استشاط الأب غضباً بسبب اكتشافه نقص مبلغ من المال، وتكرار الأمر عدة مرات، مما دفعه يفتش داخل خزينة زوجته، التي أكدت له أن يدها لم تمتد لأمواله، وتسبب هذا الأمر في مشكلات كثيرة بينهما، بسبب اتهامات الزوج لها أنها تأخذ من مبالغ مالية من محفظته دون علمه، وبعد ساعات قضاها الزوج يفتش في كل ركن من أركان البيت على هذه النقود، كانت الصدمة أنه وجدها في الحقيبة المدرسية لابنهما الصغير، الذي لم يتجاوز عمره الثماني سنوات، في واحدة من حالات السرقة عند الأطفال الشائعة.
توجه الأب غاضباً لفراش الطفل الصغير وأوقظه من النوم، وبدأ يوجه له العديد من الضربات المميتة وسط صراخ الأم، التي استنجدت بالجيران ليخلصوا طفلها من بين يدي الأب الغاضب والمصدوم في طفله، الذي أصبح بين يوم وليلة لصاً صغيراً، لكن تلك الضربات كادت تودي بحياة الصغير. كانت تلك الأسباب هي التي دفعت الزوجة للذهاب إلى محكمة الأسرة، تطلب الطلاق من زوجها للضرر، مؤكدة أنه لا يجيد التعامل مع نفسية ابنهما، الذي ظل لأيام يصارع الموت في أحد المستشفيات.هذه الواقعة وغيرها دفعت كل الأسرة لفتح ملف علاج السرقة عند الأطفال طرحنا على خبراء الطب النفسي والتربية عدداً من التساؤلات حول السارق الصغير، وكيفية التعامل معه نفسياً؟ وما الطريقة الأمثل للآباء لعلاج هذه المشكلة التي تشيع عند الأطفال والمراهقين؟ وهل هناك أسباب السرقة عند الأطفال دوافع نفسية تتسبب في ظهور هذه المشكلة لدى الأبناء؟
عرض شائع
في البداية، يؤكد الدكتور إيهاب عيد، أن السرقة تعتبر عرضاً شائعاً في الطفولة، إلا أنها لا تظهر بوضوح بسبب تردد الآباء في الإفصاح عن سرقات أطفالهم ومناقشتها كظاهرة، لكن في الحقيقة فإن حوادث السرقة تنتشر بشكل كبير بين الأطفال في المراحل العمرية المبكرة، وتبلغ ذروتها في عمر من خمس إلى ثماني سنوات، وتزيد بشكل كبير في فترات الدراسة، حيث يخرج الأبناء إلى بيئة أخرى، وهي المدرسة وتشتد الغيرة لديهم، مما يمتلكه الآخرون، وغالباً ما يكون الطفل في السن المبكرة لا يدرك معنى السرقة بمفهومها لدينا، وكل ما فكر فيه هو أن يمتلك الشيء الذي يراه لدى الآخرين، وهو ما يفسر الكثير من سلوك السرقة عند الأطفال.
ويقول: المشكلة تحدث لدى الطفل، لأنه لا يشعر بأنه ارتكب جرماً، لأنه ببساطة لا يعرف القواعد التي تنظم ملكية الأشياء بالنسبة له وللآخرين، فالأسرة في الغالب لا تضع حدوداً لملكية الأشياء بين أفرادها وأدوات الطعام والشراب واللعب متاحة للجميع ودون تفرقة وبعض الأسر تسمح لأولادها باستعمال أدوات بعضهم البعض دون توفير شيء واحد يخص طفلا، وشيء آخر يخص أخاه.
لذلك يجب على الآباء تعليم الأبناء عدم الاعتداء على الأشياء التي يملكها الغير، والتفرقة بين ممتلكاته وممتلكات الآخرين، ومتى تكون الأشياء ملكية عامة كما ينبغي علينا أن ننمي الوازع الديني بداخل الطفل وأن نعلمه أن الله مطلع عليه حتى في غياب الآخرين عنه، وهو من أهم أسس تربية الأطفال السليمة.
يحذر أستاذ الطب السلوكي الأبوين، خاصة الأم، أن يكونا قدوة حسنة لأولادهما في هذا الأمر، فالابن الذي يجد أمه تختلس من مال الأب دون استئذان، لن يجد ضراوة في فعل ذلك دون أدنى شعور بمدى الجرم، الذي ارتكبه في المستقبل، وكذلك القدوة السيئة من الأبوين والمربين في التعامل حتى مع الممتلكات العامة، والاعتداء عليها والحصول عليها دون وجه حق، فكل ذلك عندما يحدث على مرأى ومسمع من الصغار، لا يجدون بعد ذلك أي غضاضة من محاكاته ولو على طريقتهم.
ويرفض د. إيهاب عيد، اتجاه بعض الآباء والأمهات بعقاب أولادهم على أي سلوكيات مرفوضة بالحرمان المادي «وقطع المصروف» الذي يعطيه الآباء للأبناء أو تقليله، بحيث لا يكون كافيا مقارنة بزملائه، لأن هذا الأمر يتسبب في أن يتجه الابن للسرقة حتى يحاكي زملاءه من الناحية المادية، سواء كان سلوك السرقة موجها ضد زملائه بسبب غيرته منهم أو ضد الوالدين، انتقاما منهما على الحرمان.
أخطاء تربوية
الدكتورة أمل رضوان، تحذر هي الأخرى، الأسر من الوقوع في أخطاء تربوية فادحة تتسبب في إنتاج أولاد ذوي سلوكيات سيئة كالطفل الكذاب أو الطفل اللص وتقول: إن حرمان الأبناء من العطف والحب والحنان قد يؤدي للثأر من آبائهم عبر السرقة، وذلك للفت النظر لهم فالسرقة لدى الأبناء في سن الطفولة والمراهقة ما هي إلا عرض لمرض، ودليل على احتياج ما يفتقده الابن، خاصة أن الكثير من الآباء والأمهات يفشل في تحقيق المعادلة الصعبة بين محاولة إشباع أولادهم بالحب والصداقة، مع الحزم في المعاملة، وعدم التدليل الزائد في والقدوة الحسنة في الوقت نفسه، وهو ما يدخل ضمن مشكلات تربية الأطفال.
ولعل الكثير من الأبحاث النفسية، أكدت أن الاحتياج للحب والرعاية والدفء الأسري تخلق لدى الأبناء، خاصة في مرحلة المراهقة، رغبة قوية في الحصول عليه أو ما يرمز إليه فيسرقون المال من هؤلاء الذين ينتظرون الحب منهم، أو لفت أنظارهم إليه.ترى د أمل رضوان، أن من ضمن الدوافع القوية التي تدفع الأبناء للإصابة بداء السرقة في السن الصغيرة، الغيرة بين الأخوة والأخوات، وعدم المساواة بينهما، فحينما يكون لدى الأهل طفل مدلل بشكل أكثر من الثاني أو مفضل عن الآخر، فيلجأ الطفل للسرقة تعبيرا عن الغيرة وعدم الشعور بالاهتمام، حتى يلفت نظرهم ويلتفتوا للاهتمام بمشكلته، ثم الاهتمام به ومراعاته، أو حتى يكتفى من سرقته بعقابهم على إهماله.
وفي كل الأحوال تؤكد استشاري العلاقات الأسرية، أنه يجب على الآباء عدم تجاهل المشكلة وأسبابها، فمعرفة سبب السرقة يعتبر نصف العلاج، ويجب تجربة الكثير من الوسائل العلاجية النفسية، لهذا الداء، وفي حالة الفشل فلا بد هنا من عرضه على طبيب متخصص، لأنه كلما زادت مدة السرقة تتحول لعادة، ويكون من الصعب في المستقبل التخلص من هذه العادة، وهو ما يؤكد أهمية علاج سلوك السرقة عند الطفل مبكراً.
الإهمال مرفوض
يحذر الدكتور محمد حسين رضوان، من عدم اهتمام الأبوين بمشكلة الطفل السارق، وعدم التعليق عليه، عندما حدث في أول مرة، مما يؤدي إلى تكراره واعتباره أمراً مقبولاً. ويقول: يجب على الأبوين أن يواجها الأمر ولا يتهربا منه، وأن يوضحا لطفلهما العواقب الخطيرة لهذا الأمر دون تعنيفه مطلقاً، لأن الضرب والقسوة قد تزيد الحالة سوءاً وتؤدي لعواقب وخيمة. ويرى استشاري تربية الأطفال، أنه من الأفضل أن يكون للطفل مصروف منتظم ومناسب، لما يحصل عليه أقرانه، وعدم التفرقة بين الأخوات في المصروف، مع التأكيد لكل واحد منهم على أنه يمكنه اللجوء إلى الأبوين في حال شعر برغبته في امتلاك شيء. ومن الأمور المهمة التي ينبغي على الآباء والأمهات مراعاتها عدم ترك المغريات أمام الطفل والمراهق، فتلك المغريات قد تجره إلى السرقة فلا نترك الأموال مبعثرة على المكتب أو في أحد الأدراج العامة داخل البيت، وعدم ترك الأم مقتنياتها الذهبية أمام الأبناء في كل مكان، بل يجب الاحتفاظ بالأشياء الثمينة في أماكنها المخصصة لحفظها، وهي من أساسيات التعامل مع الطفل السارق.
روشتة علاج
الدكتور وليد عتمان، يشير إلى أنه يجب ألا يصاب الآباء بصدمة نتيجة لسرقة طفلهم شيئا ما، وكذلك لا يجوز الدفاع عنه بشكل دائم حتى لا يتطور الأمر ويبدأ الطفل بالكذب توافقا مع دفاع أهله عنه، كما أنه يجب أن يتعاون الزوجان في التعامل مع هذه المشكلة حلها بدلاً من إلقاء كل منهما باللوم على الطرف الآخر واتهامه بأنه السبب فيما وصل إليه الأبناء.
ويقول د. وليد عتمان: من الأخطاء التربوية الشائعة في التعامل مع حالة سرقة الأطفال هو الإلحاح على الطفل للاعتراف بأنه سرق فقد يدفعه ذلك للكذب أو الحلفان والإصرار على الإنكار، ومن ثم يتمادى في السرقة، كما أن بعض الآباء يغفلون أهمية التأكيد خلال التنشئة الاجتماعية على أهمية احترام الآخرين وممتلكاتهم وعقوبة ذلك شرعاً.
وللأسف بعض الآباء بمجرد ما يكتشفوا سرقة أولادهم يبدأون في معايرة الطفل وينادونه بـ«أنت حرامي» أو يا لص، ولا يدركون أن هذه المصطلحات تؤذي الطفل نفسيا في البداية، لكنه عندما يعتاد على سماعها لا تؤثر فيه ولا يشعر بالإحراج، والأفضل في حالة اكتشاف الأمر، أن يبدأ الوالدان في التفكير في الأمر بهدوء، وعدم التسرع بالرد والانفعال والتصرف بحكمة ومحاولة معرفة السبب الحقيقي، الذي دفع الطفل للسرقة واستشارة أساتذة الطب النفسي، وهو جوهر كيفية علاج السرقة عند الأطفال.
ويضيف: تشجيع الطفل على الاعتذار وإعادة الشيء المسروق دون إحراجه واجب على الأبوين وبعدها يجب الانتباه خلال المراحل المقبلة، لضرورة عدم ترك الأشياء الثمينة التي تغريه للقيام بالسرقة مثل النقود وفى الوقت نفسه يجب إحاطة الطفل بالحب والحنان داخل العائلة، وإتاحة الفرصة لطلب الطفل ما يحتاجه من والديه والتوضيح له بأن السرقة سلوك سيئ وغير مقبول، وإفهامه معنى حق الملكية حتى لا يقوم بالتعدي عليها.
