الحالة النفسية التي قد يعانيها الكثير من النساء بعد الولادة ليست بالضرورة حالة اكتئاب ما بعد الولادة، فغالباً ما تعاني النساء بعد الإنجاب مباشرة من حالة من التغيرات النفسية بعد الولادة والمشاعر المفرطة والانفعالات الكبيرة إن من الناحية الإيجابية أو من الناحية السلبية، حيث ينتج عنها الكثير من العوارض مثل القلق ومشكلات النوم وتعديل في الشهية، البكاء، تقلب في المزاج، حساسية مفرطة وحالة من التعب الشديد.
فكل هذه العوارض يمكن أن تتحول إلى حالة من الاكتئاب عندما تتطور وتدوم لأكثر من أسبوعين حيث تتثبت العوارض وتتحول إلى إشكالية أكبر مثل البكاء دون توقف، الحاجة الدائمة إلى الراحة، رفض الرضاعة، تعديل كبير بالمزاج وتقلب في المزاج أيضاً، إضافة إلى صعوبة خلق الروابط العاطفية مع المولود الجديد، الحاجة إلى الابتعاد عن العائلة والأصدقاء، التعب الشديد والمفرط، اضطراب في النوم: إما النوم الكثير أو غياب القدرة على النوم، إضافة إلى التغيرات على مستوى الشهية. والأخطر في هذه الحال هي الأفكار التي ترد الأم بأذية المولود الجديد، أو حتى أذية النفس والانتحار.
هذه العوارض هي متعلقة بـاكتئاب ما بعد الولادة، والذي يتطلب الدعم النفسي والتدخل الفوري من قبل الطبيب المختص، وإلا فأي حالة اكتئاب ما بعد الولادة إذا بقيت من دون معالجة تدوم لأشهر وقد يتطور على أثرها حالة من الاكتئاب المزمن. في بعض الحالات تطور الأم بعد الولادة حالة ذهانية حيث تكون فيها العوارض كبيرة وخطرة وتتضمن الكثير من الهلوسات والشعور بالعظمة والبرانويا، إضافة إلى العدائية المفرطة والطاقة الكبيرة، والأفكار الوسواسية المتعلقة بالطفل بالإضافة إلى محاولات أذى للطفل أو للنفس. في هذه الحالة يجب عدم الانتظار بل التدخل من خلال سحب الولد من أمامها وطلب العلاج النفسي والمساعدة المختصة بأسرع وقت ممكن.
هناك العديد من الأسباب التي تؤدي إلى اكتئاب ما بعد الولادة ومنها الجسدي والعاطفي. فعلى المستوى الجسدي، قد يحصل لدى الأم تعديل كبير بمستوى الهرمونات في الأيام التي تلي الولادة فتشعر بالإحباط والانزعاج ، بالإضافة إلى بعض التعديلات في هرمون الغدة الدرقية التي قد تشعرها بالتعب الشديد والميل إلى الاكتئاب.
بالإضافة إلى الحالة الانفعالية ، يمكن لقلة النوم أن تزيد من حساسية المرأة وبالتالي تعزز حالة القلق والتوتر لديها حول القدرة على العناية الصحيحة بالمولود الجديد، أو حتى الشعور بأنها فقدت القدرة على إدارة حياتها بالشكل الذي تتمناه أو تريده هي، وشعورها بفقدانها للجاذبية.
كل هذه العوامل قد تشكل استعدادات لتطوير حالة اكتئاب ما بعد الولادة. إلى جانب اكتئاب ما بعد الولادة لدى الأم، يمكن أن يعاني عدد من الآباء حالة اكتئاب ما بعد الولادة عند الأب فيشعر هؤلاء بالتعب الشديد والحزن، أو يشعرون بالقلق وغياب القدرة على تحمل الواقع، ترافقها عوارض اضطراب في الأكل أو في النوم، فالعوارض التي يعيشها قد تكون مشابهة لعوارض الأم بعد الولادة.
فالآباء بعمر الشباب، أو الذين يعانون تاريخاً من الاكتئاب، أو يعانون مشكلات عائلية أو صعوبات مادية، هم أكثر عرضة من الآخرين من اختبار اضطرابات نفسية بعد الولادة. من الضروري معرفة أن اكتئاب ما بعد الولادة للأب له نفس النتائج السلبية على العائلة والأم والطفل كالوالدة المصابة بهذا النوع من الاكتئاب. عزيزي القارئ إذا كنت أباً يعاني أي حالة اكتئاب خلال فترة حمل الزوجة أو في السنة التي تلي الولادة، من الضروري إخبار الطبيب المعالج أو الطبيب النفسي للاهتمام بحالتك. فنفس نوع المتابعة للزوجة هو ضروري لك أيضاً، فلا تستخف بالمتابعة المتخصصة، ولا تعتبر أن هناك أولويات أخرى.
والأهم لا تشعر بالخجل بالتعبير عن الحالة التي تعيشها خصوصاً إن كانت الزوجة تعاني حالة الاكتئاب أيضاً. فيمكن للطرفين أن يعانيا معاً حالة الاكتئاب، وإن لم يستدركا الوضع فإن الأمور قد تتفاقم ويصبح الوالدان غير فعالان وغير قادران على إدارة أمورهما، فكيف بالحري إدارة أمور العائلة ككل والطفل. نجد الكثير من الأمهات يعانين مشكلات الثقة بالنفس بعد الولادة نتيجة التبدلات الجسدية والوزن الزائد فتصبح حساسة ودقيقة التعامل، وبالتالي تتفادى الخروج والمشاركة في المناسبات.
وقد تدوم حالتها لحين التمكن من العودة إلى الوزن الذي تتمناه. هذه الحالة هي بعيدة عن كونها حالة اكتئاب ما بعد الولادة، هي أقرب لأن تكون فقداناً للثقة بالنفس نتيجة التغيرات الجسدية التي تعيشها الأم بعد الولادة، وخوفها من رفض الآخرين لشكلها الجديد، إضافة إلى الخوف والقلق من تبدل رأي الزوج بها أو الخوف من أن تفقد جاذبيتها بالنسبة له.