التربية على التسامح أمر دقيق جداً حيث إن الأشخاص يعيشون في حيرة من أمرهم حول منطق تربية الأطفال على التسامح والفاصل البسيط بين التسامح والانكسار، وكيفية نقل الأمور من واقع إلى آخر. إضافة إلى أهمية معنى التسامح والترددات الإيجابية الصادرة عنه في حياة كل من يعيش بحسبه.
في الواقع عزيزي القارئ يعتبر التسامح واحدة من إحدى الفضائل التي تحتاج إلى قلب كبير كي يتمكن الأشخاص العيش بحسبها. فمن يسامح لكنه يشعر بعدم الرضى نتيجة فعله يعني أنه خزن في داخله الكثير من السلبيات التي تنعكس عليه مع الوقت، وفي هذه الحال لا يمكن للتسامح أن يتأصل فيه.
بشكل عام ليست التربية بالأمر السهل فهي تبنى على مجموعة عوامل، مثل المشاهدة والمراقبة التي يقوم بها الأبناء إضافة إلى التلقين من خلال التربية اللفظية «افعل أو لا تفعل ذلك» ومن خلال شرح الأمور التي تحدث أمام الابن وتدريبه على التمييز بين الصح والخطأ. لكن عزيزي القارئ لا يمكن للأهل أن يطلبوا من أبنائهم أمراً لا يملكونه لأنه سوف يكون حجر عثرة في التربية ونقطة ضياع بين ما يقال للولد وبين ما يرى بعينه هو.
وهنا تنطبق مقولة «العلم في الصغر كالنقش في الحجر» فأي أمر نربي أبناءنا عليه يكون بمثابة زرع يحصد مسؤولية في سن الرشد. التسامح عند الأطفال والاعتذار هما المفاتيح الأساس للسعادة في حياة الأشخاص والتي تكون السبب في تحقيق السلام الداخلي. هذه الثنائية هي من أهم الأمور التي تبني العلاقات السليمة بين الأهل والأبناء وبين الأبناء وأصدقائهم لكنها أيضاً من المهمات الصعبة لدى الأهل لتعليمها لأبنائهم.
فأهمية أن نعلم ابننا الاعتذار أو التسامح هي من أسمى المهمات التي يمكن للأهل القيام بها. فالابن الذي يستطيع الاعتذار هو الابن الذي يعرف أخطاءه ويتحمل مسؤولياته. وبالتالي يعمل الولد على تحسين مستوى حياته.
وفي هذه الحال يتعلم التعاطف مع الآخرين ويجعلهم يتمتعون بصحة نفسية وانفعالية جيدة. هذه الصحة النفسية للأطفال في الانفعالات لدى الأشخاص تحسن أداءهم اليومي وتساعدهم في تخطي العقبات البسيطة.
من المهم أن يشرح الأهل لأبنائهم المعنى الحقيقي للتسامح وبأن التسامح يعود بالخير على الطرفين: فالظالم يتعلم الاعتذار والتحرر من عقدة الذنب والمظلوم أو الضحية يتحرر من مشاعر الغضب ومن إمكانية تخزين الكراهية.
الأهم في كل ما يتعلق بالمسامحة هو أن نعطي أبناءنا المعلومات الصحيحة ونعلمهم كيفية المسامحة. وعلى الأهل قبل الأبناء معرفة أنه لا يقوم بفعل المسامحة إلا الإنسان القوي. ومنذ الطفولة المبكرة على الأهل أن يحثوا الأبناء على مفهوم المسامحة على الرغم من أنهم في هذه الأعمار الصغيرة لا يدركون حجم الإزعاج الذي يسببونه للآخرين، لكنهم مع الوقت سوف يفهمون أهمية المسامحة والآثار الإيجابية التي تنتج عنها.
من المفروض أن يبدأ الأبناء بتعلم الأشياء وتحديداً التسامح في المنزل ومن الأهل تحديداً. لذا فقبل أن نعلم الأطفال التسامح يجب أن نكون قدوة أمامهم. وبالتالي عندما أسامح أمام أبنائي وأشرح لهم الموقف يستطيع حينها الأبناء فهم أن كل الأشخاص يمكن أن يخطئوا وأكثر من مرة لكن الأهم أنهم يقومون بالاعتذار من الشخص الذين تسببوا بالإساءة إليه وهو بدوره يجب أن يسامح.
عزيزي القارئ من المهم التركيز على تعزيز الثقة بالنفس لدى الأطفال وعلى أهمية رسم الحدود ومعرفة التمييز بين التسامح والتنازل وبين التسامح وعدمه. لأن أي خطأ في هذا المجال قد يؤثر على ثقة الابن بنفسه وتحوله إلى شخص غير قادر على التمييز بين حقه وحق الآخرين ما يجعله في موقع المتخلي عن حقه دائماً أمام الآخرين.
وهذا الأمر قد يجعل الأشخاص يستغلون ذلك. منذ البداية يجب عدم إجبار الابن على الاعتذار أو المسامحة إنما دفعه للقيام بذلك حين يتطلب الأمر لحين يعتاد على هذا النمط من السلوك. فعندما يتحول الإنسان إلى شخص إيجابي يعرف ويقدر معنى الاعتذار والمسامحة يتحول إلى شخص ناضج ومنفتح.
أما من يقومون بأفعال مسامحة عن غير قناعة تجعلهم يعيشون مأساة نفسية لأن ما حصل سوف يبقى يدور في رأسهم وبالتالي لن يشعروا بصفاء النية تجاه الآخر. وقد بات معلوماً أن الشخص غير القادر على المسامحة يبقى أسير مشاعره السلبية ودوامة الإحباط التي لا تجرح إلا من يعيش فيها.