07 يوليو 2025

د. حسن مدن يكتب: لماذا نتعب؟

كاتب بحريني، يكتب زاوية يومية في جريدة "الخليج" الإماراتية بعنوان "شيْ ما"، صدرت له مجموعة من الكتب بينها: "ترميم الذاكرة"، "الكتابة بحبر أسود"، "للأشياء أوانها"، &a

مجلة كل الأسرة

يقول محمود درويش: «أريد أن أغفو، بلا ذاكرة، بلا وجعٍ، بلا ألمٍ، بلا جفاف، أريد أن يتبخر حزني من جلدي، لتنخفض حرارتي وأن ينبض قلبي دون إحباط»، أما نزار قباني فيقول: «أريد أن أستريح على أيِّ حجر، على أيِّ كتفٍ أريدُ أن استريح، فلقد تعبتُ مِن المراكب التي لا شراعَ لها، ومِن الأرصفة التي لا أرصفة لها». وعلى لسان بطل قصته «حكاية رجل مجهول» يقول أنطون تشيخوف: «أنا تعبت، تعبت لدرجة أنني لن أحرك إصبعاً من أجل خلاصي».

ليس الشعراء والأدباء والفنانون وحدهم من يشكون من التعب أو يشعرون به. مثلهم كلّ الناس عرضة لأن يشعروا به ويضجروا منه، ومنه يريدون الخلاص، لكن من أين يأتي التعب؟ وكيف يأتي؟ هذا شأن أهل العلم وليس شأن أهل الأدب، وقد يكون السبب بسيطاً جداً، كأن يكثر الشخص من ساعات عمله، ولا يحصل على قسطٍ كاف من النوم، أو يجهد نفسه بالنشاط البدني، وعلاج ذلك هو الراحة والتعافي.

عالمة نفس اسمها داريا سالنيكوفا تفيدنا بأنّ الإجهاد والتعب الشديد وعدم استقرار عمل الجهاز العصبي يؤدي إلى الإصابة بأمراض مزمنة، من علاماتها الأرق أو النعاس المستمر، وبهذا نفهم أن التعب تشخيص طبي، وليس مجرد حالٍ نفسية، وإلى هذا الرأي ذهبت أيضاً أخصائية أخرى في الأمراض الباطنية، اسمها تينا بيتروفسكايا، حين قالت إنّ متلازمة التعب المزمن تسببها الأمراض المزمنة، وعددت عدداً منها بينها نقص الفيتامينات في الجسم، وانخفاض مستوى النشاط البدني، لكنّها استدركت بالقول إنّ السبب الأكثر انتشاراً للشعور بالتعب هو الاضطرابات النفسية.

ولأنّ التعب، حسب سالنيكوفا، مرض، فإنّ الشفاء منه يتطلب وقتاً، كما هي الحال مع أي مرض، وهذا يقتضي إدراك المرء بأنّه مريض بالفعل، وأول ما يتطلبه ذلك تغيير الروتين اليومي، مشيرة إلى أنّ العالم المعاصر يتحرك بسرعة كبيرة، لذلك غالباً ما ينسى الأشخاص الساعون إلى تحقيق أهدافهم صحتهم العقلية فيصابون بالتعب المزمن، الذي يصفه المجتمع الطبي بأنّه مرض تراكمي، وعلى المصاب بالتعب ألا يتوقع من العلاج نتائج سريعة، وعليه التحلي بالصبر لتحقيق نتائج طويلة الأمد، فمتلازمة التعب المزمن مرض لا يزول حتى بعد قضاء فترة راحة طويلة، فالأهمّ هو تغيير الأنشطة المعتادة وتناوب الإجهاد البدني والفكري، وتغيير الروتين اليومي، بالبدء بعمل شيء مختلف، أو التفكير بطريقة مختلفة، ورغم صعوبة ذلك فإنه ليس مستحيلاً.

يطول الحديث عن أمراض الجسد المؤدية إلى الشعور بالتعب والإرهاق، لكن هناك وصفة شعرية كفيلة بأن تعالج حالات الإحباط التي بسببها تشعر أجسادنا، ونفوسنا أيضاً، بالتعب، والوصفة قالها حامل نوبل للآداب، الشاعر التشيلي بابلو نيرودا، في قصيدةٍ لامست الموضوع حتى وإن لم ترد فيها مفردة التعب بحدّ ذاتها، وسنختم الحديث بأبيات منها، لعلها تلخص ما أردنا قوله، فلم نجد أبلغ منها: «يموت ببطء/ من لا يسافر/ من لا يقرأ/ من لا يستمع إلى الموسيقى/ من لا يرغب في مساعدة أحد/ من يصبح عبداً للعادة/ من يعاود كل يوم نفس الطرقات/ من لا يغيّر المكان/ عندما يحسّ التعاسة في العمل أو الحبّ/ من يتجنب عاصفة الحبّ/ وزوبعة المشاعر/ التي تعيد البريق للعيون/ وتداوي القلوب الجريحة/ يموت ببطء/ من لا يركب المخاطر/ لتحقيق أحلامه».

اقرأ أيضاً: د. حسن مدن يكتب: الذين يتعب منهم التعب