05 مايو 2025

د. حسن مدن يكتب: وسائل التواصل جالبة للاكتئاب أم طاردة له؟

كاتب بحريني، يكتب زاوية يومية في جريدة "الخليج" الإماراتية بعنوان "شيْ ما"، صدرت له مجموعة من الكتب بينها: "ترميم الذاكرة"، "الكتابة بحبر أسود"، "للأشياء أوانها"، &a

مجلة كل الأسرة

في شهادة لامرأة تُعاني الاكتئاب وردت في مقال نُشر قبل أعوام، قالت إنها، وللتغلّب على ما تسبّبه له مطالعتها لما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي من كآبة وغضب، حذفت جميع تطبيقات هذه المواقع من هاتفها، وكذلك من قائمة المواقع المفضلة على الإنترنت، حتى تُحكِم الرقابة على استخدامها لوسائل التواصل الاجتماعي. والحق أنها استدركت بالقول إنها لم تحذف حساباتها، وإنما اكتفت بأن جعلت الوصول إليها أكثر صعوبة.

ساعدها هذا التغيير الطفيف على الفصل بين العالم الحقيقي، والواقع الافتراضي، حيث كان هذا الأخير يقلب حياتها في العالم الحقيقي، أحياناً، رأساً على عقب، كما تقول، فبعد أن تحرّرت من تلقّي تنبيهات مفاجئة اكتشفت أن مضاد الاكتئاب المثالي، بالنسبة إليها، هو ترشيد استخدامها لوسائل التواصل الاجتماعي.

تجربة هذه المرأة لا تعني، بالضرورة، أن وسائل التواصل الاجتماعي تسبب الاكتئاب لكلّ من يُدمن متابعتها، لكون أسباب الاكتئاب كثيرة، وهي تختلف بين شخص وآخر، وتتفاوت بين المشاعر، والأفكار، والبيئة الاجتماعية، والجينات... إلخ، فضلاً عن أنه ليس كل ما ينشر من محتوى على هذه الوسائل يبعث على الكآبة، أو الحزن، فالمحتوى الباعث على الفرح والسعادة ليس قليلاً. وحكماً من دراسات في هذا المجال، بينها الجديد وبينها ما مضت عليه سنوات، فإن الاستخدام المتكرّر لوسائل التواصل الاجتماعي قد يسبب الاكتئاب، أو على الأقل أعراضاً شبيهة به.

ووفق إحدى الدراسات التي اهتمت بالأمر فإنّه «كلما زادت الساعات التي يقضيها المرء على هذه المواقع، زاد شعوره باليأس، وانعدام الثقة، وضعف الهمّة»، لكن الدراسات نفسها لاحظت أن بعض الأشخاص المصابين بالاكتئاب «الذين ضعفت ثقتهم بأنفسهم، قد يلجأون إلى التفاعل عبر مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن إعجاب الآخرين، وتأييدهم لآرائهم لاستعادة الثقة بالذات»، بل «إن ثمة أدلة أيضاً تؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي قد تفيد الصحة النفسية، ربما لأنها تشجع الأشخاص المعرّضين للشعور بالعزلة على التواصل مع غيرهم للخروج منها».

قبل نحو شهرين، أو ثلاثة، بثّت منصة «بي.بي. سي» تقريراً عمّا وصفته «الإغواء بالحزن»، متسائلة فيه عن سرّ رواج المنشورات الحزينة عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث لاحظ التقرير أنه على الرغم من زعم الناس أنهم لا يبحثون عن الحُزن، لكن عاداتهم عبر منصات الإنترنت تقول خلاف ذلك، والدليل هو رواج أيّ محتوى حزين عبر هذه المنصات، حيث إن جزءاً من المحتوى الأكثر نجاحاً هو ذلك الذي ينطوي على كآبة وحزن «فالمنشورات الكئيبة والسوداوية، بل وحتى المسبّبة للإحباط، تلقى رواجاً أكبر بين الناس، فضلاً عن كونها جاذبة أكثر من غيرها للخوارزميات».

ميل الناس لما يُغري بالحزن لم ينشأ مع ظهور الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعية. فأبناء الأجيال الأكبر يعرفون جيداً مقدار الغواية التي كانت للروايات ذات النهاية الحزينة، وكذلك لأفلام السينما ذات النهايات المشابهة، وكثيرة هي العيون التي اغرورقت بالدموع في صالات السينما من مشاهدي ما يعرض على شاشاتها من أفلام ذات محتوى حزين، وعلى الرغم مِن أن مَن يذرفون الدموع يعرفون أنّ ما يشاهدونه حكايات متخيّلة، لكن ذلك لا يمنعهم من التفاعل معها، كما لو كانت قصصاً وقعت بالفعل.

اقرأ أيضاً:  د. حسن مدن يكتب: من أين تأتي الكآبة؟