لماذا يهرب بعض الرجال من مشاعرهم؟ حين يصبح العمل أو اللعب ملاذاً نفسياً
خلف قناع الصمت الذي يرتديه بعض الرجال يومياً، تتحرك مشاعر مكبوتة تبحث عن متنفس، فتجد في الألعاب الإلكترونية، أو العمل، أو المخاطرة طريقاً تفرّ عبره من ضجيج الداخل. وليست مجرّد هوايات أو انشغالات عابرة، بل محاولات خفية للهروب من ثقل كلمة لم تُقل، أو خوف لم يجد من يحتضنه. وحين تعجز اللغة عن التعبير، تتكفل الأفعال برسم ما عجز القلب عن الإفصاح عنه، فيتحول السلوك إلى مرآة لألمٍ لم يُكشف بعد.
لماذا يلجأ الرجال إلى الألعاب الإلكترونية، أو السلوكات الخطرة، أو الاندماج المفرط في العمل، كوسيلة للتعامل مع التوتر النفسي، أو التحدّيات العاطفية؟
يجيب مينا شفيق، أخصائي نفسي ومسؤول عن المبادرات الحكومية العامة في الصحة النفسية، قائلاً «يتربى الرجال في معظم الثقافات على كبح مشاعر الحزن والخوف، وغالبًا ما يُنظر إليها كعيوب، أو علامات ضعف، وبدلاً من التعبير عنها، يوجهون طاقتهم نحو أنشطة مقبولة اجتماعياً، مثل:
- العمل لساعات طويلة.
- ممارسة الرياضة العنيفة.
- إدمان الألعاب الإلكترونية.
- الانخراط في مهام مرهقة أو تنافسية.
هذه الوسائل تمنحهم شعوراً بالتحكم والإنجاز، لكنها في الحقيقة وسائل غير مباشرة للتنفيس عن مشاعر مكبوتة، سواء كانت مرتبطة بتحديات عاطفية، أو توترات داخلية، لذلك، قد يشعر البعض بالراحة بعد اللعب المكثف، أو العمل الشاق، في حين أن النشاط نفسه قد يخفف التوتر النفسي، لكنه لا يعالج جذور المشكلة. فالرجال بطبيعتهم يميلون أكثر إلى التكيف القائم على النشاط، بينما تستطيع النساء، عموماً، التعبير عن مشاعرهنّ، أو طلب الدعم بسهولة أكبر، ويعود ذلك إلى المعايير الاجتماعية التي تُشجع الرجل على الصمت والصمود، والخوف من الحكم أو الرفض، عند البوح بالمشاعر المكبوتة.
تأثير استراتيجيات التأقلم في الصحة النفسية
يرى مينا شفيق، أن وسائل الترفيه مثل الألعاب، والرياضة، والعمل باعتدال، مفيدة لكونها توفر تشتيتاً صحياً، وإحساساً بالكفاءة، وفرصاً للتواصل مع الآخرين، ما يعزز القدرة على التحمّل، ومهارات حل المشكلات، ولكن الإفراط في هذه الوسائل يمكن أن يصبح ضاراً، ويشير «إذا أخذنا الألعاب الإلكترونية مثالاً، فهي بلا شك وسيلة تبني صداقات عند استخدامها بشكل معتدل، لكن الإفراط فيها قد يؤدي إلى العزلة، ويمكن أن تُشغل الشخص عن القلق، لكنها لا تعالجه، ومع مرور الوقت، يمكن للقلق، أو الاكتئاب، أو الصدمات غير المعالجة أن تتفاقم، وتصبح في النهاية تلك اللعبة، أو العمل، أو السلوك الخطر، غير كافٍ لتخدير ما يحدث داخلياً».
التركيز المفرط في العمل يمكن أن يتحول بسهولة إلى إدمان مقبول اجتماعياً، لكونه يوفر التقدير المستمر
«أما التركيز المفرط في العمل فيمكن أن يتحول بسهولة إلى إدمان مقبول اجتماعياً، لكونه يوفر التقدير المستمر، مثل الراتب، والترقية، والمدح، والشعور بالانشغال الدائم، ولا ننسى ما يشكله المجتمع من مكافأة الرجال الذين يضعون الإنتاجية في المقام الأول، ما يجعل العمل المفرط يبدو مبرراً، وجديراً بالإعجاب، ليخفي في باطنه فراغاً، أو وحدة، أو خجلاً، أو ألماً لم تتم معالجته. وتظهر المشكلة عندما يبطئ، أو يتوقف الشخص عن ممارسته بنفس الكفاءة، لتؤدي الراحة في عطلات نهاية الأسبوع، أو الإجازات، إلى إثارة القلق أو الشعور بالذنب، لأن الصمت يتيح المجال للمشاعر المكبوتة لتظهر».
ولكن لماذا قد يلجأ الرجال إلى سلوكات خطرة للتعامل مع التوتر أو الانزعاج العاطفي؟ «السلوكات الخطرة مثل القيادة، المتهورة، الرياضات الخطرة، وغيرها، تُنشّط أنظمة الإجهاد والمكافأة في الجسم، ما يخلق ارتفاعاً حادّاً في هرموني الأدرينالين، والدوبامين. هذا الارتفاع يمكن أن يسبب الخدر العاطفي لفترة قصيرة، ويُشعر الشخص بالارتياح أو بـالحيوية. وبالنسبة إلى الرجال الذين تم تكييفهم لإخفاء الخوف، أو الضعف، تصبح هذه السلوكات عالية الكثافة، ووسيلة للشعور بشيء قوي من دون الاعتراف بأنهم يواجهون صعوبة، ومع مرور الوقت، تميل هذه السلوكات إلى التصاعد، والتحوّل إلى شيء مُدمّر، ما يزيد من حدة الإجهاد، والألم العاطفي الذي كان الشخص يحاول الهروب منه».
5 نصائح تساعد الرجل على مواجهة مشاعره الدفينة من دون قناع
- تعزيز ثقافة التعبير الصحي عن المشاعر: تبدأ المواجهة من تفكيك الصورة النمطية للرجل الذي لا ينكسر، إذ يحتاج المجتمع إلى ترسيخ نموذج جديد للرجل القادر على التعبير وطلب الدعم، من دون وصم، أو تهديد لصورته الاجتماعية.
- تعزيز أدوات الوعي والانضباط النفسي: تدوين المشاعر، تقنيات التنفس، والتأمل، جميعها وسائل تساعد الرجل على معرفة ما يحدث داخله، بدل التحايل عليه من خلال العمل المفرط، أو الألعاب، أو المخاطرة.
- خلق منصات آمنة للبوح بلا أحكام: داخل الأسرة، أو الصداقات، أو العلاقات، الرجل يحتاج إلى مساحة يتحدث فيها من دون خوف من التقييم أو السخرية، والحوار الصادق يُعد خطوة أساسية لكسر دائرة الهروب المزمن.
- إدماج الدعم النفسي كخيار طبيعي لا استثنائي: إزالة الوصمة عن اللجوء للأخصائي النفسي أمر محوري. فالعلاج يوفر فهماً أعمق لأنماط الهروب، ويساعد على استبدالها باستراتيجيات عاطفية، أكثر نضجاً وتأثيراً.
- بناء معادلة صحية بين الجهد والراحة: تنظيم الوقت، وضع حدود واضحة بين العمل والحياة، وتنوع مصادر الاستمتاع، ما يقلل من التعلق بنشاط واحد لتفريغ التوتر، ويمنع تحوله إلى إدمان، أو وسيلة للهروب من الصراعات الداخلية.
وختاماً، فإن كسر الصمت العاطفي، والاعتراف بأن مشاركة المشاعر المكبوتة ليست تهديداً للرجولة، بل خطوة نحو علاقة صحية مع الذات والآخرين، يُعد البداية الأساسية نحو الطريق الصحيح.
