23 يونيو 2026

كلمة لا للأطفال.. فهل يؤدي تدليل الأبناء إلى مشكلات سلوكية ونفسية؟

محررة في مجلة كل الأسرة

مجلة كل الأسرة

لم تكن تلك الأم تقصد أذية طفلها ولكنها فعلتها على المستويين الجسدي والنفسي بأن عمدت إلى حرقه بملعقة ساخنة أدّت إلى تشوه يده، وكل ذلك جراء سلوك الأطفال التي خرجت عن السيطرة لتعود وتكفّر عن «ذنبها» بأن تلبي كل طلباته دون أدنى مراجعة أو تأثير الأمر على منحى التغيير الذي ترجوه.

فهذا الطفل الذي لم يتجاوز عمره الـ 12 عاماً يعاني من سلوكات مضطربة إذا صحّ التعبير سواء مع معلماته أو في محيطه الأسري لدرجة وصلت به إلى التعدي على جارهم الستيني بـ«ضربة كف» ليستدعي الأخير الشرطة حيث وقفت الأم مصدومة أمام المشهد إلى جانب مشكلات تعترض أداءه الدراسي.

يتبدّى السؤال الجوهري عن دوافع تلك السلوكيات ليتبدّى الأداء التربوي للأم كـ«معضلة» أساسية في تعزيز السلوكيات السلبية والاتجاه بها نحو «هاوية» النتائج إذا صحّ التعبير لكون المشكلة تكمن أن الأم عالجت المشكلة بمشكلة فحاولت التكفير عن ذنبها بزيادة جرعات الـ«نعم» على الدوام، دون الاستعانة بفيتامين لا.

فكلمة «لا» للأطفال تعزز الصحة النفسية للطفل وتطّل به على عوالم الاستكشاف حيث ثمة دراسات تؤكد أن الأطفال الذين يفتقدون كلمة «لا» في حياتهم هم غير سعداء لأنه يحصلون على كل شيء، مما يحد من إطلالتهم على عوالم التحدي والاستكشاف والمغامرة.

وفي هذا الصدد، يؤكد البروفسور جون روزموند أن «فيتامين لا هو فيتامين أساسي للأبناء ولنموهم «ويرى أن الكثير من الأطفال يفتقدون هذا الفيتامين ويدفع الأطفال والآباء والمجتمع الثمن».

ويوضح آثار «مرض إشباع الرغبات» وانعكاسه على تدليل الأطفال وسلوكيات أطفالنا من عدم تقدير لأي شيء: «هذه الطريقة تعلّم الأطفال أنهم يستطيعون امتلاك كل شيء ومن المحتمل، في حال كبروا، أن يصبحوا «جافين عاطفيا» و«أنانيين».

فهل نقول «لا» لأطفالنا أم نستمتع بتلبية رغباتهم وطلباتهم ونجعل منهم جيلاً جاف العواطف، لا يتمتع بـالصحة النفسية للأطفال ويغيب عنه حس المسؤولية عند الأطفال.

ثمة أمهات يجاوبن عن سؤالنا كما خبراء يرصدون نتائج هذا التوجه.

فاطمة النعيم تعتمد التوازن في الرفض والقبول وهي تدرك مدى العلاقة الوثيقة بين كلمة «لا» وتسويق المبررات الكافية لإقناع الأطفال حيث تؤكد: «كأم، لا بد من استخدام كلمة «لا» ولكني أستخدمها إلى جانب كلمة «نعم» وحتى أعمد إلى إفهام طفلي الأسباب الكامنة وراء رفضي لأي طلب.

ترصد الأثر الإيجابي للحرمان في تزويد الأطفال بالمسؤولية. وكمربية أجيال، ترى أن الجيل الحالي «كتير مدلّع» (أي مدلّل)، مما انعكس سلباً على أدائه سواء في المدرسة أو محيطه، وهذا التوجه قد ينتج سلوكيات سلبية أكثر بلورة في المستقبل.

تعرب النعيم عن خشيتها من الـ «نعم» الزائدة والفائضة عن الحد: «لا بد من استخدام العقاب والثواب. فحرمان طفل من شيء ما يجعله أكثر حرصاً على الحفاظ على هذا الشيء».

بدورها، استنفدت أمل الحساوي، وهي أم لطفلين كل الطرق لدرجة باتت تحتال على واقع التعامل مع أبنائها: «أستخدم الـ «لا» بطريقة إيجابية. فعلى سبيل المثال، في حال طلب طفلي شراء لعبة ما، لا أرفض على الفور وأمهله إلى وقت آخر «وتردف ضاحكة: «ابني يفهمها على أنها «لا» على الرغم من أن نيتي لا تكون في هذا الاتجاه».

تعتمد الحساوي على الهدف: «عندما يطلب طفلي شيئاً ما، أضع أمام عينيه هدفا بحيث لا تكون الأمور سهلة أمامه ومفروشة بـ «الورود» ليدرك قيمة الشيء الذي سيحصل عليه ومن باب تعزيز حس المسؤولية عند الأطفال عنده «وتستثني الحالات التي يتوجب فيها كلمة «لا» حاسمة وبأعلى الصوت وهي مرتبطة بالأذى أو الضرر الذي يتعرض له طفلي جراء» اللعب بالكهرباء «أو تعريض نفسه للأذى خلال ممارسة رياضة ما.

من جهتها، توازن نجوى عادل، وهي أم لطفلين، بين الـ «نعم» والـ «لا»: أستخدم كلمة «لا» عند الحاجة لها ولا أعتمد على «نعم» كثيراً في تعاملي مع أبنائي لكون هذا السلوك قد يفقدهم قيمة ما بأيديهم».

هو نظام المكافأة إذاً من باب التحفيز: «وضع هدف للحصول على الشئ يساهم في تقويم سلوكياته الخاطئة ويعزز داخله قيمة ما يحصل عليه»، ولكنها تعرب عن خوفها من استخدام «لا» وبكثرة خلال الامتحانات المدرسية إذ قد «تقفلهم» عن الدراسة وأحاول، في تلك الفترة،أن أكون وسطية لكي لا أعزز منحى التمرد دواخلهم.

تخلص عادل إلى ضرورة التوافق بين الأم والأب على تربية الأبناء وفق سياسة تربوية موحدة وعلى جميع مستويات التعامل: لا بد من مبادئ تسيّر تربية الأبناء وحتى الحرمان يحتاج إلى حكمة لأن ما زاد عن حده انقلب ضده».

دافع الحب والخوف!

ترصد أسماء الحريري سلسلة «التساهلات» التي ينتهجها الأهل بدافع الحب والخوف معاً، مما يعرّض الأبناء لسلسلة من «الانتكاسات» على الصعيدين التربوي والنفسي.

ترصد حكاية الأم "ح.ق" التي تروي: «تغيرت حياتي بالكامل بعد إنجاب ابنتي حيث أصبحت ساعات الراحة شبه معدومة وبات عليّ أن ألبي متطلباتها دائماً.

تغيرّ روتين حياتي وكنت دائمة القلق عليها لدرجة لم أعد أستمتع بحياتي الاجتماعية وسط الأهل والأصدقاء وباتت ابنتي هي محور حياتي الأساسي. كنت أكثر مرحاً وأخرج في اللقاءات الاجتماعية والسهرات. واليوم، أشعر بالتعب الجسدي وصرت أكثر عصبية، لكنني أعرف أن طفليَّ زينة الدنيا وأتمنى من الله أن يحميهما دائماً».

تعقّب الحريري على هذا الواقع المتفشي: «خليط من دافع الحب والخوف يوجه الأهالي لإعطاء أطفالهم كل ما يتمنون، تبدأ سلسلة التساهلات في جو من المبالغة بتهيئة الأشياء من قبل الولادة دون أن ينطق الطفل بكلمة واحدة، وصولاً إلى القيام بأمور نيابة عن الطفل على الرغم من قدرته على القيام بها، كارتدائه لملابسه أو حذائه، أو القيام بواجباته المدرسية نيابة عنه، في حين أنه في سن ملائمة للقيام بذلك بمفرده».

تحلّل آثار حرمانه من المبادرة ومهارات النجاح والمهارات الحياتية: «حرمانه من هذه الفرصة يحرمه من التطور في المستقبل. والأسوأ من ذلك جعل الأبناء لا يرون أهمية لتعلم هذه الأمور، فيبقون عالة على الآخرين».

ترصد مظاهر أخرى من التساهل ومنها «المبالغة في الاستجابة لأي أذى أو ألم يتعرض له الطفل»: «قد يقع على الأرض مثلاً وتخدش قدمه، فيكون رد فعل الأهل كبيراً وبحجم لا يتناسب مع ما حصل، وكأنه كسر رجله. إن هذه المبالغة لا تساعد الطفل على منح الأمور حجمها الطبيعي، وبالتالي يصبح تضخيم الأمور جزءاً من طريقة الطفل في التعامل مع أحداث الحياة».

كما أن المبالغة في الاحتفالات الخاصة بالأطفال كأعياد الميلاد وصرف مبالغ طائلة «ترسخ لدى الأبناء شعور الاستحقاق والمطالبة، على الرغم من أنهم لم يقوموا بما يستحق هذا القدر من الاحتفال».

وتنتقل إلى وجه آخر من التساهل وهو «عدم مراقبة الأبناء، وذلك بإعطائهم حرية عمل ما يحلو لهم»: «هذا الأسلوب في التعامل مع الأبناء قد يعرضهم للكثير من المخاطر. فمثلاً، قد يطلب الابن من والديه الخروج مع أصدقائه والبقاء إلى وقت متأخر من الليل... فيسمح له بالسهر. وهذا الفعل سيكون له تأثير سلبي.. فقد يقوم بما يؤذيه من خلال سلوكات غير صحيحة، أو قد يؤذي الآخرين. فالمراقبة ووضع قوانين مهمان جداً لحماية الأبناء، ويساعدان على توفير بيئة آمنة لهم».

وتتوقف الحريري عند أخطاء الأهل بـ«الدفاع عن خطأ الطفل وحمايته من تحمل تبعات خطئه»: إن ارتكاب الأخطاء من الأمور التي يتعلم منها الطفل والإنسان بشكل عام، ولكن دفاع الآباء عن أطفالهم لا يساعد الأبناء على التعلم من تلك الأخطاء، بل على العكس فهم يتعلمون قاعدة مدمرة للتطور الذاتي، وهي التنصل من أي خطأ يقومون به.

ولا تتوقف الأخطاء عند هدا الحد: فإغراق الأطفال بالهدايا والألعاب والأجهزة الإلكترونية يؤدي إلى اختناق الرغبة لديه بالعمل الجاد وإلى تدمير لصفة المثابرة وكل تلك السلوكيات تؤدي إلى خلق جيل مادي وتقتل الدافعية والمسؤولية عند الأطفال وقد تصل به إلى المرض النفسي بسبب عدم إفراز هرمون الامتنان والشكر وبالتالي تعرضهم للإصابة بالاكتئاب والضياع بلا هدف بلا حلم بلا مسؤولية ويصبح أكثر تذمراً وعناداً وأقل قدرة على التكيف الاجتماعي حيث يصبح أنانياً متمركزاً حول ذاته وغير قادر على فهم احتياجات أو رغبات الآخرين.

النواهي و...مبررات!

بيد أن البعض ينتهج الـ«لا» يومياً في منظومة حياته، دون تقديم الدوافع أو الأسباب المقنعة للطفل وبالتالي يحاول الأخير أن «يخترق» هذا الرفض ويواجهه بأسلوب مغاير. يركّز عبدالرحمن عبدالله، على هذا البعد: «العقل يقاوم الأوامر والنواهي وغالباً، ما يقاوم العقل كلمة لا.

على سبيل المثال لو أوعزنا للفرد ألا يتخيل حصاناً ذا لون أسود، فمن الطبيعي أن يتخيل العقل حصاناً ذا لون أسود مع وجود بعض الأشخاص قد يتخيلون حصاناً بني اللون أو أبيض وهذه درجة أعلى في المقاومة.

فالعقل عندما يسمع كلمة «لا» يقاومها ويفعل عكسها وهذا في حال أوعزنا للطفل بألا يفعل أمراً ما سيفعله رغم النهي عنه ولكن لتجنب هذه المشكلة ولتترسخ لدّي الطفل المسؤولية عند الأطفال والاعتماد واستجابة لهذه «اللا»، لا بد من إيراد السبب حول منعه من أكل الحلويات أو منعه من الخروج من المنزل ليدرك الطفل مصلحته من اجتناب هذا الأمر».

يجد أن الكثير من الأسر لا زالت تمارس السلطة دون توضيح الأسباب: «هذا دأب كل الآباء والأمهات بأن يفرض السلطة على أبنائه وبناته بحجة وجوب الإصغاء إلى كلام الوالدين لكونهما مخولين باتخاذ القرارات دون توضيح سبب الرفض ولذلك، نجد الكثير من الأسر تشكو حالات تنّم عن تمرد أبنائها وعنادهم والسبب كثرة استخدام الأوامر والنواهي دون تبيان مصلحة الطفل من وراء ذلك».

ويوجز عبدالله: «خلق فينا فطرة وطبيعة بأن لا نمتنع عن أمر ولا ننهي عن أمر إلا إذا عرفنا مصلحتنا من هذا النهي. بحيث إذا قلنا لا علمناه المسؤولية شرط أن نذكر بعد «لا» سبب هذا النهي».