تضحيات الزوجات بين الأسرة والعمل.. كيف يحقق التوازن الاستقرار والسعادة الزوجية؟
ربما مدفوعة بفطرتها التي فطرها الله عليها من العطاء والبذل بلا حدود تتفانى الكثير من الزوجات في محاولة الجمع بين تربية الأبناء والعمل والبيت، وتلبية متطلبات الزوج والتصرف بمثالية شديدة في محاولة للوصول لحد الكمال، مقدمة العديد من تضحيات الزوجات والتنازلات ظناً منها أنها الطريق الأمثل لاستمرار واستقرار الحياة الزوجية، ناسية أن الأمر يتطلب نوعاً من التوازن بين الأسرة والعمل من أجل الوقوف على أرضية صلبة وأن تكون تلك التضحية متبادلة بين الزوجين. وفي دراسة أجراها علماء النفس في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس ساهم فيها كل من بنجامين كارني أستاذ علم النفس والمدير المشارك لمعهد العلاقات بجامعة كاليفورنيا وتوماس برادبري أستاذ علم نفس شارك في إدارة معهد العلاقات على أهمية تقديم الأزواج لبعض التضحيات من أجل الحفاظ على العلاقة الزوجية واستندت الدراسة في تحيلها لـ 172 من الأزواج خلال السنوات الـ11 الأولى من الزواج، وجدوا أن الأزواج الذين كانوا على استعداد لتقديم تضحيات في علاقاتهم كانوا هم الأكثر نجاحاً في تحقيق المعادلة الصعبة لزواج سعيد.
«كل الأسرة» ناقشت الموضوع لمعرفة دوافع الزوجة في بحثها عن الكمال من خلال تقديمها التضحيات المستمرة وتأثيراتها السلبية والإيجابية وكان هذا التحقيق:
العبء الأكبر
مايد محمد متزوج وأب لثلاثة أطفال ينظر إلى محاولة المرأة في الوصول إلى الكمال أمام زوجها من جانب إيجابي فيقول: «اهتمام المرأة بمنزلها وأولادها لا شك يعود بالنفع على الأسرة والزوج، وفي التطور التكنولوجي الموجود وصعوبة السيطرة على تربية الأبناء فإن الزوجة هي من تتحمل العبء الأكبر خاصة في ظل عدم وجود خدم، وهو ما يستدعي أن تكون المسؤولية المشتركة بين الزوجين، ويرى الزرعوني أن مبالغة بعض الزوجات وتجاوزها الحد المقبول يعود بمردودات سلبية تلقي بظلالها على علاقتها مع الزوج والأقارب والأصدقاء.
وفي السياق نفسه يروي مايد تجربته مع زوجته مثمناً ما تبذله من جهد للحفاظ على منزلها وأولادها فيقول «تقوم زوجتي بجميع الواجبات المنزلية إضافة لدورها في تربية الأبناء فيظل استغناؤنا عن وجود الخدم، وهو ما يدفعها لبذل مجهود مضاعف في محاولة لإيجاد نوع من التوازن بين الأسرة والعمل وبين كل تلك المتطلبات».
من جهتها تتوقف "أم راشد" عند ضرورة اهتمام الزوجة بنفسها خاصة وهي ترى تجربة إحدى شقيقاتها «التي تبذل كل جهدها في الاهتمام بالأولاد والمنزل متناسية حقها في ضرورة الحصول على بعض الراحة والاهتمام بنفسها، وهو ما أدى إلى معاناتها من بعض المشكلات الصحية، وبالرغم من النصائح الكثيرة التي نوجهها لها إلا أن البيت والأولاد يأتوا لديها على رأس الاهتمامات».
العمل والمظهر
ويشير عيسى علي «أب مطلق» إلى أنه لا ضرر يعود على الزوجة إذا ما اهتمت بجوانب حياتها، ونظمت وقتها ما بين أعمال المنزل والأولاد وهو ما يوفر في النهاية الكثير من الوقت ويمنع حدوث أي ارتباك ينعكس على حياة الأسرة، ولا يجد حرجاً في الحديث عن مطلقته «ما إن وجدت عملاً حتى تغيرت وأصبح اهتمامها يرتكز على عملها ومظهرها بشكل كبير بالرغم من محاولاتي لإصلاح الوضع محاولاً تجاوز الأزمة لكن كل محاولاتي لم تجد نفعاً وبعد خلاف طويل كان لابد من الانفصال».
بدورها تضيف السيدة شيخة «تضحي الزوجة وتجتهد من أجل تحقيق السعادة والاستقرار للأسرة، خاصة وأن الزوجة والأم هي منبع الحب والعطاء كيف لا «والجنة تحت أقدام الأمهات»، فهي تسعى لإبراز أفضل ما لديها أيضاً حتى لا يكون التقصير هو دافع الزوج للزواج مرة ثانية أو إهمال بيته وأولاده، تربية الأبناء وتفوقهم علمياً والاعتناء بالمنزل واهتمامها بتطوير ذاتها كل ذلك يعود على الأسرة والزوج بالراحة النفسية.
الوسطية
نوال مختار بدورها ومن منطلق خبرتها الطويلة في الحياة والتجارب التي اطلعت عليها تقول: «تحرص الزوجة على الاهتمام بجميع جوانب حياتها لكونها المسؤولة عن تربية الأجيال واستمرار الحياة الإنسانية، وقد فضلها «الله» وكرمها على الرجل بصبرها على متاعب الحمل والوضع والرضاعة، كما أن مهمتها الأولى هي تربية الأبناء ورعاية الأولاد والقيام بشؤون البيت لكن ذلك لا يعني إهمالها لمظهرها وذاتها، الاهتمام بالذات أمر مهم لكن بالحدود التي يسمح بها المجتمع، فالمبالغة في بعض الأحيان تحمل معها بعض السلبيات، الوسطية هي أجمل ما يكون».
التوازن مطلوب
يقول د. أحمد أيمن: من الجميل أن تهتم الزوجة بالأولاد والزوج والمنزل لكن الأجمل أن تهتم بنفسها أولاً «صحتها جمالها أمورها المادية نفسيتها»، لأنها إن أهملت بنفسها سينعكس ذلك على كل هؤلاء وكل إناء ينضح بما فيه، نعم التضحية مطلوبة ولكن ليس بحمل العبء الأكبر من أجل الآخر وربما هذا الآخر لا يقدر أو لا يثمن قيمة ما فعلت الزوجة التي هي كل الأسرة وعماد البيت ومصدر الحب ونبع الحنان إنها مثل القلب في الجسد لو أصابه خلل لانهار الجسد كله، ومن حقها أن تقدر ومن حقها أن يساعدها الرجل وأن ينفق عليها، حتى وإن كانت تعمل وتأخذ راتباً لا ينبغي استغلالها مادياً ولا عاطفياً ولا نفسياً، هي خلقت لتكرم وتستشار وتعز إنها زوجة وليست عبدة كما يتعامل البعض معها اليوم، فهذا زوج يرى أهله يهينونها فلا يدافع عنها....وهذا زوج يراها تموت من الإرهاق بسبب أعمال المنزل فيقول هذا فرض عليك... وآخر يحملها الإيجار ومصاريف التعليم ونصف مصروف البيت، الرجل الحقيقي هو الذي يبر أهلها وعند المرض والصحة يعينها ولا يأخذ مالها إلا بطيب خاطر ولا يعيبها أمام الناس يقول النبي صلى الله عليه وسلم (ما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم)، والتوازن بين الأسرة والعمل والحياة الشخصية هو أفضل الطرق لأنه إذا لم تراع الزوجة نفسها فبالتأكيد لن تستطيع مراعاة غيرها فمن لم يكن سعيداً لا يمكن أن يسعد غيره، ومن كان مهموماً فلا يمكن أن يعين غيره.
القناعة كنز
من جانبه يقول د. رياض معوض «في داخل كل شخص منا رغبة بأن يكون الأحسن والأفضل من خلال ظهوره أمام نفسه أو الآخرين على أنه الشخص الكامل الخالص من النقص وهذه ميزة جيدة بالنسبة للإنسان والمحيطين به، وبالنسبة لسعي الزوجة للكمال فالموضوع له بداية لكنه بلا نهاية فالسعي إلى مرحلة الكمال هو أمر لا يمكن بلوغه ومحاولاتنا لبلوغ مرحلة الكمال سواء كان في المنزل أو العمل أو مع الزوج والأهل والأصدقاء، هذا الأمر مرتبط بسلسلة من التغييرات المترابطة مع بعضها البعض، وفي حالة الزوجة فإنه غالباً ما يؤدي بها إلى طرح العديد من الأسئلة على ذاتها هل أنا الأفضل؟ هل أنا الأحسن؟ هل سأواجه نقداً من الآخرين؟ وهكذا، لذا فهي في أغلب الأوقات تعيش في حالة من عدم الرضا بسبب السقف العالي من الطموح الذي وضعته لنفسها، وهو ما لا يمكنها الوصول إليه وبالتالي يولد لديها شعوراً بالإحباط لتقصيرها في حق نفسها أو عدم مقدرتها على أداء الكثير من الأعمال التي لم تستطع إنجازها بالشكل الأمثل هذا الأمر يولد شعوراً بالقلق والفشل والتوتر والاكتئاب من خلال تحميل نفسها عبئاً وجهداً فوق العادة لكسب رضا الآخرين وهو ما ينطبق على المرأة أو الزوجة بشكل أكبر بحكم تكوينها وغريزتها مولداً لديها إحساساً بالمسؤولية تجاه منزلها وأطفالها.
فإذا ما أضفنا إلى ذلك إدارة المنزل والتي هي بحد ذاتها عملية صعبة ومعقدة بعض الشيء وهي في سعيها للوصول إلى مرحلة الكمال سواء أمام الزوج أو الأقارب والأصدقاء تبذل قصارى جهدها لتوفير كل شيء لأسرتها لتبدو أمام زوجها المرأة الكاملة وفي ذات الوقت فهي لا تتقبل النقد أو التوجيه لأنها تعتبر هذا الأمر هو انتقاصاً من شخصها وعملها، وهو ما قد يؤدي للخلافات الزوجية. لذا يمكننا القول إن خير الأمور أوسطها والرضى بالواقع وإرضاء الناس غاية لا تدرك، ولكل فرد حدوده للعطاء لذلك عليها أن تحدد سقفاً معيناً لعطائها يكون قريباً من الواقع كلما كانت الطموحات بسقف عال وجدت نفسها عاجزة عن تحقيقها، فالرضى عن النفس يكون بالسلام معها والقناعة تكون بما تمتلكه وأهداف من الممكن تحقيقها واقعياً، فالقناعة كنز لا يفنى والرضا بالموجود يولد السلام مع النفس.
