تختلف مفاهيم حرية المرأة من بيئة إلى أخرى ومن عائلة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر. كذلك تختلف المعايير التي يتم قياس هذا المفهوم انطلاقاً منها، خصوصاً عند الحديث عن الاستقلالية الشخصية للمرأة ودور المرأة في الأسرة. وعلى هذا الأساس تتم المحاسبة وقراءة الأمور واعتبار شخص حراً أو متحرراً أم لا.
في الوقت عينه هناك مخاوف كثيرة لدى الأشخاص الذين يقررون الارتباط بشخص آخر إذا اعتبروه شخصاً متحرراً بالمفهوم الخاطئ للتحرر، أو ضمن ما يُفهم أحياناً كـالتحرر الاجتماعي للمرأة، أو أحياناً يخاف الأشخاص من خسارة مساحة الحرية التي يتمتعون بها قبل الارتباط بالآخر داخل إطار العلاقة الزوجية والحياة الأسرية.
في موقف الدفاع يفعل هذا الخوف أحياناً بالمواجهة وأحياناً أخرى بالصمت والتراجع. بالإضافة إلى ذلك قد يبالغ البعض في اعتبار تصرفات الشريكة وواقعها تحرر بالمعنى السلبي للكلمة بعيداً عن مفهوم الاستقلالية في العلاقة الزوجية. في الواقع عزيزي القارئ من الضروري التمييز بين الاستقلالية والحرية والمفهوم السائد بينهما.
في مجتمعاتنا الشرقية يتربى الرجل والمرأة بشكل مختلف على هذه المفاهيم المرتبطة بـمنطق العائلة والقيم العائلية. وكثير من النساء تعتبر أن الاتكال على الشريك والارتباط به في جميع التحركات هو أمر جميل ومهم، لكن في الحقيقة هذا الأمر هو بعيد عن الواقع عندما يتحول إلى اعتماد عاطفي كامل.
فالرجال تجذبهم المرأة المستقلة. وعندما نتحدث عن الاستقلالية قد يخلط الأشخاص بين الاستقلالية والتحرر لدى المرأة على الرغم من أن القليل من التحرر هو عامل ضروري لإبقاء الجاذبية والرغبة متبادلة بين الشريكين ضمن إطار العلاقة الزوجية الناجحة.
عندما تكون المرأة مستقلة تتمكن من إدارة المنزل والمواقف والتفاصيل الصغيرة بالشكل السليم، حيث إن العلاقة بين الشريكين تعيش متنفساً كبيراً بسبب عدم إشغال الرجل بالتفاصيل غير الأساسية بنظره والتي قد لا تبدل أي شيء في مجرى العلاقة والأمور الجوهرية أو قواعد المنزل والحياة الزوجية.
وعلى نحو آخر فإن الكثير من الأشخاص يعتبرون أن الاستقلالية هي تحرر بالمعنى الذي يخرّب العلاقة بالآخر. لأن البعض يظن أن التحرر هو خرق للضوابط العائلية وخروج عن القوانين التي تتربى الفتاة على احترامها منذ الصغر ضمن إطار العادات والتقاليد. على اعتبار أن تربية الفتيات تختلف عن تربية الشباب في المجتمع العربي لذا فأي خروج عن القاعدة لدى السيدات قد يعتبر تحرراً بالمعنى السلبي المرتبط بـصورة المرأة في المجتمع.
عزيزي القارئ قد تبدو المرأة متحررة من خلال ما نراه أنها تملك وظيفة وحسابات مصرفية وتخرج من المنزل وغيرها، لكنها قد لا تكون حرة من الداخل فعلاً، فـالثقة بالنفس لدى المرأة هي الأساس الحقيقي للشعور بالحرية.
لذا فالحرية تحتاج شجاعة وثقة بالنفس. وبالتالي التحرر من الخوف. بين حرية المرأة والمساواة مع الرجل اختلاف كبير على الرغم من كثرة المغالطات من قبل الأشخاص الذين يرفضون حرية المرأة لأنهم يعتبرونها صرخة وطلباً للمساواة مع الرجل، على الرغم من أن استقلالية المرأة تجعلها مرغوبة في عيون الرجل على عكس ما هو سائد عن تفضيله للمرأة الخاضعة تماماً له.
فالحياة المشتركة هي شراكة بين الزوجين، وبالتالي عندما تكون المرأة متحررة من قيودها المعنوية وموروثاتها النفسية المُحجمة لها، تكون حرة في سلوكها وبالتالي شريكة في القرارات مع الرجل ضمن مفهوم الشراكة الزوجية.
على عكس المرأة غير المتحررة التي تبقى محدودة في الفكر ومتعلقة تماماً بقرار شريكها كأنه لا وجود لها، بل تكون استمرارية له كما كانت لفترة طويلة استمرارية لقرارات عائلتها، وهو ما يعكس التبعية في العلاقة الزوجية.
فلا أحد يحب أن يحمل أعباء ومسؤوليات العلاقة والعائلة على أكتافه وحده، فكلما كانت المرأة متحررة، عرفت قيمتها وزادت ثقتها بنفسها وحملت مسؤولية أكبر وأصبحت شريكة بكل ما للكلمة من معنى، مما يعزز الاستقرار الأسري.
ومع ذلك هناك البعض من النساء اللواتي لا يعرفن المعنى الحقيقي للحرية والتحرر فيتصرفن بتطرف كبير في هذا الموضوع، فيما يمكن وصفه بـسوء فهم حرية المرأة.
ففي هذه الحالات على الشريك عدم انتظار مرور وقت طويل على تجزر التغيير لدى الشريكة قبل الحديث معها. فالصراحة المطلوبة بين الشريكين هي مسؤولية الطرفين في حل كل ما يعكر نجاح العلاقة وتطورها ضمن إطار التواصل في العلاقة الزوجية.
العلاقة الزوجية عزيزي القارئ بحاجة إلى تنفس، وكلما كان الشريكان يتمتعان بالاستقلالية كانت العلاقة صحية أكثر وبعيدة عن منطق التبعية للشريك، مما يعزز الصحة النفسية في العلاقات. فهذا المنطق يخنق العلاقة ويسبب ببعض النفور كما يسبب في بعض العلاقات غياباً للانجذاب نحو الشريك الذي يعيش حالة ذوبان مع شريكه.