هل تغيرت الطبيعة الإنسانية في هذا الزمن بحيث تصل بنا إلى تصديق حقيقة تقول إن هذا ليس زمن المشاعر والأحاسيس والعواطف، بل زمن تحييدها، بل وإلغائها وتجفيف منابعها والعيش من دونها أو القليل جداً منها وذلك إذا كان الإنسان يريد أن يستمر في الحياة ويحتمل واقعها وواقع المجتمعات والبشر الجديد.
العاطفة شرط ضروري لـالعلاقة الإنسانية والاجتماعية، فهي ماؤها وتدفقها وعنصر حياتها الأول، فكيف يسلب الواقع الجديد اليوم حياة البشر من هذا الشرط البسيط والأولي وذلك حين تصبح لغة الحياة هي سماكة المشاعر والاقتدار الفظيع على الأقسى من الأفعال.
كم يسرد هذا الواقع من قصص يومية عن قلوب ذهبت ذبيحة كالعصافير الصغيرة الغضة، وذلك بسكاكين الأقرب قبل الأبعد، لا لسبب إلا لأنها احتوت على المحبة لا البغض والجفوة. وحيث تكون المحبة الغامرة، فلا مجال لوعي درجة القسوة في العلاقات والتحجر لدى الآخر والعمى والتجرد الكامل من الرحمة والتعاطف التي ينحدر إليها، وذلك هو المقتل حقيقة.
إن كان لكل زمن طبيعته وصفته التي تنعكس على البشر، فهل نحن حقيقة وواقعاً في زمن تشيأت فيه طبيعة البشر وأصبحت أقرب للجماد كما يقول منظرو ما بعد الحداثة؟ هل أدركتنا هذه الحداثة مثل غيرنا وصرنا نرتدي في أنفسنا وسلوكنا ثوب الأشياء وعلاقاتها، إن كان لها علاقات؟
ها هي جفوة القلوب وغلظة المشاعر تصبح لدى البعض ميزة ومهارة بل واستراتيجية مرسومة لـالعلاقات الإنسانية وكيفية إدارتها بنجاح وثقة. ها هي هذه القسوة لغة للعصر والعلاقات وعلامة النجاح والإنجاز وتحقيق الانتصار على الآخر والقضاء عليه بالضربة القاضية.
لكن، ألم تكن الجفوة وتحجر المشاعر يعدان فيما مضى عرضاً لمرض نفسي وعقلي؟
اقرأ أيضاً:
- معرفة النفس.. لماذا تعد الطريق إلى الطمأنينة والسعادة الحقيقية؟
- ثمار ملغومة.. هل تهدد الفواكه المستوردة صحتنا؟