غيرة الشقيقات: أسرار العلاقة المعقدة بين الأخوات ولماذا يغار الجميع من الجميع؟
كثيراً ما نسمع شكاوى من الشقيقات على بعضهن بعضاً، لماذا؟ ولماذا نعاني من الأخت الشقيقة أكثر مما نعاني من الصديقة ؟ فما هو نسيج هذه العلاقات الغريبة بين هاتين المرأتين؟ ازدواجية في المشاعر، اندماج، إسقاطات لا واعية... يقارب هذا الكتاب كل ما سبق لتحليل عمق وخفايا هذا الرابط الذي قام إبان طفولة مشتركة عبر أسئلة توجهها الصحفية صوفي كاركان إلى عالمة النفس ماريز فايان.
هل ثمة صعوبة لا بد منها في حال كان الطفل أو الطفلة في منتصف عقد الأطفال الباقين؟
في الحقيقة، يعتمد الأمر على مدى فرق الأعمار بين الإخوة والأخوات وعلى الحوادث العائلية التي ترافق حياة الأشقاء والشقيقات. فالفرق الكبير بين أعمارهم، مثلاً، أو انفصالات مبكرة عن الأهل، قد تخلق هوات لا يمكن اجتيازها بين الأشقاء والشقيقات الذين لا يعرف الواحد منهم الآخر. في المقابل، ثمة ظروف جامعة قوية قد تخلق لدى من بينهم ماضٍ مشترك ذكريات وتفاصيل يمكن لهم أن يتقاسموها.
أما مرتبة الوسط فسترتبط بهذا المكان أو ذاك بحسب فرق السن الذي يفصلها عما قبل أو بعد. ومن باب الحلم الطوباوي الاعتقاد بأن الإخوة أو الأخوات سيظلون متحدين ومتعاضدين من دون مشكلات بينهم.
ومهما كان حجم الأسرة، سيكون ثمة تحالفات وأحزاب وقد تندلع الحرب في سن مبكرة جداً، فالجدالات والشجارات من نصيب كل الأسر حتى لو بدا الإخوة والأخوات بمظهر المنضبط والمربى تربية حسنة. وقد تعاني طفلة الوسط من تكوُّن هذه الأحزاب ومن تلك التي رفضتها وتحتفظ بهذا الألم حياً في داخلها ليعود وينشط عند أي مناسبة من أجل أن تُظهر خصوصيتها إزاء شقيقاتها.
وقد تشكو من مكانتها في المجموعة بوصفها ترمز إلى مكانتها في الحياة، وربما تتصالح عندما تكبر مع هذه الأخت أو تلك وتخرج من الغيتو حيث وضعتها فيه طفولتها. فالحدود بين الأخوة والأخوات متحركة دائماً وعرضة لإعادة الرسم باستمرار طبقاً للتحالفات.
هل تختفي أهمية مكانة الطفل في الأسرة حينما يكبر؟
الأماكن تبقى على حالها والجراح لا تشفى من تلقاء ذاتها. البنت الثالثة، أي طفلة الوسط، والشقيقة الكبرى وآخر العنقود أو الطفل المدلل أو المنسي...، وذاك الذي عانى من طفولته يحمل مطولاً هذا الألم وقد يحوله إلى محرك شكواه أو يجد فيه قوة المواجهة. وهكذا، فإن العزلة الممكنة التي تحيط بحياة الطفلة الوسط المستبعدة من الأكبر منها كما من الأصغر منها قد تقودها إلى الرغبة في كسر هذه العزلة بأي ثمن. قد تقيم لنفسها صداقات عديدة وتجد في خارج أسرتها ما ينقصها في المنزل والاهتمام الذي حرمت منه فترمي بعيداً جراح الطفولة وتجعل منها نقاط قوة لتعيش بحسب ما تريد. يعتمد كل شيء على الطريقة التي ينظم بها الأهل السلطة بين الإخوة، والعامل الحاسم هو إدراك الأهل أكثر اعتداءات الشقيقات الكبيرات أو مطالب الصغيرات.
لماذا تكون بعض الأسر مصدر صعوبات وآلام؟
قد يبدو لنا، في بعض السير العائلية أن بعض الشخصيات خاضعة لقوى خفية تجعلها عاجزة عن تغيير مجرى الأحداث، حيث توزع الأدوار وتحدد الأماكن ويكتب السيناريو وعلى كل واحد أن يؤدي دوره. من الصعب أن نفهم ماذا يجري فما من أحد يمتلك مجمل المفاتيح التي قد تلقي الضوء على الأحداث. تلك هي قوة اللاوعي العائلي وسطوته. وللخروج منها، من الضروري أن يتجرأ المرء ويفكر بما لا يمكن التفكير به، وينظر إلى مكانته الخاصة في الأسرة كجزء لا يتجزأ من الملحمة الأسرية.
فما من أحد يمكن أن يكون جلاداً بالكامل أو ضحية أو مجرد مشاهد أو مخرج. وفي إطار مغامرة الشقيقات هذه، ستكون الأبرز بينهن تلك التي تقاوم الإجماع وستكون شهادتها ضوء على اللغز العائلي من وجهة نظرها، سواء أكانت مشاركة أو شاهدة. فذاتية كل فرد تضيء حياة أسرة وإخوة ومجموعة شقيقات وتترك في الظل ذاتيات الآخرين وهكذا يظل اللغز العائلي كاملاً، سواء بالنسبة لمن ينظرون إليه من الخارج أو بالنسبة لمن يعيشونه من الداخل. والعائلة التي نريد لها أن تكون حضناً دافئاً ومحباً، تصير في أحيان كثيرة موئل كراهيات وأحقاد عنيفة، ووحدهم من يعانون كثيراً من هذا الوضع يمكنهم أن يتحلوا بوضوح الرؤية ليراجعوا أنفسهم ويفهموا الأسباب ويشعروا بفائدة كبيرة بعدها.
هل يمكن أن تتحول الغيرة بين الشقيقات إلى كراهية؟
الغيرة شعور اعتيادي وهو جزء لا يتجزأ من العلاقات الطبيعية بين الإخوة والأخوات. فأطفال أسرة واحدة يتقاسمون حب الأب والأم وهم بالتالي في تنافس بينهم على الحب والحنان. ومن المفترض أن يكون هذا التنافس الأوديبي خلال الطفولة الأولى ليزول بعدها. كما أنه مكوِّن أوديبي قد يسمم العلاقات بين الشقيقات المتنافسات على حب الأب خاصة واللواتي يعلمن أنه يتعين عليهن تقاسم هذا الحب.
ما هو أصل السادية والقسوة عند الأطفال؟
سادية الطفل هي ببساطة التعبير المباشر وغير المتعالى عنه للعنف الغرائزي الذي يسكن الكائن البشري منذ ولادته والذي يتعين على التربية أن تهذبه لتجعل منه إنساناً.
هذا لأننا لا نولد بشراً بل نولد ومعنا كل الإمكانيات لنصير بشراً متى مكننا الآخرون من ذلك. بالكلام والحنان والتبادل العاطفي ونسج الروابط، يقود الأهل طفلهم ويمكنونه من التصرف والتفكير والإحساس مثلهم. حين يرمي الطفل لعبه ويمزق صفحات الكتب ويشد ذنب القط، يمارس قوته وسلطته. وحين يقوم الأهل بالسيطرة على هذه التصرفات ومرافقتها بحنو، يجتاز مختلف مراحل النضوج من دون حتى أن يدرك هذا.
يتعلم كيف يأكل ويمشي ويلعب ويتكلم. في البداية يكسر كل شيء، ثم يبدأ بالعناية بألعابه. السادية تسبق التعاطف ولا تهتم كثيراً بالآخر والصغير لا يفهم أنه يؤذي الآخرين ويعذبهم. وحين يصير قادراً على الإحساس بعذاب الآخر يصير قادراً على كبح نزعاته وتحويلها إلى حاجة للنظام والنظافة والترتيب، فتتبدل النزعة السادية لتصبح تعاطفاً وحاجة إلى مساعدة الآخرين والعناية بهم.
هل من الصعب تجنب الغيرة والتنافس؟
بشكل عام، الكل يغار من الكل بين الإخوة والأخوات. البكر يريد ما يعطى إلى الأصغر الذي يحسد الأكبر على ما يسمح له بوصفه الأكبر. والبنات يعتبرن أن الأولاد يحظون بامتيازات أكثر والعكس بالعكس. هذه حياة الأسرة الطبيعية. الكال يحسد أو يغار من الكل ومع هذا لا أحد يود أن يخسر مكانه ولا أن يأخذ مكان الآخر.
الطفل يريد امتلاك كل شيء وكل الأمكنة. والأهل يساعدون كل طفل في أن يشعر أنه فريد ومحبوب بفضل حبهم وعنايتهم به. هذا هو القانون الرمزي، لا أحد يستطيع أن يمتلك كل شيء، لا كل الأمكنة ولا كل الحقوق.
ولكل طفل اسم ومكانة لا أحد ولا شيء يستطيع أن ينتزعها منه. وإذا ما حصل خلل في توازن الأمكنة على المستويين العاطفي والرمزي، قد يشعر الطفل أن وجود الطفل الآخر يهدد وجوده، وقد يشعر بألم الغيرة الجهنمية الشرسة التي تشير إلى هشاشة عاطفية كبيرة ونقص في الأمان الداخلي لدى الطفل.
هل الغيرة بين البنات أقوى من الغيرة بين الأولاد؟
الغيرة التقليدية لدى الطفل الوحيد الذي يصبح الطفل البكر هي ذاتها لدى البنات ولدى الأولاد، فالمسألة تقضي باقتسام ما كان يظن أنه ملكية خاصة وحكرية.
وهنا العنصر القوي هو التعلق بالأم إذا ما كان الطفل صغيراً جداً. ومتى استطاع الكلام والرسم وسرد الحكايات على نفسه، قد يدخل القادم الجديد بخيالاته ويصفي حساباته معه. ثم تتطور الأمور على إيقاع الحياة العائلية وفسحات الوقت التي يفردها الأهل لكل طفل. أما ولادة بنت ثانية فإنها قد تؤثر في البنت البكر التي لا تفهم ضرورة أن يكون هناك بنت أخرى بما أنها هي موجودة، وبالأخص إذا ما كان الأهل يشاركونها وجهة نظرها.
وهكذا، فإن الأم التي تفرح لولادة البنات تتعرض لخطر إحداث غيرة لدى البكر أقل من تلك التي لا تفرح بولادة البنات.
كيف يمكن تفسير موجات الكراهية التي قد تسكن الشقيقات؟
الغيرة بين الشقيقات آلية موجودة لدى الأطفال كما لدى الشعوب، فمن هو قريب جداً وشبيه جداً بنا يشكل تهديداً للهوية.
هو النفور التقليدي ممن يشبهنا. ترتكز الحروب الأخوية على شكل خاص من الكراهية، هي كراهية الذات والشبيه جداً. والكراهية التي قد تسكن شقيقتين قد تتغذى بكراهية إضافية هي كراهية الأنوثة والتي يستحيل التعبير عنها لأنها صادرة في أغلب الأحيان عن الأم. ليس من السهل دائماً بالنسبة للفتاة أن تولد بعد فتاة أخرى.
قد لا يفرح الأهل بولادة فتاة أخرى، وربما عبروا عن خيبتهم. هذه المشاعر المزدوجة، الطبيعية ولكن المكبوتة قد تساهم في سوء التفاهم بين الشقيقات، لأنهن بنات قبل أن يكن شقيقات، أي أنهن لسن أولاداً ولسن مقبولات كبنات لأن جنسهن ليس هو الجنس المنتظر والمأمول. لذا، قد تكره فتاة شقيقتها لأنها فتاة، أي فتاة أخرى.
تأليف: ماريز فايان وصوفي كاركان