05 يوليو 2026

بخل الأب بين التقتير المادي والجفاف العاطفي.. كيف يدفع الأبناء ثمن الحرمان؟

محررة في مجلة كل الأسرة

مجلة كل الأسرة

عندما يتخلى بعض الآباء عن مهمتهم الأولى في الحياة والمقدمة على غيرها في إسعاد أبنائهم وأفراد أسرهم تتساقط العديد من المعاني الجميلة التي تضيف على حياة الأبناء مزيجاً من السعادة والامتنان بل والاحترام أيضاً للأب، وهو الذي يمثل حضوره المعنوي والعاطفي قبل المادي عنصر استقرار للأسرة. ولا يغيب عن ذاكرة الزوجة أو الأبناء بخل الأب بشقيه المادي والعاطفي، والذي إن حدث يخلف وراءه العديد من الجروح والندوب التي لا شفاء منها في الصغر أو حتى الكبر والأخطر أن الأمر يتحول لكرة من الثلج تنتقل من جيل إلى آخر فيما يشبه لعنة لا نهاية لها.

عندما يختل الميزان وتغيب الفطرة التي خلق الله البشر عليها.. تحت دعاوى تأمين المستقبل أو الخوف من الغد عندها يسقط الأبناء في شباك الحرمان من الاستقرار والشعور بالنقص والدونية أمام الآخرين، ومعها يفقدون الثقة بالنفس ويشعرون بفروقات ربما لا يشفون منها حتى وإن تغيرت الأحوال، وهو ما يثير التساؤل هل البخل المادي أو العاطفي هو عادة مكتسبة! أم هو حالة مرضية! هذا ما سيجيب عنه التحقيق التالي:

محمد حنفي «متزوج وأب لثلاثة أبناء» البخل وغيره من الصفات المذمومة سببها أمراض اجتماعية ووراثية، كالحرمان في الصغر وربما يعود لأسباب أخرى تتعلق بالقناعة الشخصية التي تؤثر سلباً في الشخص نفسه وفي الآخرين، الغنى لا يقاس بمقدار المال بل بحجم الإنفاق لكن يجب أن تكون له ضوابط تتناسب مع الدخل والاحتياجات أي أن يكون واقعياً غير مبذر، التوسعة في الإنفاق على الأبناء مطلوبة، وهي أمر واجب على ألا تصل إلى حد التبذير والإسراف، ولا يمكن تفسير الاقتصاد على أنه بخل لمن يحاول أن يوازن بين مدخوله واحتياجاته الأساسية حتى لا تعود عليه بالآثار السلبية مستقبلاً، أما البخل العاطفي فقد يكون سببه عدم القدرة على التعبير «كوني أباً لا يجيد التعبير عن العواطف فإني أجد أن توفير متطلبات الحياة المناسبة وتوفير سبل العيش الرغيد هي طريقتي للتعبير عن اهتمامي وعاطفتي لأبنائي».

أنانية الآباء والبخل العاطفي.. كيف يفقد الأبناء الشعور بالأمان؟

يرى خالد عبدالبديع «متزوج وأب لطفلين» أن البخل المادي حالة مرضية قد يكون سببها الخوف من المستقبل.. لكن هل يضمن الشخص البخيل أن يعيش للغد! والبخل العاطفي له أسباب عديدة كالتنشئة والبيت وطبيعة العلاقة بين الزوجين فإذا ما انعدم التوافق النفسي بينهما انعكس الأمر سلبياً على الأبناء، وكذلك الأنانية التي يتميز بها بعض الآباء فمن خلال مشاهداتي لاحظت بعض الآباء يقضي بقية يومه في المقهى أو مع الأصدقاء عقب انتهائه من العمل تاركاً زوجته وأبناءه ليكون البيت بالنسبة له مكاناً للنوم فقط، ولا يوجد في جدوله اليومي وقت يقضيه مع أولاده يتابع فيه مشكلاتهم واحتياجاتهم العاطفية فتنعكس هذه الصورة في المستقبل ليجد نفسه وحيداً من دون اهتمام ورعاية من الأبناء.

هل البخل المادي والعاطفي سلوك مكتسب يصعب تغييره؟

ضمياء عبدالمنعم «متزوجة وأم لطفلين» البخل بنوعيه يكون سببه البيئة التي تربى وولد فيها الشخص، فإذا كان البخل حالة تتصف بها العائلة من الطبيعي أن تنتقل هذه الصفة السيئة إلى الأبناء، وهذا النوع من الصعب تغييره، فبعض الآباء يعتقد أن الإنفاق في بعض الأمور ليس ضرورياً خوفاً من أن يهدر ماله، وهو هنا يحافظ على أمواله لكن في الوقت نفسه يحرم أبناءه من أشياء كثيرة قد تكون السبب في سعادتهم، ولا شك أن هذا النوع من الآباء ممن افتقد للحنان والاحتواء العاطفي ينعكس هذا السلوك لا إرادياً على تصرفاته فلا يمكنه أن يمنح ما افتقده «ففاقد الشيء لا يعطيه».

مجلة كل الأسرة

أنواع البخل عند الآباء وتأثيرها في الأبناء والأسرة

شيخة المرزوقي، البخل في الأشخاص درجات مختلفة فهناك آباء ينفقون على أنفسهم ويسرفون في الإنفاق بينما هو بخيل مع الآخرين وأكثرهم بخلاً من يبخل على أبنائه وزوجته بحجة أنه يربيهم على الاعتماد على النفس من أجل مواجهة صعوبات الحياة، فهو عذر غير مقبول، والبعض الآخر يفسر بخله على أبنائه بحجة المساواة والعدل فهو يوهمهم بعدم قدرته على الإنفاق على الجميع بالقدر نفسه، على عكس الأم التي تغرق أبناءها بفيض عاطفتها وتمنحهم كل ما تملك حتى لا يشعرون بالنقص والحاجة.

العلاقة بين الأب والأبناء.. لماذا تبقى الأم مصدر الحنان الأول؟

محمد السيد، تتأثر علاقة الأب بأبنائه من ناحية الإنفاق بقدرته وطريقته وتأثير الظروف التي تحيط به فهو لا يبخل على أبنائه إلا إذا كانت حالته المادية لا تسمح له، والعلاقة العاطفية بين الأب والأبناء تتأثر بطبيعة العلاقة التي تربط الأب بالأم العلاقة المتوترة داخل محيط الأسرة تنعكس بشكل سلبي على الأبناء فيحرمهم من عطفه وحنانه مما يفقد التواصل أو أن يكون بخله لأسباب أخرى قد تكون نفسية واجتماعية، على عكس الأم التي لا تتأثر علاقتها بأبنائها حتى في أصعب الظروف «فهي منبع الحب والحنان» وبالتالي يكون الأبناء أكثر ميلاً في علاقتهم للأم. يذكر المسيح معاناة إحدى الأسر التي تربطه بهم علاقة قرابة، عانى أبناؤهم من بخل الأب المادي والعاطفي كونه شخصاً يعاني من الإدمان الذي أثر في قدرته المادية واتزانه الفكري مسبباً لهم المعاناة والإهمال والإحراج فهو بالنسبة لهم مبعث للخجل عوضاً أن يكون مصدراً للفخر أمام الآخرين.

الإهمال العاطفي للأبناء وأثره في الصحة النفسية والثقة بالنفس

ومن خلال إطلاعه على الكثير من الحالات يقول د. الشافعي عبدالرحمن، البخل صفة ذميمة مكروهة من قبل الجميع، وهو لا يقتصر على الجانب المادي فقط بل هناك البخل في النواحي العاطفية وفي المشاعر، الإنسان المتصف به متمحور على نفسه لا يهتم بالآخرين فينسحب الأمر على تربية الأبناء نتيجة لإهمالهم.

ويذكر معاناة زوجة وأبنائها بسبب بخل الأب وعدم الإنفاق على الأبناء وإهمال متطلباتهم واحتياجاتهم وتوفير الأشياء الضرورية للمنزل، سواء كان ذلك مأكلاً أو ملبساً أو أثاثاً ضرورية، على الرغم من قدرة الأب المالية متبعاً سياسة التقتير على أسرته في الوقت الذي يسرف في الإنفاق على نفسه ويحرم أبناءه من أبسط متطلباتهم مما نتج عنه نوع من الحقد تجاه الأب بسبب معاناتهم، وعجز الأم عن تلبية متطلبات أبنائها وهو ما أدى لإحساسهم بالنقص والتفاوت المعيشي بيهم وبين أصدقائهم وزملائهم في المدرسة.

يشير عبدالرحمن إلى معاناة أم يعاني ولدها الإدمان ونتيجة لإساءة الأب معاملته وضربه تشكل بينهم حاجز نفسي لدى الابن نتيجة لافتقاده العطف والحنان. يضيف: فضلت الأم عدم اطلاع الأب على المشكلة مكتفية بالمساعدة من الأقارب لحل المشكلة خوفاً من تصرف الأب الذي من الممكن أن يتسبب لابنه بالفضيحة في حال أخبرته بالمشكلة.

الحرمان العاطفي بين الأجيال.. كيف تنتقل دائرة الإهمال من الآباء إلى الأبناء؟

يقول د. خالد عبدالحميد: «إن بخل الأب المادي وتأثيره على الأبناء له تأثير في الناحية الصحية للأبناء لكن للبخل العاطفي تأثيراً أكبر فقد أثبتت الدراسات أن ما يدعى بـالإساءة والإهمال العاطفي أكثر تأثيراً من الإساءة الجسدية، وتشير الدراسات إلى أن أسبابه تعود إلى ما يعرف بالحلقة المفرغة للإهمال والإساءة «الأب المهمل من قبل والديه يكمل ما بدأوا به فيهمل ويسيء إلى أبنائه»، كذلك الأمراض النفسية التي قد يصاب بها بعض الآباء كالاكتئاب الذي يسبب فقدان الطاقة وعدم القدرة على الاهتمام بالطفل وتلبية احتياجاته المادية والعاطفية التي تؤثر فيه سلباً في المستقبل، وهو ما ينتج عنه اضطرابات في الشخصية، وانعدام الثقة بالنفس والنظرة للذات نظرة دونية كونه عالة على الأسرة والمجتمع وبالتالي تكون جميع القرارات والتصرفات التي يتخذها مرتبطة بالعاطفة أكثر منها استخداماً للعقل والمنطق مما يوقعه في مشكلات قانونية مع الآخرين.

ويضيف: العاطفة حاجة إنسانية لكن الصغار أكثر حاجة لها خاصة في مرحلة النمو من الناحية الجسدية والنفسية والاجتماعية، ويؤكد علم النفس أن السنوات الخمس الأولى هي من أهم مراحل تكوين شخصية الطفل ورابطة الأبناء بوالديهم تمتد منها عبوراً إلى مرحلة المراهقة، والبخل والإهمال سواء كان مادياً أو عاطفياً تأثيره أكبر في هذه الفترة أكثر عن غيرها لكن ذلك لا ينفي امتداد تأثيره لباقي المراحل فقد ثبت علمياً أن الحرمان العاطفي يولد الإحساس بالنقص من خلال المقارنة مع الأصدقاء وزملاء المدرسة.

ويؤكد عبدالحميد: أن البخل هو أحد عيوب السلوك الاجتماعي المكتسب من البيئة، شخصية الإنسان تتأثر بما مر به من تجارب حرمان أو تصرفات وسلوكيات أثرت بها، علاقة الأبناء بالوالدين هي علاقة «تعلق» فتكون الأم بالنسبة لهم كرمز للحنان والأب هو مصدر الحماية والدعم المادي، عدم توفير الحاجات المادية والعاطفية تسبب له اضطراب في وظيفة التعلق وينسحب تأثيرها في المستقبل في علاقاته بما فيها علاقته مع أولاده وتأثيره في السلوك والصحة النفسية، والأب البخيل مادياً وعاطفياً هو على الأرجح كان يعاني بخل أبيه المادي والعاطفي».

مجلة كل الأسرة

البخل المادي والعاطفي تهديد مباشر للاستقرار الأسري والصحة النفسية

البخل هو من إحدى الحالات السلبية التي تعد سبباً في تهديد الاستقرار الأسري بنوعيه المادي والعاطفي تقول: د. سناء سالم «البخل المادي هو صفة تطلق على من يحب جمع المال ويرفض إنفاقه.. وعذره يكون دائماً الخوف من المستقبل وغالباً ما تكون مكتسبة نتيجة ظروف اجتماعية منها الحرمان والفقر والحاجة، إضافة إلى تأثير البيئة التي نشأ فيها الشخص المتصف بها كأن تكون مكتسبة من أحد الأبوين وأشخاص لهم تأثير كبير في حياته، والأشخاص المتصفون بالبخل يختلفون هناك شخص بخيل لكنه ينفق على نفسه بسخاء.. لكنه بخيل بالإنفاق على الآخرين، وأكثرهم بخلاً هو من يكون بخيلاً على نفسه وزوجته وأولاده فيسبب لهم شعوراً بالنقص والحرمان، وبالتالي يكون تأثير هذه الصفة أكثر في الأبناء من الزوجة.. حيث يفقدون بسببها الثقة بالنفس، ويشعرون بالفروقات بينهم وبين أقرانهم سواء على مستوى العائلة أو المدرسة مع إحساسهم بالحرج أمام الأقارب والأصدقاء والجيران بسبب معاناتهم المستمرة للتفاوت المعيشي فيما بينهم وفقدان الاحترام والثقة في الأب نتيجة تهاونه في الوفاء بمتطلباتهم المادية والمعيشية، وقد يدعي الزوج الفقر في بعض الأحيان بسبب طلبات الزوجة الكثيرة والجهل بطرق إدارة المنزل السليمة مما يشكل عبئاً مادياً كبيراً على كاهل الزوج».

تضيف «أما البخل العاطفي فهو النوع الأخطر والأكثر تأثيراً على الأبناء للطريقة الخاطئة التي يتبعها بعض الآباء في التربية معتقدين أن القسوة والشدة هي الطريقة الأمثل في تربية الأبناء وتقويمهم متناسين أهمية العاطفة وتأثيرها عليهم، والإغداق بالعاطفة على الأبناء يعتبر غير مقبول وإفساد لهم، حاجة الأبناء إلى عاطفة الأم والأب هي كحاجتهم إلى الغذاء في مختلف المستويات العمرية فهي مصدر قوة وثقة بالنسبة لهم، يسعى بعض الآباء وراء تحقيق إنجازات في مجالات العمل أو على الصعيد المادي وهو ما يأتي على حساب الأبناء متناسين حاجتهم لهم والحاجة إلى وجود التواصل والحوار والاحتواء، ليجد الأبناء طرقاً بديلة لإشباع احتياجهم العاطفي أو يصابون بالقلق والاكتئاب».