كشفت دراسة جديدة أعدّها المجلس القومي للمرأة، في مصر، عن أن فشل الحوار بين الزوجين أحد أبرز أسباب ارتفاع معدلات الطلاق، خلال السنوات الأخيرة، حيث تغلق كل منافذ التواصل بين الزوجين، سواء بالكلام أو التفاعل، وتختفي لغة الحوار، ويسود الصمت الزواج، ويحدث هذا بشكل كبير في حالات الطلاق بين الأزواج صغار السّن، مشيرة إلى أن عدم القدرة على إدارة الحوار بين الطرفين يجعل حدوث الطلاق بشكل سريع.
خبراء العلاقات الزوجية والأسرية يؤكدون نتائج هذه الدراسة، ويرون أن فشل الحوار بين الزوجين يعتبر من أهم الأسباب التي تزيد الخلافات الزوجية، وتحولها إلى مشكلات مزمنة مستعصية على الحل. فعندما يغيب الحوار في العلاقات الزوجية، ويتعمد كل طرف على ألا يشارك الطرف الآخر مشاعره وأفكاره، وما يدور في عقله سيزيد الجفاء بين الشريكين لتتسع مسافات البعد بمرور الوقت، والأسوأ هو أن يتوقف الزوجان عن الحوارات الإيجابية، ولا يتبقى بينهما سوى الحوار السلبي الذي يقتل المشاعر والأفكار الإيجابية، وينبئ عن فشل الزواج في المستقبل، وقرب حدوث الانفصال.
سألت كل «الأسرة» عدداً من خبراء العلاقات الزوجية والأسرية والعلاج الزواجي بالقاهرة، حول أهم أسباب فشل الحوارات الزوجية، وأبرز الأخطاء التي يقع فيها الزوجان، وتتسبب بفجوة ما قبل الانفصال، وهل يمكن استمرار الحياة الزوجية بين طرفين وهما يقيمان تحت سقف واحد، ولا يدور بينهما حوار نهائياً؟
لماذا تفشل الحوارات بين الزوجين؟
في البداية، يؤكد الدكتور أحمد فوزي صبرة، استشاري الطب النفسي والعلاج الزواجي وتعديل السلوك، أنه لا تبنى علاقة زوجية ناجحة من دون التفاهم بين الزوجين، لذا، يجب على الزوجين التحدث فيما بينهما في كل الأمور الزوجية التي تخصهما، مع الحرص على وجود نقاش فعال يؤدي في النهاية إلى قرارات صحيحة، وحلول ترضي الطرفين.
ويقول: «يجب أن يفهم الزوجان، منذ بداية العلاقة، أن لكل منهما السيكولوجية الخاصة به، ولكل منهما اهتماماته، ومتطلباته، واحتياجاته، وأيضاً له نمط تفكيره الخاص، وعلى كل طرف أن يسعى جاهداً لأن يتعرف إلى شريك حياته جيداً، حتى يتجنب استفزاز الطرف الآخر، وإثارة توتر، تجنباً لحدوث المشكلات، وسعياً لاستمرار حياة زوجية سعيدة، وناجحة، ومستقرة».
ويضيف: «دائماً ما أنبّه الزوجين إلى ضرورة أن يرفعا شكواهما لبعضهما بعضاً، أولاً بأول، بكلمات واضحة، وصوت مسموع، ونبرة ودودة، ومن الهام فتح حوار بين الطرفين حول احتياجات كل طرف من الآخر بلا حياء، والعناد هو أكثر الطرق فاعلية لإشاعة النكد في المنزل، واستمرار الزوجين في العناد معناه عدم النضج، وأخيراً، فإن العلاقة الزوجية الصحية لا تقبل بدور الضحية».
لكن هذا لا يمنع أن الكثير من الأزواج والزوجات يعيشون معاً تحت سقف واحد، لكنهما غرباء، يتجاورون في الصورة لاستكمال مشوار مشوّه اسمه الأسرة السعيدة.
وحول أبرز الأسباب التي تؤدي إلى فشل الحوار بين الزوجين، والأخطاء التي من الممكن أن يرتكبها الشريكان أثناء الحوارات الزوجية وتؤدي إلى مزيد من الخلافات، يرى الدكتور أحمد فوزي صبرة أنها تتلخص في هذه النقاط:
1. إدمان بعض الأزواج والزوجات الهواتف الذكية التي أصبحت مرضاً مزمناً ومدمراً، فكل منهما يجلس بجوار الآخر منكبّاً على شاشته، ويلعب الألعاب الإلكترونية، أو يتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، أو يشاهد مقاطع الفيديو، أو يتحدث مع أصدقائه، أو يبحث عن مشتريات يريد أن يقتنيها، أو غيرها.
2. فشل الحوارات ليست مشكلة خاصة بالزوجين فقط، فنحن في حياتنا العامة، وخارج بيوتنا، نفتقد الحوار أحياناً، ويحاول كل صاحب رأي أو فكر، فرض رأيه على الآخرين، لأننا لا نتربّى على الحوار منذ الصغر، والزوجان يجب أن يكونا قدوة للأبناء في الحوار واحترام رأي المخالفين.
3. النقد اللاذع، والتهكّم، واللوم، والسخرية أثناء الحوار، تجعل الشريك يتراجع عن الاستمرار في الحوار، ويتعوّد على الصمت والكتمان، ويفضل ذلك على أيّ نقاش زواجي.
4. فشل الزوجين في إدارة الحوار قد يحدث بسبب وجود جراح، وخوف ناتج عن تجارب سابقة في الحوار مع الطرف الآخر، كانت قد انتهت بشكل سيئ، وتركت خلفها ألماً بسبب الاستخفاف برأي الشريك، أو رفض الحوار، أو عدم الإصغاء إليه.
5. الرجل، بطبيعته، لا يجيد التعبير عمّا بداخله عن طريق الكلام، فهو يفعل أكثر مما يتكلم، ولا يعير اهتماماً كبيراً للكلام، على عكس المرأة التي لديها قدرات أعلى من الرجل من حيث امتلاك مهارات لغوية، والتعبير عما بداخلها بوضوح.
6. استخدام أحد الزوجين أسلوب التهديد ينسف الحوار، ويجعله يسير في غير اتجاهه الصحيح، حيث يبدأ الطرف الآخر بالدفاع عن نفسه أمام التهديد، ويؤدي الوصول الانفعالي لكلا الطرفين إلى نقطة النهاية، واللا عودة.
7. الحديث في وجود أطراف آخرين يجعل الفشل أمراً متوقعاً وتكون النتائج سيئة في الأغلب، بخاصة إذا كان هؤلاء الأطراف هم الأهل أو الأبناء، وهذا الخطأ يندرج تحت خطأ آخر نقع فيه كثيراً، وهو عدم اختيار التوقيت المناسب للحوار ومناقشة القضايا الخلافية التي تحمل الكثير من الشدّ والجذب.
خطوات إصلاح ما أفسدته الحوارات السلبية بين الزوجين
وتتفق معه الدكتورة شيرين درديري، استشارية العلاقات الزوجية والنفسية والخبيرة في تعديل السلوك بالقاهرة، في أن الحوار بين الزوجين يطيل عمر العلاقة الزوجية، ويجعلها أكثر متانة وقوة، وتؤكد أن تبادل أطراف الحديث بين الزوجين يدعم العلاقة العاطفية بقدر ما يقوي العلاقة الإنسانية، ويأتي بعد ذلك الإخلاص والتفاهم.
وترى الاستشارية النفسية د. شيرين درديري أن هناك طرقاً لإفساد الحوار بين الزوجين، منها الإنكار ورفض الحوار في الأصل، والاتهامات المتبادلة، والخروج عن الموضوع، والتنازل عن الأشياء الصغيرة غير المؤثرة، والانفعال من أحد الطرفين، وتصيّد الأخطاء من الطرف الآخر، والمراوغة والهروب من الحوار، وعدم الاقتناع بالحل الوسط.
لكن في الوقت نفسه تبين الدكتورة شيرين درديري أن هناك بعض السبل والخطوات التي قد تفيد في أن يصبح الحوار بين الزوجين مثمراً ومفيداً، ومنها:
- أن يتفق الطرفان في محور الحديث على المشكلة التي يرغبان في حلها حتى لا تختلط الأمور، ويسترجعان مشاكل قديمة لا فائدة من إعادة التطرق إليها.
- من الهام أيضاً أن يتفقا على الأدوار، فلكل شخص وقت يتحدث فيه من دون مقاطعة الشريك.
- عندما يتحدث أحدهما يجب أن يستمع إليه الآخر، ولا يحاول الرد، فدوره سيحين بعدها.
- من الأفضل التحدث بصيغة الـ«أنا» وألّا تشمل شريكك في حديثك. تناول متاعبك ومشاكلك، واترك لشريكك التحدث عن نفسه عندما يحين دوره في الحوار، فالتحدث عنه قد يزعجه.
- استخلاص النتائج والعِبر معاً، ووضع خطوات لتجنب تكرار الأخطاء والمشكلات التي شكلت محور الحديث.
- خفض الصوت، فالالتزام بخفض الصوت قدر الإمكان أثناء الحوار له تأثير قوي في تحسين نمط الحوار والتواصل بين الزوجين.
كيف ينجح الزوجان في إدارة حوارات زوجية مثمرة ومفيدة؟
من جانبها ، تشير الخبيرة في العلاج الزواجي والمدربة المعتمدة في العلاقات الزوجية الدكتورة عطيات الصادق، إلى أهمية أن يتجنب الزوجان الحديث في كل المشكلات مجتمعة، بل يحاولان حل المشكلة الأخيرة فقط، والالتزام بالحوار الدوري حتى لا تحدث تراكمات، والاهتمام بسماع نصائح الموثوق بهم.
وتقدم الاستشارية الأسرية د. عطيات الصادق عدة نصائح للزوجين لاستعادة الحوار الناجح والمحصور داخل الأسرة، ومن أهمها:
- على الزوجة ألا تضغط على زوجها ليتكلم حين تجده غير مستعد للحديث، وألا تسيء تفسير موقفه هذا. وعندما يبدأن في الحوار فعليهما بالصراحة التامة فهي شرط أساسي في العلاقة بين الزوجين، وفي كل حياتهما، وفي الحوار بينهما بشكل خاص، كما يجب على كل منهما احترام رغبات وخصوصيات الطرف الآخر.
- يجب أن يتعلم كلا الزوجان الإصغاء، فالمتحدث المقنع هو المصغي الجيد، وكذلك الهدوء وخفض الصوت ضروريان. وفي كل الأحوال، يجب استخدام طريقة النقاش والحوار والإقناع، لا طريقة إلقاء الأوامر.
- ترك الهاتف، أو أيّ أمور أخرى تلهيك وقت الحوار جانباً، والاهتمام بموضوع الحوار، بحيث تجعل الطرف الآخر يشعر باهتمامك بمشاركة أفكاره، ويؤدي الاستماع باهتمام كذلك إلى منع المقاطعة والعادات الأخرى التي يمكن أن تتداخل مع النمط الطبيعي للحوار.
- الاحترام هو أساس أيّ حوار مهما كان، ويلزم أن نعترف بأن الاختلاف في الرأي لا يفسد الحوار، ولا يقلل من شأن الزوج أو الزوجة. لا تحاولي أن تقاطعي زوجك وهو يتكلم، وأيضاً بالنسبة للزوج الحالة نفسها.
- ونأتي لنقطة هامّة جداً، يجب التمسك بها في أي حوار، وهي الصدق في الكلام، والتحدث بوضوح من دون أيّ غموض يجعل أيّ حوار بين الزوجين ناجحاً بلا شك.
- احرصي على ألّا تتحدثي مع زوجك في الأمور الهامّة أو الحميمية، وأنت تشاهدين التلفاز أو تمسكين الهاتف، ففعل هذه الأشياء يجعل الزوج يشعر بأنك غير مهتمة بالحديث معه.
- اختيار الكلام المناسب، والبعد عن أي كلام جارح بين الزوجين. يلزم على كل زوجة وزوج تحمل كل منهما الآخر في كل الحالات، لأن التسامح والكلام الطيب هو أساس أي حوار ناجح.
- ترك مساحة لتكملة الكلام ليقول كل ما في قلبه، وحتى يفهم كل منهما الآخر وتتضح الأمور بشكل جيد، فكم من المشكلات والخلافات تحصل بسبب عدم تكملة الكلام والمقاطعة الشخص الآخر.
- ومهما كان اختلاف الرأي والطباع يجب في النهاية ألا نفشل في الوصول أيّ حل وسط. يجب التضحية من الطرفين لتكملة الطريق باحترام، ومودة، ورحمة.
