هل يكذب طفلك عند سؤاله عن خطأ ارتكبه أو عن بعض مشاجراته مع أصدقائه وزملائه أو عن ضياع إحدى لعبه أو شيء مكسور أو شيء مفقود؟ هل يكذب بشأن الواجب المدرسي؟ هل يكذب على مدرساته؟ هل صدقته كثيراً وأنت لا تتخيلين أنه يكذب ثم اكتشفت كذب كلامه؟ هل نسج لك من وحي خياله حكاية مشوقة وبعدها اكتشفت أن كل ما قاله لم يحدث؟ أنت لست وحدك فالكثير من الأمهات والآباء يعانون من كذب الأبناء.
ورغم أن شكوى (ابني كذاب) من أكثر المشكلات التي تؤرق الآباء والأمهات، وتجعلهم يلجؤون للعنف والقسوة في تربية أبنائهم، إلا أن دوافع هذه المشكلة تختلف باختلاف الظروف المحيطة بالابن وتدفعه إلى الكذب لكن هذه الشكوى قد تظل مستمرة مع الابن لفترات طويلة حتى تصير عنده أسلوب حياة.
ولأن الكثير من الأمهات يحترن في التعامل مع الابن الكذاب، وخاصة إذا كان الطفل الأول، إذ لا يمتلكن معلومات أو خبرة كافية حول تربية أبنائهن بشكل سليم عرضت «كل الأسرة» شكاوى الأمهات المستمرة حول أطفالهن الذين يأخذون الكذب كسلوك لهم في التعامل وكان هذا التحقيق..
أسباب الكذب عند الأطفال وسيكولوجية الكذب في الأعمار المختلفة
الكذب في سن 4-5 سنوات يدل على اتساع الخيال وخصوبته عند الأطفال والكذب يكون نتيجة اختلاط الخيال بالواقع وفي هذه السن يجب الالتفات إلى الأمر وتقويمه لكن بلا مبالغة أو تهويل والأهم البعد عن القسوة والعنف مع الطفل إطلاقاً، لأن هذه الفئة العمرية ليس لديها شعور بمسؤولية وضرورة قول الحقيقة لأن الأطفال في السن الصغيرة يكون خيالهم واسعا ويستخدمونه كثيراً في حياتهم ولا يستطيعون التفرقة بين الحقيقة والخيال.
ويجب على الأبوين أن يعرفا أن الكذب عند الأطفال هو سلوك مكتسب من البيئة المحيطة كالأسرة وبعض الأطفال يبدأ الأمر لديهم بالتقليد للمربين نتيجة ملاحظته لكذب أو مبالغة أحد أبويه في رواية واقعة ما، فيتخيل أنه سلوك عادي وهنا دائماً نؤكد أهمية أن يكون المربي قدوة حسنة للطفل لتجنب ظهور مشكلة الكذب عند الأطفال.
كما أن حرص الأبوين ومبالغتهما في التأكيد على أبنائهم على الصدق ومراقبة جميع تصرفاتهم ومحاسبتهم الشديدة لهم على كل صغيرة وكبيرة بأسلوب صارم مما يعكس ذلك على نفسية الطفل فينتج عنه أحياناً رد فعل معاكس يسهم في ظهور أسباب الكذب عند الأطفال.
ويحذر أستاذ التربية من الخلافات الزوجية أمام الأبناء، فهي من أكثر الأمور التي تعود بالسلب على الأطفال بالذات في السن الصغيرة حيث يتم إشراك الأطفال في النزاعات الأسرية التي تسببت في بعض الأحيان في مشكلات نفسية للأطفال أدت إلى سوء سلوكهم وكذبهم.
والأمر يختلف كثيراً في فترة المراهقة التي تتميز بمرحلة الدخول في عالم من الغموض نسبياً، وبالتالي فإن المراهق يرغب في بعض الخصوصية والأسرار التي يجب احترامها وهذا جزء من بناء استقلاليته، فالمراهقون ولكي يكتسبوا استقلاليتهم يحتاجون إلى الهروب من سيطرة أهلهم، وبالتالي فإنه بدءا من سن 12-13 سنة تظهر علامات الكذب والأسرار بهدف اكتساب مساحة من الحرية وهنا يكون الكذب وسيلة لإخفاء الأسرار.
دور التربية الإيجابية والقدوة في تعديل سلوك الأطفال
الكذب إحدى الخصال التي تنتشر بشكل كبير بين الأطفال في المراحل العمرية المبكرة وتبلغ ذروتها في عمر من أربع إلى ثماني سنوات، وعلى الرغم من أن الأطفال يولدون على الفطرة النقية ويتعلمون الصدق والأمانة شيئاً فشيئاً من البيئة إذا كان المحيطون بهم يراعون الصدق في أقوالهم ووعودهم، إلا أنهم في بعض المراحل العمرية المبكرة لا يستطيعون التفرقة بين الحقيقة والخيال ولا يرون في الكذب تلك البشاعة التي نراها نحن الكبار فهو مجرد طفل واسع الخيال.
لذلك يجب التعامل مع الطفل الذي يكذب في سن صغيرة بكثير من الهدوء، وأن يتم مناقشة الأمر معه وتوضيح معنى الكذب والتأكيد أنه سلوك سيئ ومرفوض وشرح الآثار السلبية له وتأكيد الآثار الإيجابية حتى يفرق الطفل بين الصدق والكذب وبين حصاد كل منهما، ليكون ذلك خطوة أساسية في تعديل سلوك الأطفال.
ومطلوب من الأسر تهيئة مناخ صحي سليم يستطيع الطفل من خلاله اكتساب السلوكيات الأخلاقية الطيبة وهذا يتأتى عن طريق احترام الكبار للقيم الإسلامية والالتزام بها.
ومن ثم فعلى الأسرة التي يميل أحد أبنائها للكذب أن يتخلص أفرادها أولاً من هذا السلوك، وإذا وقع أحدهم أمامه فيه فلا بد أن يتراجع على الفور ويحاول أن يشعر الطفل بمدى ندمه وإحساسه بالذنب. ويرى أنه من الأفضل للمربي أن يتبع مع الطفل الذي يكذب أسلوب النصيحة أولًا ويكون من الأفضل عن طريق سرد القصص التي تبين عواقب الكذب وأهمية الصدق، لأن هذا الأسلوب أكثر قرباً إلى الأطفال وهذا ما يجب أيضا اتباعه في المدرسة حتى يتم التمكن تدريجياً من علاج الكذب عند الأطفال ومواجهة هذه الآفة لدى الطفل.
الدوافع النفسية وراء كذب الأطفال والمراهقين
أحد أهم أسباب تفشي هذه الآفة هو غياب القدوة في حياة الأبناء حيث وجدوا أغلب من حولهم يكذبون ومن ثم استهانوا بقيمة الصدق، وهذا يعد مؤشراً عظيم الخطورة لأن الأسرة فقدت أهم أدوارها وهو أن تكون البيئة التربوية الصالحة التي تخرج للمجتمع أفرادا صالحين، ويقول: يجب على الأبوين أن يكونوا قدوة حسنة لأولادهم في هذا الأمر، فالابن يجد أمه تكذب على الأب على مرأى ومسمع منه، حتى لو في أمور بسيطة، بل إن بعض الأمهات تطالب ابنها بالكذب على الآخرين. كل ذلك يجعل الابن لا يجد ضراوة في فعل ذلك دون أدنى شعور بمدى الجرم الذي يرتكبه في المستقبل، فكل ذلك عندما يحدث على مرأى ومسمع من الصغار لا يجدون بعد ذلك أي غضاضة من محاكاته، ولو على طريقتهم.
كما أن بعض الأطفال يلجؤون للكذب حال خوفهم من العقاب أو التوبيخ، خصوصاً إذا كانت شدة العقاب لا تتناسب مع ما يتطلبه الموقف، فيكذب الطفل للدفاع عن نفسه وحمايتها.
ويرى استشاريوا الطب النفسي أن حرمان الأبناء من العطف والحب والحنان من أبرز دوافع الكذب عند الأطفال والمراهقين أيضاً، حيث يؤدي ذلك للثأر من آبائهم عبر الكذب، وذلك للفت النظر لهم، فالكذب لدى الأبناء في سن الطفولة والمراهقة هو عرض لمرض، ودليل على احتياجٍ ما يفتقده الابن، خاصة أن الكثير من الآباء والأمهات يفشل في تحقيق المعادلة الصعبة بين محاولة إشباع أولادهم بالحب والصداقة مع الحزم في المعاملة وعدم التدليل الزائد.
اتجاه بعض الآباء والأمهات إلى عقاب أولادهم على أي سلوكيات مرفوضة بالحرمان المادي (وقطع المصروف) الذي يعطيه الآباء للأبناء أو تقليله، مشيراً إلى أن العواقب قد تكون وقتها وخيمة لكن في الوقت نفسه يجب على الآباء عدم تجاهل المشكلة وأسبابها، فمعرفة سبب الكذب يعتبر نصف العلاج، ويجب تجربة الكثير من الوسائل العلاجية النفسية لهذا الداء، وفي حالة الفشل فلا بد هنا من عرضه على طبيب متخصص، لأنه كلما زادت مدة الكذب تتحول لعادة ويكون من الصعب في المستقبل التخلص منها.
خطة عمل وتوصيات لعلاج الكذب عند الأطفال
وحول العلاج الأمثل لهذا السلوك عند الأبناء: يجب أولاً التمهل في اتهام الطفل بالكذب قبل التأكد بشكل قاطع، حتى لا تتعود أذنه على كلمة (كذاب) فإطلاق الصفة وسماعها بشكل مستمر تجعله لا يبالي بارتكابها.
لكن يجب أيضاً على الأبوين أن يواجها الأمر وألا يتهربا منه، وأن يوضحا للطفل العواقب الخطيرة لهذا الأمر، دون تعنيفه مطلقاً، لأن الضرب والقسوة قد تزيد الحالة سوءا وتؤدي لعواقب وخيمة ولا تفيد في علاج الكذب عند الأطفال.
ومن المهم أيضاً أن نعود الطفل على الصراحة وألا يخاف مهما كان حجم الخطأ الذي ارتكبه لأن الطفل يندفع للكذب في بعض الأحيان خوفا من الضرب، والصراحة مع الطفل حول السبب الذي دعاه للكذب، وإخباره بأنه إن اعترف بخطئه لن يعاقب يؤدي إلى نتائج إيجابية في إطار التربية الإيجابية.
كما يجب أن نعلم أطفالنا أنه لا يوجد كذب أبيض أو كذب أسود أو يوم يخصص في العام للكذب، وإنما الكذب كله واحد وهو سلوك سيئ. وفي فترة المراهقة ينبغي أن يتوقف الأهل عن استجواب الابن بشكل قاس، فدفاعه عن نفسه بشكل عنيف إلى درجة حدوث شجار بينه وبينهم، يجعل المراهق أحياناً يبحث عن الوسيلة المثلى لجعل كذبه أكثر احترافية، ليتفادى العقوبات التي قد تكون قاسية وفي غير محلها. والأفضل للأبوين أن يتحاورا مع المراهق بشكل هادئ، ويتحريا منه عن الدافع وراء كذبه، بدلاً من الصدام العنيف المتبادل بين الطرفين.
ومن ضمن الدوافع القوية التي تدفع الأبناء للإصابة بداء الكذب في السن الصغيرة، الغيرة بين الإخوة والأخوات، وعدم المساواة بينهم، فحينما يكون لدى الأهل طفل مدلل بشكل أكثر من الآخر، أو مفضل عنه.. فيلجأ الطفل للكذب تعبيراً عن الغيرة وعدم الشعور بالاهتمام حتى يلفت نظرهم ويلتفتوا للاهتمام بمشكلته ثم الاهتمام به ومراعاته، أو حتى يكتفي من كذبه بعقابهم على إهماله، فيكذب ويفتري عليهم للانتقام منهم.
ويطالب استشاريو الطب النفسي الآباء والأمهات بضرورة عقد جلسات حب وحوار مع الأبناء، نمنحهم فيها الأمان فالكلام معاك ونكون فيها مستمعين جيدين.. وحينها نتكلم معه بنبرة صوت مليئة بالحب والمودة ونخبره ونعلمه أن الناس كلها تخطئ ولكن المهم من يعترف بخطئه ويعتذر عنه، ودائماً نشجعه ونمدحه لنعطيه ثقة بنفسه لنجاح عملية تعديل سلوك الأطفال.
اقرأ أيضاً:
- كيف تحبب طفلك بالطعام؟ نصائح فعالة للتعامل مع الطفل صعب الإرضاء
- كيف نربي أطفالنا على التسامح دون التنازل عن حقوقهم؟
- المضادات الحيوية للأطفال: متى تكون مفيدة ومتى تصبح خطراً؟
- لماذا لا يفرح الأطفال بالهدايا؟ أخطاء تربوية تفسد قيمة الهدية عند الأبناء
