18 ديسمبر 2025

عرض صامت لمرض الباركنسون يظهر قبل سنوات من الأعراض الأخرى

محررة ومترجمة متعاونة

مجلة كل الأسرة

في مشهد ساحر قرب نهاية فيلم «راتاتوي» عام 2007، يعود ناقد الطعام الشهير، أنطون إيغو، بالزمن إلى الوراء، فتنتعش ذكريات طفولته بملعقة من الطبق الذي يحمل اسم الفيلم نفسه. لم تكن هناك حاجة للصور- طعم ورائحة الطعام فقط.

حاسة الشم هي أهدأ حواسنا، لكنها أيضاً من أقواها. بل إنها قد تفتح الباب على مصراعيه لذكريات ظننا أنها منسية منذ زمن طويل.

كما أنها أكثر الحواس شخصية وذاتية، وهذا ما يجعل من الصعب على الناس الاتفاق على الرائحة الطيبة. ومع ذلك، يبدو أن هناك إجماعاً على أسوأ رائحة في العالم.

في عام 1889، وفي مختبر ألماني، أدى تفاعل كيميائي، تضمن مركّباً يُسمى ثيوأسيتون، إلى رائحة كريهة للغاية، لدرجة أنها تسببت بتقيؤ الناس وإغمائهم على بعد نصف كيلومتر، ما أدى إلى إخلاء جزئي لمدينة فرايبورغ. وما زلنا لا نعرف بالضبط ما هو رد الفعل الذي تسبب بهذه الرائحة الكريهة، ويبدو أن لا أحد كان في عجلة من أمره لمعرفة ذلك.

ولكن ماذا يحدث عندما تبدأ حاسة الشم لدينا بالضعف؟ وماذا لو كان فقدان حاسة الشم أكثر من مجرد عرض عابر؟

مجلة كل الأسرة

الشم... يختصر مشاعرنا

الشم ميزة تطورية: فهو يحذرنا، وينبهنا من مخاطر خفية. كما يمكن للرائحة أن تؤثر في قراراتنا، والعلامات التجارية الكبرى تدرك ذلك جيداً، حيث تعطّر متاجرها بعطور تلامس مشاعرنا، وتدعونا إلى البقاء.

للروائح القدرة على إيقاظ الذكريات والمشاعر الجياشة، والبصلة الشمية مسؤولة عن ذلك. هذه المنطقة الصغيرة من الدماغ الأمامي، الواقعة بالقرب من الأنف، تستقبل إشارات الشم، وترسلها مباشرة إلى مناطق الدماغ المسؤولة عن إدارة ذاكرتنا، ومشاعرنا.

وعلى الرغم من أهميتها، تبقى حاسة الشم الأقل فهماً بين الحواس، وغالباً ما يستهان بها. وعندما تتلاشى، عادة ما تمرّ من دون أن نلاحظها، لكننا قد لا ندرك أهميتها إلا بعد فقدانها.

هذا ما حدث لميشيل كريبا، «المتذوق الخارق» الإيطالي الشهير الذي فقد حاسة الشم خلال الجائحة. ورغم استعادته لها بعد أسابيع، إلا أن كابوسه الشخصي كان قد بدأ للتو، فعندما عادت حاسة الشمّ إليه، كانت مشوّهة. كانت رائحة البرتقال كرائحة البلاستيك المحروق، ورائحة الخوخ كرائحة الريحان، والفانيليا تشعره بالغثيان. ويرجع ذلك، على الأرجح، إلى تلف الخلايا العصبية في بصيلة الشم لديه.

وفي حين أن أيّ فقدان لحاسة الشم أمر مزعج، إلا أنه قد يكون له دلالة أكبر: إشارة تحذير من أعماق أدمغتنا.

مجلة كل الأسرة

نزلة برد عادية، أم باركنسون؟

يفقد معظمنا حاسة الشم في مرحلة ما، عادة بسبب نوبة بسيطة، من البرد أو الإنفلونزا. ومع ذلك، يمكن أن يكون هذا العرض أيضاً عرضاً مبكراً لأمراض عصبية تنكسية، مثل الزهايمر، أو باركنسون. هذا معروف منذ فترة، ولكن المثير للدهشة هو أن فقدان حاسة الشم يحدث قبل سنوات من ظهور أعراض هذه الأمراض.

إذن، هل يمكن استخدام فقدان حاسة الشم للتنبؤ بمرض باركنسون؟ الإجابة، وإن كانت غير مفيدة، هي: الأمر يعتمد على الحالة.

إنذار مبكر

من أهم مشكلات الأمراض العصبية التنكسية أن الضرر يكون متقدماً جداً بحلول الوقت الذي يمكن فيه تشخيصها. وفي حالة مرض باركنسون، عندما تظهر الأعراض الأولى (التصلب، والارتعاش، وما إلى ذلك)، يكون أكثر من نصف الخلايا العصبية التي تنتج الدوبامين، وهو الناقل العصبي الذي يتحكم في الحركة، قد فُقد بالفعل.

إن تحديد الأعراض المبكرة، مثل فقدان حاسة الشم - الذي يصيب ما يصل إلى 90% من المرضى - قد يكون بمثابة مؤشر حيوي، يُنبّهنا إلى وجود المرض. وهذا من شأنه أن يُمكّننا من تشخيصه مبكراً، وتوفير علاجات أكثر فعالية.

وتكمن المشكلة في أن هذا العرض لا يقتصر على مرض باركنسون: فقد يظهر أيضاً مع التقدم في السّن، أو التوتر، أو حالات أخرى. هذا يعني أننا نميل إلى التقليل من أهميته.

وعلى الرغم من وجود بعض الأدلة ، إلّا أننا ما زلنا لا نعرف على وجه اليقين سبب تسبب الأمراض العصبية التنكسية بفقدان حاسة الشم. ولدى بعض مرضى باركنسون، قد يبدأ المرض في البصلة الشمية، قبل وقت طويل من انتشاره إلى المناطق التي تتحكم في الحركة. لأن بعض الفيروسات، أو المبيدات الحشرية، أو السموم التي نستنشقها، قد تلحق الضرر بها، وتسبب تغيرات في هذه المنطقة.

وفي حالة مرض الزهايمر، قد يبدأ الضرر في منطقة صغيرة مزرقّة من جذع الدماغ تسمى «الموضع الأزرق»، كما كشفت دراسة حديثة. وهذا «الزر التنبيهي» يبقينا مستيقظين ومركزين، واتصاله بالبصلة الشمية هو ما يربط الروائح بالمشاعر. وعند انقطاع هذا الاتصال، تظهر مشكلات في حاسة الشم قبل ظهور أولى علامات الخرف، بوقت طويل.

باختصار، فقدان القدرة على الشم ليس عرضاً للمرض نفسه، بل هو علامة تحذيرية على بدء عملية التدهور.

مجلة كل الأسرة

تشخيص الباركنسون من خلال حاسة الشم

عند وصول المريض إلى العيادة، ليس من السهل دائماً التمييز بين مرض باركنسون، واضطرابات الحركة المشابهة. قد يساعد فقدان حاسة الشم، إلى جانب اختبارات ومؤشرات أخرى، على تأكيد التشخيص. كما قد يساعدنا على التنبؤ بتطور المرض، لارتباطه بحالات أكثر حدّة.

علاوة على ذلك، يكون فقدان حاسة الشم في مرض باركنسون انتقائياً. يستشعر المرضى روائح طيبة مثل الشوكولاتة من دون أيّ مشكلة، لكنهم يجدون صعوبة في تمييز الروائح المحايدة، أو الكريهة، مثل الصابون، أو الدخان، أو المطاط.

ويعاني مرضى آخرون، بخاصة النساء، أمراً أغرب: هلاوس شمية. هذا يعني أنهم يستشعرون روائح «وهمية»، مثل التبغ أو حرق الخشب، وهي غير موجودة في الواقع.

وعلى الرغم من أن الأمر قد يبدو غريباً، إلا أن لمرض باركنسون رائحة خاصة به، توصف بأنها خشبية ومسكيّة. نعرف ذلك بفضل جوي ميلن، وهي امرأة إسكتلندية تتمتع بحاسة شم قوية، إذ استطاعت تمييز هذه الرائحة تحديداً لدى زوجها قبل 12 عاماً من تشخيصه بالمرض.

قد يبدو فقدان حاسة الشم أمراً محصوراً في الأنف، لكنه في الواقع نافذة على الدماغ. فهو يسمح للباحثين باستكشاف أعماق الدماغ، وفك طلاسمه، وجمع معلومات قيّمة تساعدنا على رعاية وتحسين نوعية حياة المصابين بأمراض التنكّس العصبي.

اقرأ أيضاً: فقدان حاسّة الشم مرتبط بأكثر من 100 حالة طبية... بعضها خطِر