هل زواج ذوي التوحد ممكن؟ وهل يحق للمصابين بالتوحد الزواج؟. مثل هذه الأسئلة الشائكة والإنسانية، ترصد حق هذه الفئة، بخاصة ذوي اضطراب طيف التوحد، حيث إن نسبة منهم قادرة على التكيّف مع واقع الزواج ومتطلباته، إلا أن نظرة المجتمع تبقى العائق الأكبر.
وبين الأمل والخوف، والاحتياج العاطفي والواقع المجتمعي، تبدأ الأسَر رحلة البحث عن إجابات، وتُطرح أسئلة تتكرّر على ألسنة الأمّهات والآباء، والمختصين: هل يحق لشاب التوحد أن يحب؟ هل يمكنه أن يكون شريكاً حقيقياً؟ وهل يسمح له القانون بالزواج؟
في الإمارات، لم يعد الحلم مستحيلاً. فقد بادرت جمعية الشارقة الخيرية إلى دعم شاب إماراتي يبلغ من العمر 23 عاماً، يعاني التوحد، ويسعى لبناء حياة زوجية مستقلة، بعد عرض قصته عبر برنامج الخط المباشر. الشاب أكمل تعليمه الجامعي على الرغم من التحديات، ويحمل في قلبه حلماً بسيطاً لكنّه عظيم: أن يكون له بيت، وشريكة، وأمل.
بيد أنّ معاناة الشاب من أعراض اضطراب التوحد أعاقته عن تحقيق آمال والديه في إعفاف نفسه بالزواج، رغم استكمال تعليمه وسعيه لتأسيس أسرة. وآنذاك، قال المدير التنفيذي لجمعية الشارقة الخيرية، عبدالله بن خادم البشرى: «بعد تسجيل الحالة ضمن الحالات المصنفة بحالات تحت الدراسة والمعالجة، قامت الجمعية بفتح جانب المساهمة ليتمّ دعم الحالة من قبل المحسنين».
حين يحبون... يحبون بصدق
وفي شهادة مؤثرة للمدربة والأخصائية سميرة صلوحي، التي رافقت العشرات من الشباب المصابين بالتوحد، تقول لـ«كل الأسرة»: «الحب لدى هذه الفئة ليس لعبة عابرة، بل التزام صادق، لكن يحتاج إلى صبر وفهم، لا إلى أحكام مسبقة».
وتشرح: «في عالم يزدحم بالصخب والتوقعات، يولد من رحم الهدوء شاب لا يشبه أحداً، شاب يسكنه الطيف، لا يجيد اللف والدوران، ولا يحسن إخفاء مشاعره، ولا يختبئ خلف المجاملات، ولا يتقن الكذب الأبيض، لكنّه يجيد الوفاء والصدق في أعلى درجاته، وهو يعيش وفق إيقاعه الخاص، ويسير في الحياة بخطى ثابتة، وإن بدت غريبة، ويحتفظ في قلبه الصامت بأحلام تشبهنا، ومن بينها حلم الحب، والشراكة، والزواج».
وتوضح أكثر: هذه الأحلام التي قد تمر عابرة في حديثنا اليومي، لكنها تأخذ لدى شاب التوحد شكلاً آخر أكثر عمقاً، وأكثر صمتاً، وعلى مدى خمسة عشر عاماً من المرافقة، والدعم، والتدريب، كنت شاهدة على ولادة تلك الأحلام في قلوبهم، وعلى نموها البطيء، لكن الصادق، وعلى نظراتهم التي بدأت تتفتح على العالم، وعلى خطواتهم الأولى نحو الآخرين، حيث رأيتهم يكبرون أمامي ويتحررون، شيئاً فشيئاً، من عزلتهم، ويتعلمون كيف يعبّرون وإن بصعوبة، ويتعلمون كيف يحبون وإن بصمت».
ومن خلال تماسّها مع الأمهات، رافقت صلوحي تلك الأسئلة القلقة منهنّ: «مع مرور الوقت، بدأ يتكرر ذلك السؤال الخجول، إما من أحدهم، وإما من أمّهاتهم القلقات: هل يمكن لابني أن يتزوج، وهل يحق له أن يحب، وهل يستطيع أن يكون شريكاً حقيقياً في حياة تقوم على العاطفة، والمسؤولية، والتشارك؟».
وتروي شعورها: «في تلك اللحظات، كنت أشعر بثقل السؤال، ليس لأن الجواب صعب، بل لأنّ الطريق إليه طويل، ومملوء بالتحديات والأسئلة الأخرى التي علينا مواجهتها أولاً».
وتشرح المدربة والإصلاحية: «حين يحلم شاب التوحد بالحب، لا يعني ذلك أنّه جاهز له، بل هو حلم يولد في عمق داخلي مملوء بالتناقضات، حيث توجد رغبة في القرب من الآخر، يقابلها، في كثير من الأحيان، خوف من التواصل، أو صعوبة في الفهم ، وقد يغمض عينيه في هدوء ويتخيل يداً تمسك يده، وقلباً يصغي إليه، وحضناً يمنحه الأمان، لكنّه لا يملك دائماً الأدوات للتعبير عن هذا الشوق. فالمشاعر عنده ليست غائبة، بل مختلفة في الطريقة التي تظهر بها».
ولذلك، فإنّ الحديث عن زواج شاب من ذوي الطيف لا يبدأ من الزواج نفسه، كما تلفت، مشيرة إلى توجّهات لا بدّ أن ترافق هذا التوجه، بل حين نهتم بهذه المراحل، وحين نرافقه من دون استعجال، يمكن ان نزرع في قلبه إمكانية الحب والشراكة، بطريقة واقعية.
وتفصّل سميرة صلوحي تلك المراحل:
- الزواج يبدأ من الطفولة ومن الرؤية التي نضعها له.
- يرتبط بالجهد المبذول في تطوير شخصيته وفي تحفيز ما في داخله من قدرات دفينة.
- تعليم المتوحد كيف يعيش مستقلاً وكيف يتخذ القرار، وكيف يتواصل مع الآخر.
بعض أصحاب الدرجة المنخفضة من التوحد استطاع بناء علاقات عاطفية، لكن صاحب التوحد العميق يتسم بتفكير طفولي يعيقه عن الزواج ومسؤولياته
من هنا، يصبح حلم الزواج أكثر ثقلاً على الأسر إذ تواجه جملة تحديات، أبرزها:
- التحديات السلوكية والنفسية لأبنائها.
- الأحكام الاجتماعية ونقص الوعي.
- غياب البرامج التي تعدّهم للحياة الفعلية.
وعلى الرغم من هذه الصعوبات تبقى هناك قصص تنير الطريق، بحسب مدربة المهارات، وهي «قصص شباب من ذوي الطيف ممّن أظهروا صفات قد لا نجدها بسهولة في الآخرين، مثل الصدق، والالتزام العاطفي، والبراءة في التعبير، وإخلاص لا يساوم عليه. وهؤلاء حين يحبون يحبون بكل كيانهم، بلا مواربة ولا تلاعب، ولكن بشرط أن يجدوا من يفهمهم، ومن يصبر على صمتهم، ومن يصغي إلى نغمة مختلفة في قلوبهم».
فهل يمكن للزواج أن يكون فرصة لتعزيز استقلال وسعادة هذه الفئة؟
تجيب سميرة صلوحي: «نعم، أؤمن بذلك، ولكن فقط حين يكون الزواج امتداداً طبيعياً لمسار تأهيلي يرافقه وعي ومهارات واستعداد واقعي، بحيث انصح كل أسرة تراودها المخاوف ألا تغلق الباب تماماً، بل تفتحه بحذر، وتستثمر في بناء شخصية ابنها».
وتوجز: «هؤلاء الشباب حين نمنحهم الفرصة يزهرون بطريقتهم الخاصة، وفي وقتهم، وإن لم يكن الحب زواجاً فهو حضن أم، ونظرة أب، وابتسامة أخ، ومجتمع لا يقصي بل يحتضن».
هل يمنع القانون الإماراتي زواج المصابين بالتوحد؟
لا يُمنع شاب من ذوي التوحد من الحب، لأن طريقته في التعبير «مختلفة» فقط، فكما أن الطيف واسع في أشكاله، فإن الحب واسع في لغاته. وبين دعم الأهل، وتفهّم المجتمع، ونضج القانون، يمكن لذلك الحلم أن يتحول إلى واقع، لا كـ«حالة خاصة»، بل كحق إنساني كامل.
ويطلّ السؤال: هل يحّق لذوي التوحد قانونياً الزواج؟ وما الوضع القانوني لزواج ذوي اضطراب طيف التوحد في دولة الإمارات؟
يؤكد المحامي محمد حامد قايد العزعزي، أنه «لا موانع صريحة في القانون الإماراتي تجاه زواج المصابين بالتوحد، ونظم القانون الاتحادي رقم 28 لسنة 2005 وتعديلاته بشأن الأحوال الشخصية شروط انعقاد الزواج، حيث إن الأهلية القانونية لعقد الزواج تستند إلى شرطين أساسيين، هما: العقل والبلوغ. ونصت المادة 30 منه على «أن تكتمل أهلية الزواج بالعقل والبلوغ، فإذا بلغ الزوج، أو الزوجة، سن البلوغ قانوناً، ولم يكن فيه لوث في عقله يمنعه الإدراك، انعقد الزواج صحيحاً، ومن المعروف أن التوحد هو مرض لا يصيب الشخص بالجنون، ومن ثم فزواجه صحيح».
وبناء عليه، يؤكد العزعزي أن «وجود اضطراب طيف التوحد لا يُعد مانعاً قانونياً من الزواج، طالما أن الشخص يتمتع بالقدرة على الإدراك والتفكير السليم، ولا يعاني «لوثة عقلية» تفقده أهلية التمييز. فالتوحد لا يُصنّف قانونيا كـ «جنون»، أو «فقدان أهلية»، بل هو طيف من الاضطرابات العصبية التطورية، تختلف شدتها من شخص لآخر».
متى يكون زواج الشخص من ذوي التوحد صحيحاً؟
إذا ثبت أن الشخص:
- عاقل ومدرك للالتزامات القانونية والاجتماعية للزواج.
- بلغ سن الرشد وفق ما ينص عليه القانون (18 عاماً فأكثر).
- غير مصاب بعلّة مستحكمة تمنعه من أداء واجباته الزوجية.
في ظل توافر هذه العوامل، فإن زواج المتوحد يكون صحيحا، ومكتمل الأهلية.
هل يمكن التفريق بين الزوجين بسبب التوحد؟
أما بشأن التفرقة ما بين الطرفين للمرض، فيلفت المحامي العزعزي إلى أنّ المادة (112) من القانون نفسه تنصّ على جواز التفريق بين الزوجين في حال وجود:
«علل مستحكمة لا يرجى برؤها، وتُنفّر الطرف الآخر، أو تمنع الاستمتاع، كالأمراض المعدية، أو العجز الجنسي، أو الجنون».
ويعيد التوضيح أن التوحد لا يمنع الزواج، وليس من أسباب التفريق لكون «اضطراب التوحد لا يندرج ضمن هذه العلل تلقائياً، إلا إذا ترافق مع إعاقة عقلية شديدة تفقد الشخص القدرة على تحمل مسؤوليات الزواج كلياً».
ويخلص العزعزي: «وجود طيف توحدي بدرجات خفيفة أو متوسطة، لا يشكل مانعاً للزواج، ولا سبباً للتفريق طالما لم يؤدِّ إلى ضرر جسيم، أو انعدام كامل في التواصل أو التعايش».
