14 أكتوبر 2026

المرأة المعيلة.. الضغوط النفسية وتحديات إعالة الأسرة وتربية الأبناء

فريق كل الأسرة

مجلة كل الأسرة

تحولت قضية المرأة المعيلة إلى أكثر من مجرد ظاهرة في العديد من المجتمعات العربية، وبخاصة المجتمع المصري خلال السنوات الأخيرة، تارة بسبب الانفصال ورفض الأب الإنفاق على أبنائه، وتارة لمرض الزوج وعجزه عن العمل، وفي أحيان أخرى تضطر المرأة لذلك نتيجة غياب الزوج أو وجوده داخل السجن، وفي جميع الحالات تبقى المرأة مطالبة بالوفاء بكافة احتياجات الأسرة المادية والأدبية، دون أن ينتبه أحد إلى حجم ما تعانيه من ضغوط نفسية تقودها إلى الإصابة بالأمراض في أغلب الأحيان.

المرأة المعيلة.. قضية اجتماعية متزايدة

تتغير الصورة في المجتمع المصري بدرجة كبيرة، حيث تقفز كثير من الفئات المهمشة إلى بؤرة الاهتمام المجتمعي، ومن بين تلك الفئات المرأة المعيلة التي تحظى بكثير من النقاشات المجتمعية، باعتبارها الأكثر معاناة خاصة في حال وجود عدد كبير من الأبناء.

قبل فترة أصدر المركز القومي للبحوث الاجتماعية، دراسة لمناقشة الظاهرة أجريت في سبع مناطق عشوائية بمحافظة القاهرة، من بينها الشرابية وزينهم ومنطقة حكر أبودومة، وشملت عينة الدراسة نحو 6 آلاف أسرة 25.6% منها تعيلها النساء، بسبب مرض وإعاقة الزوج، فيما شكل الأزواج المسجونون سبباً آخر لإعالة المرأة بنسبة بلغت 23% ‏ فضلاً عن أسباب أخرى تتعلق بالهجر والانصراف لزواج آخر، ورفض الإنفاق على الأسرة‏.‏

كان اللافت للنظر أن نحو نصف عينة البحث، أكدت عدم وجود أي جهات حكومية أو أهلية تقدم لهن أي نوع من الخدمات، على الرغم من وجود جهات كثيرة تزعم ذلك‏ في مصر، وهو ما يفسر إلى حد كبير غياب دور منظمات المجتمع المدني، واقتصار مفهوم الخدمات على مساعدات مادية أو عينية مباشرة، دون النظر إلى الخدمات الأخرى التي يمكن أن تحسن ظروف حياة هؤلاء النساء، سواء في مجال التعليم أو محو الأمية، أو الرعاية الصحية‏ فضلاً عن برامج التأهيل والتدريب للحصول على عمل‏.

مجلة كل الأسرة

كيف تواجه المرأة المعيلة أعباء الحياة؟

غياب الرعاية المجتمعية للنساء المعيلات في مصر، دفعهن إلى الاعتماد على أنفسهن بشكل كامل، دون انتظار مساعدة من أحد، ولأن معظمهن لم يحصلن على شهادة علمية وكثيرات منهن لا يجدن القراءة والكتابة، بات الحل في النزول إلى الأسواق لبيع الخضروات والفاكهة، أو بيع الخبز والملابس البسيطة، وتحكي «م.س» وهي أم لثلاثة أبناء قصتها الدرامية مع زوجها الذي سافر إلى الخارج منذ أكثر من عشرة أعوام، ولا تعرف عنه أي شيء، فقد انقطعت أخباره تماماًَ، وفشلت كل المحاولات التي بذلت في الوصول إليه، وهي تعترف بقسوة الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي مرت بها، وتقول: القيام بدور الأب والأم داخل الأسرة أمر غاية في الصعوبة، خاصةً في ظل ارتفاع الأسعار، والغلاء المتفشي في كافة نواحي الحياة، وتضيف: تمكنت بمساعدة أسرتي من توفير مبلغ من المال اعتمدت عليه في تجارة الألبان و«الجبن»، وغيرهما من البضائع البسيطة، ومن دخله أنفق على أبنائي، وعلى الرغم من قدرتي على الوفاء باحتياجات أبنائي المادية، إلا أنني أعترف أني أجد صعوبةً بالغة في تربيتهم وتوجيههم، خاصة أن الأبناء في سن معينة، يحتاجون إلى وجود الأب كي يحميهم من المخاطر المحيطة بهم، ولذلك فأنا أضاعف جهدي في التربية، كي أقوم بدور الأب والأم معاً متحملةً من الضغوط ما لا يستطيع الرجال تحمله.

تتضاعف معاناة المرأة المعيلة في حال مرض الزوج، فحينها ستكون مطالبة بالإنفاق على الأبناء وتكاليف علاج الزوج، خاصة إذا كان مصابا بمرض مزمن، كما هو الحال بالنسبة لـ«أ.م» التي تملك مرض التهاب الكبد من زوجها، وتقول: مع بداية مرض زوجي كان الأهل والأصدقاء يساعدوننا في تلك المحنة، لكن المرض طال ولم يعد أحد يسأل عنا، ولم يعد راتب زوجي يكفي تكاليف علاجه، فشعرت بالخطر الذي يهدد كيان أسرتي، فأبنائي في مختلف مراحل التعليم، ولكل واحدٍ منهم احتياجاته، وهنا فكرت في الخروج للعمل على الرغم من أنني لا أجيد أي مهنة.

لم تكن رحلة البحث عن عمل لامرأة في مثل ظروفها أمراً سهلاً، خاصة أنها لا تملك أي خبرات في العمل، وتقول «أ.م»: كانت معظم الوظائف تشترط الخبرة إضافة إلى صغر السن، مما جعلني ألجأ إلى استغلال مبلغ من المال كنا قد وفرناه للمستقبل، وقمت بشراء كميات من الفاكهة والخضراوات لأبيعها في السوق، وبعد رحلة العذاب اليومية أعود لأبنائي وزوجي كي أقوم بدوري كربة بيت وزوجة وأم، ولا أستطيع أن أصف حجم المعاناة اليومية التي أعيشها، لكنني أشعر أحياناً باقتراب الناس منا، حيث يحرصون على زيارتنا والسؤال عنا ومعرفة احتياجاتنا، كما كان الحال في بداية مرض زوجي، وبصفة عامة فمن أجل أسرتي ومستقبل أبنائي يمكنني تحمل كل شيء.

مجلة كل الأسرة

المرأة المعيلة وتحديات تربية الأبناء

على الرغم من المشاق التي تتحملها المرأة المعيلة، فالنجاح ليس حليفها دائماً في تربية الأبناء، وتروي «و.ف» وهي أم لستة أبناء قصتها الدامية وتقول: فجأة دون أي مبررات توقف زوجها عن العمل، في مهنته وكان يعمل «سباكا» واكتفى بالجلوس على المقاهي وتعاطى المخدرات، قبل أن يهرب من البيت ولم نعد نعرف له طريقاً، وتضيف «و.ف»: اضطررت إلى بيع كل ممتلكاتي للإنفاق على الأسرة، فأشار علي والدي بالحصول على قرض من بنك التنمية والائتمان لنقوم بتجارة الحبوب، ومع مرور الأيام زاد حجم مسؤوليات الأبناء وزادت تكلفة الحياة، وزاد حجم المعاناة التي أعيش فيها أنا وأبنائي، ونحن نرى الآباء حولنا لا هم لهم سوى توفير حياة كريمة لزوجاتهم وأبنائهم، ويقدمون لهم قدوة حسنة. لم تتوقف الدراما التي تعيشها «و.ف» عند هذا الحد، لكنها امتدت لتطال أبناءها، «فابنتها الكبرى ترفض كل من يتقدم لخطبتها خوفاً من أن يكون مثل أبيها، أما ابنها الأكبر فقد فشل في دراسته وجلس هو الآخر في البيت لتزداد خيبة أملها، وتزداد معاناتها ولتصبح فريسة لكل الأمراض العضوية والنفسية، فأنا لم أقصر مع أحد منهم وأخشى أن يكون مصير الأطفال الصغار هو نفس مصير الكبار، حينها سأتمنى الموت لأني لم أدخر جهداً لإسعادهم بينما هم لم يبذلوا أي جهد لإسعادي».

مجلة كل الأسرة

الضغوط النفسية على المرأة المعيلة

يثبت الواقع الاجتماعي أن المرأة المعيلة تكون عرضة للأمراض، نتيجة ما تعانيه من ضغوط نفسية، وتقول دراسة لوزارة الصحة المصرية إن نحو ‏%20‏ من النساء المعيلات يعانين من أمراض مختلفة، وأن المرأة المعيلة ذات المسؤولية الكاملة عن أسرتها، هي الأكثر تعرضاً للإصابة بالأمراض النفسية، مثل القلق واعتلال المزاج المصاحب لأعراض الاكتئاب‏، حيث تصاب به ‏%25‏ من النساء المعيلات في حين لا تتجاوز نسبة إصابة الرجل المعيل عن ‏%15 والسبب هو تزايد العبء على المرأة في الآونة الأخيرة، بعد زيادة مسؤوليتها في محيط الأسرة، نتيجة سفر الزوج أو الهجرة أو الطلاق، أو في ظل وجوده السلبي داخل أسرته‏،‏ تاركا لها المسؤولية الكاملة في إدارة البيت، وتربية الأبناء والإنفاق على الأسرة أحياناً.

ومن الأسباب الرئيسية لتعرض المرأة المعيلة للأمراض النفسية أنها في سباق دائم لإثبات كفاءتها في المجالات المختلفة‏، كما أن نظرة المجتمع التي تقلل من قيمة المرأة تجعلها في محاولة مستمرة لتصحيح هذه النظرة، بالارتقاء بمستوى أدائها في العمل والبيت، مشيراً إلى خطأ شائع تقع فيه المرأة التي تتولي مسؤولية الأسرة وحدها‏ وهو الديكتاتورية المطلقة، لأنها غالباً ما تقوم بتنحية جميع أفراد أسرتها جانباً، وتقوم بمفردها بقيادة شؤون الأسرة‏، وتتخذ كل القرارات دون مشورة أحد منهم‏ مما ينعكس سلباً على الأبناء، ‏ حيث تفاجأ بهم عندما يكبرون يتخذون قرارات ليست صائبة فتصاب هذه الأم بالإحباط وينتابها شعور بأنها ضيعت عمرها هباء.

مجلة كل الأسرة

من هي المرأة المعيلة؟

وتعرف المرأة المعيلة بأنها المرأة المعيلة لنفسها أو المرأة التي فقدت زوجها، فهي إما أرملة أو مطلقة أو مهجورة، وربما كان الزوج موجوداً لكنه إما مريض أو عاجز عن العمل، وبالتالي عن الإنفاق، الذي هو مسؤولية الرجل تجاه المرأة، وهو أيضاً حق المرأة على زوجها، وقد يكون الزوج قادراً على الإنفاق ولكنه بخيل إلى درجة أنه لا يوفر لزوجته الموارد الضرورية اللازمة لها، وبالتالي تضطر المرأة للعمل من أجل إشباع الحاجات الإنسانية الأولى.

وقد تكون المرأة المعيلة لنفسها هي سيدة غير متزوجة، وجعلتها الظروف تلجأ للعمل بعد أن فقدت المعيل «الأب أو الأخ»، أو ربما تعيش أزمة مالية خانقة تضطرها للعمل من أجل القوت، وبسبب كثرة عدد النساء اللاتي يتولين مسألة إعالة أسرهن، فإن صورة الأسرة الأحادية التي يعيلها طرف واحد ستكون ظاهرة واضحة في المجتمع، وإذا علمنا أن 70% من الأسر الأحادية في العالم تديرها نساء و30% فقط يديرها رجال (أرمل، مطلق، غير متزوج) سوف ندرك خطورة هذه الظاهرة الآخذة في الاتساع داخل المجتمع العربي.

اقرأ أيضاً:

- الضغط النفسي: متى يكون مفيداً ومتى يتحول إلى ضغط مزمن؟
- هل يهدد الصمت صحة المرأة؟ «الفضفضة» قد تكون سر العمر الأطول
- الصحة النفسية والزواج: كيف تؤثر الاضطرابات النفسية على العلاقة الزوجية واستقرار الأسرة؟