في كل ليلة، يغزو نوع من القرادات فراشنا، يسرح ويمرح بالمئات، يقتات الجلد الميت الذي يخلفه احتكاك أجسامنا بالفراش، ويتكاثر في جو السرير الدافئ ، فما السبيل إلى اكتشاف هذه الكائنات المجهرية التي تسمى عث الغبار؟ وكيف يمكن أن نمنع وجودها وتكاثرها في بيئة أسرّتنا؟ وما الحلول التي يمكن أن تبقي على أسرّتنا صحية وخالية من هذه المخلوقات؟
أنت تنام والقرادات تستيقظ
قد تنام نوماً عميقاً في كل ليلة وأنت لا تعلم أن فراشك يعجّ بنشاط كائنات تشكل لنفسها نظاما بيئياً صغيراً، لا يُرى بالعين المجردة. كائنات تستيقظ بمجرّد أن تضع رأسك على الوسادة، وتلتحف الغطاء بحثاً عن الدفء والراحة... أما ما يبحث عنه عث الغبار، فهو طعام سائغ يجده في فراشك بكل سهولة، ألا وهو فتات بشرتك الميتة.
سريرك، موطن مثالي لعث الغبار
يتخلص كل إنسان ما بين جرام إلى جرام ونصف الجرام من خلايا الجلد الميتة يومياً، ينتهي معظمها في الغبار أو يتناثر في الهواء، لكن جزءاً كبيراً منها يتراكم في المنسوجات التي نقضي معظم أوقاتنا فيها: الفراش، الوسادة، واللحاف.
في عام 2023 نشرت مجلة «Allergo Journal International» مقالاً علمياً يوضح كيف يشكل الفراش مستودعاً رئيساً لعث الغبار في منازلنا، ذلك أن تلك الحشرات الصغيرة تبحث عن الدفء والرطوبة، وهما متوفران دائماً في الأسرّة التي تشكل مصدراً مستمراً لبقايا الجلد، طعامِ القرادات المفضل.
نظام بيئي حي!
تخيّل أن نظاماً بيئياً حياً موجوداً تحت رأسك مباشرة، وأنت لا تشعر. نعم، فعث الغبار لا يلدغ، ولا يعض، ولا يهاجم بشرتك الحية، فوليمته تقتصر على خلايا الجلد الميتة، تلك الجزيئات الدقيقة التي نتركها في الفراش لتشكّل فُتاتاً غير مرئي. وبين أحضان الخلايا الميتة تتكاثر القرادات الصغيرة، تأكل، تهضم، تموت مخلفة فضلات، وبقايا، وهياكل خارجية تتراكم في مفارش السرير التي نرتاح عليها، كل ليلة!
وإذا كنت تعاني الحساسية، فقد يؤدي هذا الاستيطان في فراشك إلى التهاب في الأنف، أو عطاس متكرر، أو سعال ليلي، أو نوبات من الربو...أما إذا لم تكن تشكو الحساسية، فيكفي أن يكون وجهك محاطاً ما بين 7 و8 ساعات كل ليلة بهواء ملوث، أو ذي جودة غير مثالية!
استراتيجيات للحد من انتشار القرادات
قد يبدو الوضع مزعجاً بالفعل، لكن العلم يحمل في كثير من الأحيان أخباراً سارة؛ فقد بحث تحليل تلوي نُشر عام 2024 في استراتيجيات تجنب عث الغبار التي يتبعها مرضى الربو. لأجل ذلك، جمع الباحثون بيانات من 35 تجربة سريرية، شملت 2419 مريضاً، لمعرفة ما ينتج من فوائد عند محاولة تعديل البيئة، خصوصاً غرفة النوم. وقد تبين أن مرضى الربو يقومون بأساليب «التحكم الكامل في غرفة النوم»، أي أنهم يجمعون بين عدة إجراءات فعّالة، أهمها:
- غسل الشراشف وأغطية الوسائد بانتظام، ويفضل أن يكون ذلك أسبوعياً.
- استخدام أغطية للمراتب والوسائد مضادة لعث الغبار.
- الحفاظ على مستوى رطوبة في الغرفة أقل من 50%.
- تهوية غرفة النوم يومياً.
- تنظيف المرتبة بالمكنسة الكهربائية عدة مرات سنوياً.
وقد تبين أن هذه التدابير يمكن أن تحقق فوائد سريرية لبعض المرضى، منها تراجع أعراض المرض، وتحكم أفضل في نوبات الربو.
وإذا كان من المستحيل القضاء تماماً على هذه الكائنات الصغيرة، لكن خطوات بسيطة قد تكفي للحد من انتشارها، وخلق بيئة صحية في الأسرّة. وهذا لا يعني بالطبع أن يتحول فراشك إلى منطقة معقمة، لكنه يعني ببساطة استعادة بعض السيطرة على هذا النظام البيئي النشط، من أجل الاستمتاع بنوم هنيء فعلاً!