05 يناير 2026

ارتفاع ضغط الشريان الرئوي «قنبلة صامتة» تهدّد 20% من المرضى في العام الأول

محررة في مجلة كل الأسرة

مجلة كل الأسرة

يُعدّ ارتفاع ضغط الشريان الرئوي حالة ناتجة عن ارتفاع غير طبيعي في الضغط داخل الشريان الذي ينقل الدم من القلب إلى الرئتين، ما يؤدي إلى إرهاق عضلة القلب، وفشلها مع الوقت، وهو حالة منفصلة عن ارتفاع ضغط الدم العادي، وتتطلّب مقاربة تشخيصية وعلاجية مختلفة.

ومن الهام أن يُنظر إلى أيّ ضيق تنفس تدريجي، أو إجهاد بسيط من دون سبب واضح، على أنه قد يكون دافعاً للفحص، لكون الكشف المبكّر يُمكن أن ينقذ حياة.

مجلة كل الأسرة

وفي هذا الصدد، يؤكد الدكتور هاني صبور، استشاري قصور القلب المتقدم وارتفاع ضغط الدم الرئوي، في ميدكلينيك أبوظبي، أن هذا المرض يمثل «قنبلة صامتة» تهدد حياة المريض إذا لم يكتشف مبكراً، مشدداً على أهمية الوعي بالأعراض وإجراء الفحوص المتخصصة لتشخيصه بدقة، حيث «إن الاسم رئوي ولكن الحقيقة مشكلة قلبية خطرة جداً».

ما هو ارتفاع ضغط الشريان الرئوي؟

يشرح الدكتور صبور، وهو نائب رئيس مجموعة عمل الإمارات لارتفاع ضغط الدم الرئوي، أن هذا المرض يشير إلى ارتفاع في الضغط داخل الشريان الذي يربط القلب بالرئة، وليس في الشريان الرئيسي للجسم، كما في ارتفاع ضغط الدم المعتاد.

 ويوضح: «القلب يتكوّن من أربع حجرات، حيث تستقبل إحدى الحجرات الدم غير المؤكسج من الأوردة، ليتم ضخه إلى الرئة عبر الشريان الرئوي، حيث يلتقط الأوكسجين قبل أن يعود إلى البطين الأيسر ليتم توزيعه على أنحاء الجسم، ويتميز البطين الأيمن، المسؤول عن ضخ الدم إلى الرئة، بضغط منخفض مقارنة بالبطين الأيسر، لأن الرئة مملوءة بالهواء، ما يعني أنها لا تحتاج إلى ضغط عالٍ لضخ الدم إليها».

لكن المشكلة تحدث، كما يوضح، عندما تضيق الشعيرات الدموية الصغيرة في الرئة، والتي تُعدّ بالملايين، ما يؤدي إلى تراكم الضغط على البطين الأيمن، ويؤدي إلى زيادة الضغط في الشريان الرئوي، حيث «إن الضغط الطبيعي في الشريان الرئوي لا يزيد على 20 ملم زئبق، وهو يختلف تماماً عن ضغط الدم العادي الذي يُقاس من الذراع، ويكون عادة بين 120 و140 ملم زئبق».

لماذا يُعدّ هذا المرض خطراً؟

يلفت د.صبور إلى أنّ  هذا المرض «قنبلة موقوتة» لأنه صامتٌ في بدايته، ويبدو المريض ظاهريا طبيعيّاً، ما يُعيق التشخيص المبكر، لدرجة «أن بعض المرضى – حتى الرياضيين أو الشبان – قد يكونون عرضة للخطر، وأن نسبة الوفاة في السنة الأولى من التشخيص قد تتجاوز 20٪».

ويشير إلى أن خطورته تفوق بعض أنواع السرطان، نظراً لغموض أعراضه، وصعوبة تشخيصه المبكر: «التشخيص الدقيق لا يتم إلا من خلال فحص الإيكو، وهو فحص بالموجات فوق الصوتية على القلب، ما يعني أن الطبيب، سواء كان طبيباً عاماً، أو طبيب باطنية، أو طبيب قلب، أو حتى طبيب أمراض صدرية، يجب أن يطلب هذا الفحص عند الاشتباه في المرض، ولا يكتفي بالتصوير العادي».

مجلة كل الأسرة

ما هي أعراض ارتفاع ضغط الشريان الرئوي؟

يوضح د. صبور أن الأعراض متنوعة لكنها تتفاقم مع مرور الوقت، وتشمل:

  • ضيق التنفس المستمر، والذي يزداد سوءاً تدريجياً مع الوقت.
  • الشعور بالإجهاد عند بذل أيّ مجهود بسيط، مثل صعود السلم، أو حتى المشي العادي.
  • صعوبة في القيام بالأنشطة اليومية المعتادة، حتى أداء الصلاة، حيث يعاني بعض المرضى «كرشة نفس» أثناء الركوع والسجود.
  • دوخة متكررة مصحوبة بخفقان شديد في القلب، حيث يشعر الشخص بأن ضربات قلبه تتسارع بشكل مفاجئ، وقد يصل الأمر إلى الإغماء.

ويوجز: «هذه الأعراض تحدث ليس بسبب مشكلة في الرئة فقط، وإنما بسبب الضغط المتزايد في الشرايين الرئوية الصغيرة، ما يؤدي إلى إرهاق القلب، وعدم قدرته على إيصال الأوكسجين بكفاءة إلى الجسم».

بيد أن أحد أخطر مضاعفات ارتفاع ضغط الدم الرئوي هو تأثيره في الدورة الدموية، ما يؤدي إلى هبوط حاد، كما يلفت د.صبور «السبب في ذلك يعود إلى أن القلب في الوضع الطبيعي يزيد من ضخ الأوكسجين عند المشي، لكن في حالة ارتفاع ضغط الشريان الرئوي، ينخفض مستوى الأوكسجين بدلاً من زيادته، ما يؤدي إلى الشعور بالهبوط والتعب السريع».

هل يحدث ذلك مع المشي السريع فقط؟

يكشف د.صبور أن هذا الشعور لا يقتصر على المشي السريع، بل قد يحدث حتى مع المشي البطيء جداً: «بعض المرضى لا يستطيعون حتى صعود السلم داخل منازلهم بسبب الشعور بالتعب الشديد. وواجهت إحدى الحالات التي تم تشخيصها  بالمرض بعد الولادة، وأوضحت أنها بدأت تشعر بهذه الأعراض بعد ولادتها مباشرة، ما دفعها إلى طلب الفحص الطبي».

مجلة كل الأسرة

أسباب ارتفاع ضغط الشريان الرئوي 

وحول الأسباب، يؤكد الدكتور هاني صبور أن هناك 11 سبباً معروفاً علمياً، لارتفاع ضغط الشريان الرئوي، يمكن تصنيفها ضمن أربع فئات رئيسية، موضحاً أن الأمراض المناعية تُعدّ من أهم مسببات المرض، حيث أن 25% إلى 30% من المرضى المصابين بأمراض مناعية معرضون للإصابة بارتفاع ضغط الشريان الرئوي.

ومن بين هذه الأمراض:

  • الروماتيزم
  • الذئبة الحمراء (Lupus)
  • التصلّب الجلدي (Scleroderma)

ويوضح: «أطباء الروماتيزم يركزون عادة على علاج الأعراض المناعية الظاهرة، مثل التهابات المفاصل، أو تغيرات الجلد، لكنهم قد لا ينتبهون إلى خطر إصابة المريض بارتفاع ضغط الشريان الرئوي، ما يُعد أمراً بالغ الأهمية».

ويشير د.صبور إلى أن 30% من المرضى المصابين بأمراض مناعية قد يصابون بمرض قاتل يُعرف باسم «Pulmonary Hypertension»، (أي فرط دم الضغط الرئوي)، حيث تقوم نفس الأجسام المضادة التي تهاجم أعضاء أخرى في الجسم بمهاجمة الشرايين الرئوية، ما يؤدي إلى تضيّقها وارتفاع الضغط داخلها، مشدداً على أهمية الانتباه إلى هذه المضاعفات، وضرورة الفحص الدوري للمرضى الذين يعانون أمراضاً مناعية مزمنة، لأن التشخيص المبكر قد يكون الفرق بين الحياة والموت.

ويقول: «نمط الحياة، والضغوطات اليومية، ليست السبب المباشر، بل هناك عوامل مرضية واضحة تؤدي إلى الإصابة بهذه الحالة، مشيراً إلى أنه بعد جائحة «كوفيد-19»، سُجّلت زيادة كبيرة في عدد الحالات. ويرجع ذلك إلى أن كوفيد يؤثر سلباً في كفاءة عضلة القلب، وفي الشرايين الرئوية، ما يرفع احتمالية الإصابة بارتفاع ضغط الشريان الرئوي».

مجلة كل الأسرة

كيف يمكن تشخيص المرض؟

يجيب د.صبور: «لا ينبغي الاكتفاء بالتصوير العادي، أو الفحص البسيط، بل يجب إجراء الإيكو، وربّما فحوصات متقدّمة ضمن مراكز متخصصة. فأنا أشجع على إنشاء مراكز مختصة وسجلات للمرضى لتحسين التشخيص والمتابعة».

ويقدم د. صبور بعض التوصيات:

  • الانتباه إلى الأعراض التي قد تُحال إلى «تعب رئوي»، أو «ضيق تنفس» بسيط، ولا تشكّل عادة تنبيهاً جاداً، لكن في هذا المرض يمكن أن تكون بداية لمسار خطر.
  • ضرورة تفكير الأطباء في هذا التشخيص عند وجود ضيق تنفس غير مفسَّر، أو ضعف مجهود، وطلب إيكو للقلب إذا لزم الأمر.
  • أهمية أن يتنبه أطباء المناعة أو الروماتيزم لإخضاع  المرضى الذين يعانون أمراضاً مناعية مزمنة لفحص دوري لارتفاع ضغط الشريان الرئوي.