قد لا تولي إبطيك اهتماماً كبيراً، باستثناء التأكد من حاجتهما إلى مزيل عرق. لكن هذه البقعة الصغيرة من الجلد، والتي غالباً ما يتم تجاهلها، تُعد من أكثر مناطق الجسم ازدحاماً. تحت هذه الطيات، تكمن شبكة معقدة من الغدد، والأعصاب، والعقد اللمفاوية التي تبقيك بارداً، وتحارب العدوى، بل وتؤثر في رائحتك، في عيون الآخرين.
يسمح تصميم الإبط بمرونة الذراع، وحرية حركتها، كما أنه ممر حيوي للأوعية الدموية والأعصاب التي تربط الطرف بالجذع، وهو كذلك موطن للغدد العرقية التي تنظم درجة الحرارة، وتطلق الفيرومونات، وتجمعات من العقد اللمفاوية التي تُصرّف السوائل، وتساعد على حماية الجسم من العدوى.
ومع ذلك، بالنسبة إلى بعض الناس، تصبح هذه المنطقة المتواضعة تحت الإبط مصدراً لشيء أكثر إزعاجاً بكثير من مجرّد رائحة كريهة.
نحن نتحدث هنا عن «التهاب الغدد العرقية القيحي»، وهي حالة مؤلمة ومتكرّرة، تُحوّل هذه التجاويف الخفية وغيرها من مناطق احتكاك الجلد ببعضها بعضاً، إلى مصدر لألم مزمن، والتهاب، وندوب.
وكان يعتقد سابقاً أن التهاب الغدد العرقية القيحي نادر، إلا أنه يزداد انتشاراً وتشخيصاً، على الرغم من أنه لا يزال يُساء فهمه على نطاق واسع.
ما هو التهاب الغدد العرقية القيحي؟
يمكن أن تتطور حالات عدّة داخل أنسجة الإبط، إحد هذه الحالات هي التهاب الغدد العرقية القيحي، وهو اسم غريب نوعاً ما.
يُترجم الاسم إلى «التهاب الغدد العرقية المصحوب بقيح»، وهذا هو جوهر الحالة. والتهاب الغدد العرقية القيحي هو حالة مزمنة تصيب مناطق الجسم الغنية بالغدد العرقية، وبصيلات الشعر، بخاصة مناطق طيّات الجلد، واحتكاكه ببعضه. هذا يعني أنه قد يظهر ليس في الإبطين فقط، ولكن أيضاً في منطقة الفخذ، وحول الثديين، والأرداف، وفي منطقة العجان. وقد يؤدي الاحتكاك في هذه المناطق إلى تفاقم الحالة.
ويبدو أن الالتهاب ناتج عن عملية مشابهة للمناعة الذاتية، حيث يهاجم الجسم أنسجته عن طريق الخطأ. ويحدث انسداد بصيلات الشعر أولاً، على الأغلب، ما يؤدي إلى تأثر الغدد العرقية. وتشير التقديرات إلى أن هذه الحالة أكثر شيوعاً لدى النساء بثلاث مرات تقريباً، منها لدى الرجال، وقد تكون وراثية أيضاً. وتشمل عوامل الخطر الأخرى ارتفاع مستويات الأندروجينات، وهي هرمونات مثل التستوستيرون التي تزداد بعد البلوغ، إضافة إلى التدخين، والسمنة.
كما تُظهر الأبحاث أن الأشخاص ذوي البشرة الملونة يتأثرون بشكل غير متناسب. وقد وجدت دراسات في كل من المملكة المتحدة والولايات المتحدة، أن التهاب الغدد العرقية القيحي أكثر شيوعاً، وغالباً ما يكون أكثر حدّة، بين المرضى، السود واللاتينيين. كما أن هذه الفئات أكثر عرضة لتأخير التشخيص، أو الخلط بين أعراضها والتهابات، أو دمامل أخرى. والأسباب هنا معقدة، وتشمل اختلافات في القدرة على الوصول إلى الرعاية الصحية، وعدم إدراك كيفية ظهور التهاب الغدد العرقية القيحي على درجات البشرة الداكنة، وعدم المساواة الهيكلية الأوسع نطاقاً داخل الأنظمة الطبية في تلك الدول. ويمكن أن يساعد الاكتشاف المبكر والرعاية المنصفة على الوقاية من المرض المتقدم وتقليل عبء الألم والندوب والوصمة الاجتماعية التي قد يسببها التهاب الغدد العرقية القيحي.
أعراض التهاب الغدد العرقية القيحي
تظهر الغدد الملتهبة والمسدودة على الجلد على شكل عقيدات صلبة، أو توّرمات. ويمكن أن تحوّل العدوى هذه الغدد إلى خراجات قد تنمو إلى أحجام كبيرة. ويمكن أن يؤدي الالتهاب والعدوى المطولان إلى تكوين جيوب أنفية، وهي أنفاق تحت الجلد تربط العقيدات، وإلى تكوّن ندوب. ربما يسبب هذا ألماً، أو نزاً، أو رائحة كريهة للجلد، وفي حالة تكوّن نسيج ندبي من الممكن أن يعيق حركة الأطراف العلوية.
تشبه هذه العلامات تلك التي تُلاحظ في حب الشباب الشائع. وفي الواقع، أحد الأسماء البديلة لالتهاب الغدد العرقية القيحي هو حب الشباب المعكوس، في إشارة إلى طيات الجلد المقلوبة حيث يحدث. ومثل حب الشباب، لا ينتج عن قلة النظافة الشخصية، وليس مُعدياً، على الرغم من المفاهيم الخاطئة الشائعة.
علاج التهاب الغدد العرقية القيحي
عند التعامل مع التهاب الغدد العرقية القيحي، تتداخل بعض العلاجات مع تلك المستخدمة لعلاج حب الشباب. ويمكن للمضادات الحيوية، مثل لايمسيكلين، ذات الخصائص المضادة للبكتيريا والالتهابات، أن تساعد على منع نوبات المرض. كما يُنصح بتغيير نمط الحياة، مثل ارتداء ملابس فضفاضة، وفقدان الوزن لتقليل طيّات الجلد، والاحتكاك.
وفي بعض الحالات، قد يُسبب التهاب الغدد العرقية القيحي خراجات كبيرة، يتراوح قطرها أحيانا بين خمسة، وعشرة سنتيمترات، وقد تتطلب جراحة لتصريف القيح، أو إزالة النسيج الندبي. ونظراً إلى طبيعة المرض الشديد، وطول أمده، والندوب المصاحبة له، تستخدم الآن علاجات بيولوجية جديدة مثل أداليموماب، التي تعمل عن طريق تهدئة ردّ فعل الجهاز المناعي المفرط، لإدارة الحالات الأكثر تقدماً.
تتزايد تشخيصات التهاب الغدد العرقية القيحي كل عام. وقد يعكس هذا زيادة فعلية في الأعداد، أو ببساطة تحسناً في التشخيص. قد يبدو من المستغرب أن تغفل هذه الحالة أو تشخص خطأ في كثير من الأحيان، لكنها واردة.
ويمكن أن تحاكي التهاب الغدد العرقية القيحي حالات جلدية أخرى تصيب الطيات. ومن الشائع الشعور بتهيّج نتيجة التعرق، أو الحلاقة في الإبطين، أو الفخذ، ما يؤدي إلى التهاب بصيلات الشعر. ولأن آفات التهاب الغدد العرقية القيحي تميل إلى الاشتعال ثم الانحسار، وتتحسن أحياناً بالمضادات الحيوية قصيرة الأمد، فغالباً ما يُخلط بينها وبين مشكلات أخرى، وتُعالج بشكل غير كامل، وأحياناً يستمر العلاج لسنوات.
وتاريخياً، لم يُشخص التهاب الغدد العرقية القيحي جيداً. وقد أسهمت أعراضه المتغيرة، والشعور بالإحراج، والوصمة التي غالباً ما تُحيط بتغيرات الجلد في المناطق الحساسة، في تأخير التشخيص. يمكن أن يمنع الكشف المبكر تطور المرض إلى مرض شديد، لذا فإن أيّ تغيرات جلدية متكررة تستحق مناقشتها مع الطبيب.
قد يبدو الإبط غير هام، ولكن بالنسبة إلى المصابين بالتهاب الغدد العرقية القيحي، يمكن أن يُؤثر في حياتهم اليومية بشكل مؤلم ومعزول. ويعيش الكثير من الناس مع هذه الحالة لسنوات قبل تلقي تشخيص أو علاج فعّال. وإن الاعتراف بها كحالة طبية، وليست مشكلة صحية، يُعد خطوة حاسمة في تغيير ذلك.
اقرأ أيضاً: 7 معلومات مهمة يجب أن تعرفها حول فرط التعرّق
