لذلك هناك عدة ركائز يجب البناء عليها قبل توصيف ما يحصل واعتباره ضمن العنف النفسي والتلاعب النفسي. في الإجمال يدل التلاعب على مجموعة محاولات من الشخص المتلاعب لتحويل إدراك شخص معين لحقيقة موجودة باستعمال عدة طرق من بينها السلطة التي يملكها على الآخر، قوة الإغراء، الإيحاء، الإقناع.. أو من خلال الإخضاع إرادياً أو بالتراضي ضمن العلاقات الزوجية. كما يلاحظ أحياناً أن هناك الكثير من الأشخاص يمرون بأكثر من حالة بشكل دوري، فبعد أن يقوموا بالتلاعب من خلال الإغراء، نراهم مع الوقت يحولون العلاقة إلى علاقة سلطة حيث يكون عنصر التلاعب هو سيد الديناميكية في العلاقة الزوجية.
في كل الحالات تعيش الضحية حالة استنزاف نفسي واستهلاك لطاقتها، لأنها تشعر بالغبن وتشعر بغياب المنطق لدى الشريك. تمر بفترات خضوع لأنها تحتاج لهدنة، كما تمر بفترات صراع وخلاف لأنها تحتاج دائماً لتصويب الأمور ووضعها في خانة واحدة، هي خانة التوصل إلى حلول وسطية أو حتى إقناع الشريك بأنها على صواب ولو لمرة واحدة ولكن هذا الأمر يبدو مستحيلاً لأن الأشخاص المتلاعبين قلما يعتبرون أنفسهم على خطأ بل أكثر يعتبرون أنهم ضحية الشريك ويمكنهم أن يعيروه بذلك.
أما حين يقرر الشريك هجر شريكه المتلاعب نرى هذا الأخير يلجأ إلى تقنيات إشعار شريكه بالذنب ويلعب على وتر التعلق به ضمن العلاقات السامة. بحيث يردد أمامه دون انقطاع، أنه يحبه وأنه لم يكن يريد الوصول إلى هذا الحد من الأمور. فكل إصرار المتلاعب لبقاء شريكه معه هو لأنه في حاجة إلى مادة تبقيه على الحياة.
على كل حال الانفصال عن الشريك المتلاعب ليس سهلاً أبداً وذلك بسبب كثرة المشاعر والانفعالات المتداخلة تجاه الشريك فهناك شعور بالخوف مترافق مع شعور بالتعاطف معه، بحيث يبدو الانفصال عنه مستحيلاً لأن الانفصال يعتبر بمثابة تقطيع للمشاعر على الرغم من كل ما يحصل كل يوم، كأن الحياة لا يمكنها أن تستمر من بعده على الرغم من أن الشريك غير مرتاح مع شريكه.
فالضحية المفرغة من كل طاقة، والتي خارت كل قواها، وفقدت كل ثقة في النفس وتقدير الذات تصبح على مسافة بسيطة من الإحباط. في معظم الأحيان، الضحية هي من يبادر بطلب الانفصال وليس العكس. لأنه وبكل بساطة يكون المتلاعب بحاجة دائماً لجرعة حيوية يستهلكها في امتصاص الطاقة التي يملكها الشريك لكنه لا يمتص طاقة الشريك ليستعملها ويحولها إنما لإفراغ الشريك منها. فمن دون ضحية لا يمكن للمتلاعب الاستمرار.
إلى جانب ذلك قد يستفيد من ترك شريكه له من خلال اكتساب تعاطف المقربين. المتلاعب أو أيضاً النرجسي الشاذ هو مستهلك عاطفي لشريكه ضمن العلاقات السامة. فهو يسعى لتقدير ذاته من خلال سحق الشريك كي يعزز الشعور بالفوقية. كما أنه قد يسيئ لعدة أشخاص في الوقت نفسه، ويمكن أن يصبح لديه أكثر من ضحية وكل ذلك ليعطي قيمة وتقديراً لذاته من خلال إساءته لضحاياه.
يعيش الشريك فترة طويلة قبل أن يدرك استحالة العيش مع شريكه. فبعد أن يعيش مراحل كثيرة يشعر فيها بالذنب تجاه شريكه وبالدونية، يجد نفسه غير قادر على الاستمرار في هذا الواقع لأن الصفة الأبرز للمتلاعب هي صون صورته أمام المجتمع. ففي حين يكون بشعاً جداً ومستهلكاً في علاقته مع الشريك، يسعى جاهداً لإبراز صورة الشخص المثالي أمام المجتمع بشكل يجعل الآخرين يحسدون شريكه عليه في حين يعاني الشريك كثيراً.
كيف يحمي الشريك نفسه من شريكه المتلاعب؟ أهم ما يمكن القيام به هو عدم الدخول بدوامة التصغير التي يدخلكم فيها شريككم المتلاعب. لا تفقدوا الثقة بالنفس ولا تؤخذوا بتوصيفه لكم. كل ما يقول أو يفعل هو بهدف السيطرة عليكم، والأبرز في الموضوع أنه غالباً ونتيجة معاملته لكم في بداية العلاقة، ما تكون العلاقة مع المتلاعب علاقة تعلق غير صحية والاستمرار فيها خطر على الصحة النفسية.
لا تقبلوا أن يتم التلاعب بكم من قبل الشريك. أنتم في حاجة لاستثمار طاقتكم النفسية للتخطيط والتطبيق، لكنكم لستم بحاجة لاستهلاك الطاقة على أمور غير بناءة وليس منها أي استفادة ولن تسهم في إيجاد حلول. الاستمرار في دوامة هذا النوع من العلاقات يؤدي إلى حالة إحباط نفسي قد تصل إلى الإحباط الحاد، وفي بعض الحالات يمكن أن تؤدي إلى اضطرابات نفسية خطيرة أو حتى الانتحار لدى الشريك.
ففي حال تأكدتم من تشخيص الشريك عليكم التصرف، وكل وقت هو الوقت المناسب للمبادرة بالبحث عن الحل الأنسب، سواء كان ذلك عبر الاستشارة النفسية أو اتخاذ قرار الانفصال للحفاظ على الصحة النفسية وجودة الحياة.