الخلافات بين الإخوة.. متى تكون طبيعية ومتى تكشف عن أخطاء تربوية داخل الأسرة؟
كشفت دراسة للمجلس القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية عن أن 69% من الإخوة والأخوات تحدث بينهم الخلافات بين الإخوة منذ الصغر وتستمر حتى بعد انفصال كل منهم لبناء أسرة مستقلة، حيث تأخذ العلاقة شكلاً متوتراً، أحياناً تكون طيبة وأحياناً في خصام وخلاف.
تناولت الدراسة بشكل مستفيض الأسباب والظروف التي تؤدي إلى انتشار العنف بين الأشقاء، مشيرة إلى أن العنف بين الإخوة أحد مظاهر العنف الأسري الذي يعاني منه أي مجتمع مثله مثل العنف ضد الأبناء والآباء أو ضد الأطفال.
وضعت الدراسة العديد من الأسئلة من بينها خصائص وطبيعة العلاقة بين الإخوة الذين يعانون من العنف والخصائص البيئية النفسية والاجتماعية والطبيعية المصاحبة لهذه العملية وقسمت الدراسة العنف إلى قسمين: عنف الأخوات، وعنف الإخوة وكشفت أن الخلافات بين الإخوة والأخوات تحدث بمعدل يصل إلى 69%. حيث قال 31% منهم إن الخلافات بينهم تحدث بشكل يكاد يكون مستمراً، والبعض قال تحدث قليلاً، وقال 42% إن أسباب الخلافات اختلاف وجهات النظر و32% منهم أرجعها إلى التمييز بين الأبناء، وقال الباقي إن الشجار والتدخل في الخلافات التي تحدث بين الآباء سبب الأزمة، وسألت عن صفات الأخوات المتعدى عليهن فكانت إجابة 44% منهن أخ قاس و31% قلن متردد و37% بخيل والباقي لسانه طويل وعصبي. وسألت الدراسة الإخوة الذين يتعدون على أخواتهن عن طبيعة العلاقة بينهما، الغالبية العظمى قالوا لا آخذ رأيها في أي مشكلات شخصية، ولا أجلس معها في أوقات الفراغ، ولا أتفسح معها ولا تتفق معي في المشكلات التي تواجهنا و(وعندما نتناقش في أي موضوع نختلف بسرعة).
وكشفت الدراسة عن أن 3.2% من الخلافات بين الإخوة تنتهي بالقتل، وأن الأخ الأوسط هو أكثر أفراد الأسرة تعرضاً للضرب والاعتداء، ثم بعد ذلك الأصغر ثم الأخ الأكبر، وأوضحت أن الطريقة الأمثل للتغلب على الخلافات التي تقع بين الإخوة هي التفاوض وسماع الكلام وتدخل طرف ثالث.
أما شعور من يقوم بالتعدي على أخيه أو أخته بعد الاعتداء فقال 50% منهم إنهم شعروا بالندم وقال 25% إنهم لم يشعروا بشيء و25% قالوا إنهم يشعرون بالارتياح. وأظهرت الدراسة جانباً من أسباب الاعتداء، حيث كشف عدد كبير من المبحوثين- خاصة من قام بالضرب- أنهم جنوا عائداً إيجابياً من وراء فعلتهم، تمثل في انصياع الأخ أو الأخت لأوامرهم، في حين تعرض البعض لمقاطعة الأهل.
وضعت «كل الأسرة» كل هذه النتائج التي توصلت لها الدراسة على مئة عدد من أساتذة علم الاجتماع والطب النفسي والعلاقات الأسرية والتربية، وسألتهم حول العلاقات الأسرية بين الإخوة والأخوات لماذا تتدهور؟ وكيف يمكن للأسرة أن تربي أولادها بما يضمن لهما الود فيما بينهم؟ وما دور الأبوين في ذلك؟
التمييز مرفوض
في البداية يؤكد الدكتور أيمن المصري، أن حدوث بعض مشاجرات الأبناء بين الإخوة في السن الصغيرة أو حتى عند الكبر والاستقلال في حياة منفصلة أمر بديهي، وهي موجودة في كل منزل وفي كل أسرة، ولا ينبغي القلق منها لكن المشكلة في هذه الخلافات عندما يتطور الأمر إلى قطيعة أو عنف أو قد تصل في بعض الأحيان إلى قتل. ويرجع المصري الكثير من الخلافات والمشكلات بين الإخوة إلى التمييز بين الأبناء وعدم العدالة والمساواة بين الأبناء وهي خطيئة كبرى ومشكلة يقع فيها الكثير من الآباء والأمهات، سواء بشكل متعمد أو غير متعمد، ففي الوقت الذي ينبغي أن يكون الأطفال فيه سواسية في ميزان الآباء لا فضل لابن على آخر، فهم إخوة متساوون في نسبهم لأبيهم ولأمهم، نجد بعض الآباء والأمهات يهدرون هذا الحق ويميزون بين أولادهم كما يشاؤون.
ويقول: هم جميعاً أولادنا، ولا يوجد ما يبرر تمييز ولد على آخر، وهذه المساواة - كما تؤكد كافة الدراسات النفسية والتربوية والاجتماعية - وسيلة من وسائل الاستقرار النفسي للأولاد وللأسرة، فهي تعمق المحبة بين الأولاد وتضاعف من محبتهم للوالدين والبر بهما والإحسان إليهما، وينعكس أثر ذلك على علاقاتهم بالناس عامة بالمجتمع الكبير خارج نطاق الأسرة.
ويرى الدكتور أيمن المصري أن الأم عليها عامل كبير في حل الخلافات بين الأطفال التي تحدث بين أولادها فهي التي تدرك جيداً صفات وطباع كل منهم وإذا ما عالجت هذه الأمور الخلافية بحكمة ستستطيع حلها والقضاء عليها دون أن تترك رواسب في العلاقة بينهم، وتقوم الأم بسؤال كل طفل عن أفكاره في حل المشكلة وتساعده لإيجاد طرق بديلة عن الخلافات والمشكلات، مشيراً إلى أنه يجب على الأم أن تقوم بسؤال كل طفل عن رؤيته لحل المشكلة والتعلم لإيجاد حلول.
فروق في الطباع
أما الدكتورة غادة عبدالرحمن، خبيرة العلاقات الأسرية والزوجية، فترى أن الخلافات بين الإخوة تكون أحياناً بسبب وجود فارق كبير في العمر بينهما، حيث لا يتفهم الأخ الصغير تصرفات شقيقه الأكبر، أو حتى يمكن أن يتعامل الشقيق الأكبر مع الأصغر سناً بطريقة فوقية.
وتحذر عبدالرحمن الآباء والأمهات من التمييز بين الأبناء في الصغر، لما له من أثر كبير في سوء العلاقة بينهم في المستقبل، وتقول: مهما كانت دوافع بعض الآباء والأمهات إلى تفضيل أو تمييز ولد على باقي إخوانه وأخواته. ومن هنا جاءت التوجيهات الإسلامية بضرورة التسوية بين الأبناء في كل شيء وعدم حرمان بعضهم أو أحدهم من حقوقه الواجبة على الآباء، حتى ولو كان عاقاً وجاحداً.
وتشير استشاري العلاقات الأسرية إلى أنه في الكثير من الحالات عند الأطفال الذين تعرضوا للتمييز تبين أن مشاعر الضيق والحقد قد ترافقهم عند بلوغهم، وتنعكس على معاملتهم مع أبنائهم في المستقبل، وقد يعاني الطفل المفضل من نظرة إخوانه العدائية.
ولعلاج هذه المشكلات تقول الدكتورة غادة عبدالرحمن: لا بد للوالدين من قراءة نفسية الأبناء، كمحاولة لفهم دواخلهم ومعرفة احتياجاتهم وردود أفعالهم، ما يتطلب جهداً ودراية خاصة لترجمة مشاعر المحبة إلى سلوكيات وتصرفات.
المقارنات مستمرة
ومن جانبه أشار الدكتور معروف الشناوي، إلى إن الخلافات والمشكلات التي تحدث ما بين الأخوات شيء طبيعي، ويعد جزءاً من التطور الطبيعي للأطفال لتطوير شخصياتهم ومهاراتهم في التفاوض وحل المشكلات، لذا يجب على الأم أن تستثمر هذه المشكلات لتكوين مهارتهم الاجتماعية.
ويقول: لكننا في المقابل نحذر الأم تحديداً، لأنها الأكثر احتكاكاً وتعاملاً مع الأبناء، بأن تحقق العدل بين الأبناء والمساواة بين أولادها خاصة بين البنات وبعضهن والأولاد وبعضهم، مشيراً إلى أنه عندما ندقق النظر في الكثير من الجرائم الأسرية خاصة التي تحدث بين الأبناء والآباء أو بين الإخوة لوجدنا أن سببها الرئيسي هو عدم تحقيق العدل بين الأبناء والمساواة بينهم.
ويضيف: كثيراً ما ننبه الوالدين لضرورة المساواة بين أولادهم في كل شيء، في الطعام وفي الكلام والاهتمام وحتى النظرات والضحك والمداعبات، مؤكداً أن من المخاطر التي يسببها هذا التمييز انخفاض مستوى تحصيل الأبناء في المدارس، كما يؤدي إلى وجود حالة نفسية لدى الأطفال من الممكن أن تصل إلى درجة مرضية، إضافة إلى تأثيرات سلبية أخرى مثل العزلة والانطواء والشجار من دون سبب.
روشتة تربية
الدكتور محمد السيد، يشير إلى أن الإخوة في حالة مقارنة مستمرة فيما بينهم بكل ما يملك أحدهم من صفات عقلية أو عضلية أو شكلية، وهنا يبرز دور الوالدين، ومن أهم ما يمكن عمله هو الحرص التام على عدم وضع أي مقارنة بين الأبناء، خاصة في الذكاء والقدرات العقلية والتفوق الدراسي، فهنا يشعر الإخوة الآخرون بالإحباط والغيرة من أخيهم، ويجب أيضاً عدم المقارنة بين البنات في الجمال، فهذا الأسلوب يسبب صدمة كبيرة للأخت الأقل جمالاً ويولد لديها انكساراً وعدم ثقة في النفس.
ويقول: يجب على الأبوين أن يعبرا دائماً عن الحب والاهتمام لجميع الأولاد على حد سواء وفي حالة عدم القدرة على ذلك فلا بأس من التصنع لإبداء المحبة لجميع الأبناء، ومن المؤكد أن يرتاح الأبناء لهذه المبادرة وستظهر إيجابياتها، ولو كانت بسيطة، كما يجب إعطاء الأبناء حقهم في التعبير عن مشاعرهم وحاجاتهم والاستماع إليهم جميعاً.
وينبه الدكتور السيد إلى ضرورة بث روح التعاون والمحبة بين أطفال الأسرة الواحدة وتكليفهم بمهام جماعية من شأنها إيجاد التعاون، ومن المهم عدم ذكر سلبيات الطفل أمام إخوته عند الخطأ.
ويلفت إلى عدد من الأسباب التي تشعل مشاجرات الأبناء بين الإخوة من الصغر، حيث تبدأ المشكلات بسبب استخدام الألعاب نفسها، وحتى عند بلوغ سن متقدمة يعتبر استعمال الثياب والهاتف واللابتوب من أبرز الأسباب التي قد تؤدي إلى نشوب معارك، ويجب على الآباء التعامل مع هذه الأمور بالمزيد من الحكمة وتعليم كل واحد من أولادهما باحترام المساحة الشخصية لبعضهم البعض خاصة عند المراهقين الذين يفضلون الجلوس بمفردهم بلا تدخلات في مشكلاتهم وقصصهم الشخصية.
ويشير السيد إلى أن من أكبر الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها الأب أو الأم إعطاء الأهل الاهتمام لفرد في المنزل أكثر من الآخر قد يخلق المشكلات بين الأخوة وحتى عدم المساواة في تقديم المال والثياب والهدايا قد يؤدي إلى توتر العلاقات ويجب أيضاً مراعاة الاختلافات بين الأبناء فلكل منا برامجه المفضلة على التلفاز، فالفتيات تفضل المسلسلات أما الشباب فيفضلون المباريات الرياضية، فتخيل كيف ستكون النتيجة في حال وجود تلفزيون واحد؟ وعلى الأم التي تعاني من كثرة الشجار بين أطفالها ألا تعلق في البداية على المشكلة أياً كانت، وتتركهما يحلانها بأنفسهما على شرط ألا تكون طريقة الحل من خلال الضرب أو العنف ما بين الأطفال وفي حالة لجوء الطفلين للعنف يتم عقابهما حتى يتعلما أن العنف ليس طريقة لحل المشكلات.
