تختلف طرق رعاية أصحاب الهمم بين بلد وآخر، ولعل أهم أسلوب هو المنتشر في كثير من دول العالم المتقدمة، ألا وهو أسلوب الدمج المتعدد الأوجه. فالدمج يعني أولاً تحقيق المساواة بين أصحاب الهمم والأطفال العاديين في نفس البيئة، سواء أكانت تعليمية أو اجتماعية أو ترفيهية أو غيرها.
وتلي المساواة، المشاركة وفتح المجال أمام دمج أصحاب الهمم في المجتمع لإزالة التمييز تجاههم، تمهيداً لانتفاء مصطلح خصوصية حالة أولئك الأفراد، مع تفهم الصعوبات التي يواجهها أصحاب الهمم، وفي الوقت عينه جعل الظروف المحيطة بهم عادية، أي تقديم مختلف أنواع الخدمات والرعاية لهم في بيئة الأشخاص العاديين، وهي الخدمات عينها المقدمة لهؤلاء الأشخاص العاديين، وبمعنى آخر فإن الدمج هو عدم عزل أصحاب الهمم وتعزيز الاندماج الاجتماعي.
ولكن في كثير من الأحيان يكون العائق الأول لعملية دمج ذوي الهمم هذه، الأهل أنفسهم؛ لعدم اقتناعهم أو إيمانهم بقدرة ابنهم على هذا الدمج ورفض فكرة المساواة وإمكانية الشراكة نظراً لوضعهم النفسي الذي قد يكون أصعب من وضع ابنهم، فيعكسون وضعهم النفسي بشكل سلبي عليه. ويعيقون تحقيق الذات عند طفلهم، ما يفرمل دافعه نحو التعليم، ونحو تكوين علاقات اجتماعية سليمة لأصحاب الهمم مع الغير.
أما العائق الثاني فيتمثل بغياب القوانين المنظمة لـ برامج دمج أصحاب الهمم في كثير من البلدان، كذلك «كوتا» فرص العمل لأصحاب الهمم. وبالتالي يجب مواءمة الاتجاهات الصحيحة نحو فئات الأطفال أصحاب الهمم، من خلال برامج الدمج التربوي والاجتماعي التي تعمل على تغيير وتعديل اتجاهات الأسر والعاملين في المدرسة أو المؤسسة والأقران أو الزملاء من السلبية إلى الإيجابية، خصوصاً تلك الاتجاهات المتعلقة بالرفض أو عدم التعاون.
ومن أهم مبررات دمج أصحاب الهمم في المدارس أنه يشجع المجتمع على النظر بإيجابية نحو هؤلاء الأشخاص، وتهيئة الفرص لتطوير الإدراك الاجتماعي للواقع الذي يوجب الاعتراف بهؤلاء والبحث عن حلول، فدمج هؤلاء الأطفال مع الأطفال العاديين له آثار إيجابية؛ لأن الطفل عندما يلاقي الترحيب والتقبل من الآخرين، فإن ذلك يعطيه الشعور بـ الثقة بالنفس لدى أصحاب الهمم، ويشعره بقيمته في الحياة ويتقبل إعاقته، ويدرك قدراته وإمكاناته في وقت مبكر، كما يشعر بانتمائه إلى أفراد المجتمع الذي يعيش فيه.
كذلك فإن الطفل من أصحاب الهمم في فصول الدمج يكتسب مهارات اجتماعية وتعليمية جديدة، مما يجعله يتعلم مواجهة صعوبات الحياة بطرق مختلفة لم يعهدها في أثناء عزلته. في المقابل، يستفيد الأطفال العاديون من هذا الدمج؛ إذ يؤدي إلى تغيير اتجاهات الطفل العادي ونظرته نحو الأطفال أصحاب الهمم، فضلاً عن أن الدمج يساعد الطفل العادي على أن يتعود على تقبل الطفل من أصحاب الهمم، ويشعر بالارتياح مع أشخاص مختلفين عنه، كما أنه قد يشعر بالاندفاع لمساعدة الآخر حيث يعاني قصوراً معيناً. للدمج فوائد تنعكس على الأهل الذين أشرنا سابقاً إلى أنهم قد يرفضون تقبل واقع ابنهم في كثير من الأحيان.
فنظام دمج ذوي الهمم في المجتمع يشعر الآباء بعدم عزل الطفل عن المجتمع، كما أنهم يتعلمون طرقاً جديدة لتعليم الطفل، وعندما يرى الوالدان تقدم ابنهم الملحوظ، وتفاعله مع الأطفال العاديين، يبدآن بالتفكير في الطفل أكثر، وبطريقة واقعية أكبر، كما أنهما يريان أن كثيراً من الأطفال الذين يشبهونه، وهم في مثل سنه، لديهم تصرفات مثل تصرفات ابنهم، وبهذه الطريقة تتحسن مشاعر الوالدين تجاه طفلهما، وكذلك تجاه نفسيهما.
عزيزي القارئ.. الإنسان من أصحاب الهمم يجب أن يعيش حياة آمنة حيثما وجد، وأن يشعر بقيمته كعضو لديه حقوق في أسرته ومدرسته ومجتمعه، وأن يتحقق له قدر من التوافق والاندماج الاجتماعي لأصحاب الهمم، علماً أن الأمر يبقى سيفاً ذا حدين إذا لم تتم مقاربته بشكل متوازن، فأسلوب الدمج قد يؤدي إلى زيادة غربة أصحاب الهمم، وفقدان الثقة في أنفسهم؛ لقصور قدراتهم على متابعة الدروس على النحو الذي يقوم به بقية التلاميذ العاديين.
وعلى الرغم من ذلك تبين أن سياسات العزل التي مورست ولسنوات عدة، ولا زالت تمارس في كثير من البيوت اليوم، لم تحقق التطور المنشود في تربية أصحاب الهمم وتنمية قدراتهم.
لذا فالطفل من أصحاب الهمم يحتاج إلى وعي كافٍ يبدأ في المنزل ويستكمل في المؤسسات الخاصة والمجتمع ككل.