزيزي القارئ هناك الشق الإنساني الذي يبحث ولو بشكل غير واع عن مكافأة على عطاء حتى لو كان عطاء نابعاً من قناعة مطلقة أو رغبة معينة.

لذا في وقت من الأوقات نرى الأشخاص الذين يكثرون العطاء يشعرون فجأة بالرغبة بالتوقف عنه والبدء بالانتظار من الشريك. هذا الانتظار يزيد الأمور تعقيداً كون الشريك الآخر قد لا يملك نفس الرغبة أو الحاجة إلى العطاء أو الدعم العاطفي.

نعيد ونذكر أن كل تطرف إن كان في المشاعر أو الانفعال أو السلوك أو حتى في العطاء أو الانقطاع عن العطاء يعتبر مرضياً وعلى المعنيين البحث عن الاعتدال حتى لو أدى بهم الأمر إلى استشارة متخصص، حفاظاً على نجاح العلاقة الزوجية والاستقرار الأسري والتفاهم بين الزوجين.