09 أبريل 2026

التفرد بتربية الأبناء بعد الطلاق: كيف يسبب اضطراب الشخصية ويفقد الطفل توازنه النفسي؟

معالجة ومستشارة نفسية للأزواج

مجلة كل الأسرة

هذه الملكية في التربية محتملة في حالتين، إذ يمكن أن تحصل عندما يعيش الأهل في المنزل نفسه إلا أن أحدهما يفرض شروطاً كثيرة في التربية الأسرية إما من الناحية المادية أو التعليمية أو النظافة والقوانين وغيرها بشكل يعزل الشريك الآخر عن التربية ويفقده دوره ومكانته لجهة اتخاذ القرارات وغيرها من وسائل تربية الأطفال، لكن غالباً ما يحصل هذا الأمر عندما يحصل انفصال بين الزوجين، وتحديداً عندما يحصل الانفصال الأسري النهائي وعندما تتعمق وتتطور الخلافات الكثيرة بينهما.

فيحاول الطرف الذي يعتبر نفسه محقاً، أو يعتبر نفسه صاحب حق، يحاول الضغط على الشريك الآخر من خلال استخدام الأبناء للتلاعب بهم وبتربيتهم. ونلاحظ أن الطرف الراغب في التملك والتفرد بالتربية يتحول شرساً وعدائياً وفاقداً للمنطق شيئاً فشيئاً لا سيما إذا واجه مقاومة من قبل شريكه ما يؤثر سلباً في الأبناء على أكثر من مستوى إما لجهة نمو شخصية الطفل بشكل مضطرب أو لجهة ترسيخهم على الحقد والكراهية ليس تجاه أحد أهله بل تجاه الآخر أياً كان وهذا بطبيعة الحال يؤدي إلى اضطرابات نفسية وشخصية غير متوازنة وقد تتحول إلى غير منطقية وبعيدة عن التحليل الموضوعي قبل الحكم على الأشخاص.

لا سيما وأن التفرد بالتربية وملكية الأبناء يدفع بالطرف المعني إلى كسر صورة الطرف الآخر أمام الأبناء وبالتالي إلى إظهاره عاجزاً أو لا قيمة لأفكاره أو لتوجيهاته أو نصائحه، وهذا هو الخلل في التوازن النفسي والمعايير، الذي أشرنا إليه سابقاً.

تجدر الإشارة صديقي القارئ إلى أن الطرف الذي يسعى إلى التفرد بالتربية يكون في غاية الأنانية حيث لا يعطي الأبناء أي فرصة لاكتشاف الحقيقة كما هي، أعني هنا اكتشاف حقيقة الطرف الآخر وقدرته الفعلية الحقيقية على الشراكة بـالتربية المشتركة ما يؤدي بدوره إلى حرمان الأبناء من الدعم العاطفي للطرف الآخر المستبعد والتي تبقى ضرورية لنمو سليم ومتوازن كما يخلق حالة من الاضطراب النفسي وعدم الاستقرار عند الأبناء.

انطلاقاً من كل ما تقدم يظهر جلياً أنه من المنطقي ومن البديهي ألا يتفرد أحد الطرفين بتملك الأبناء كي يعطوهم فرصة حقيقية لاكتشاف الحقائق من دون ضغط كبير من الطرف المربي حيث إن الولد عندما يعيش مع أحد الوالدين يتحول حكماً إلى خاضع لإرادة هذا الطرف ويعيش تحت رحمته إذا صح التعبير فيكون هذا الولد بحاجة دائمة إلى نيل رضى الأم أو الأب أي الطرف الذي يعيش معه، وذلك حفاظاً على الأمان النفسي في مرحلة الطفولة.

كل ذلك يقود الطفل إلى حالة من السلوكيات الدفاعية مثل الكذب المقنع إذ إنه على سبيل المثال عندما يرى الطرف الآخر قد يتبنى موقف ورأي الطرف الذي يعيش معه في أي موضوع كان حتى في حال الاشتياق التي قد يعيشها مع نفسه فلا يعود يجرؤ على التعبير عنها، وبالتالي ندخل في حلقة مفرغة من الخوف والقلق من الطرف الآخر نتيجة الصور التي يرسمها الطرف الأول عن الآخر، من خلال ما يقوله أو من خلال الإيحاءات التي يظهرها حول الطرف الآخر، وبالتالي تأتي ردة الفعل على الطرف الغائب أو المغيب، من وحي التأثير النفسي والتعبئة الفكرية التي تعود لتعزز من جديد سبب الخوف.

في الختام تبقى دائماً النصيحة الفضلى هي بالابتعاد عن الطلاق ومحاولة التأقلم وتقديم التنازلات من قبل الطرفين أقله عندما يكون الأبناء صغاراً في السن ومعرضين للتأثر أكثر منه في مرحلة عمرية متقدمة. الأبناء هم نعمة الوجود وعطاء مجاني من الله إلى الأهل.

كلما كان الأهل منفتحين وناضجين، كلما كانت التربية تربية سليمة وصحية وعادت بالخير والإيجابيات وساعدت الأولاد على النمو النفسي السليم، إلى جانب المبادئ والقيم المهمة التي يمررها الأهل لهم لا سيما في سن التلقي والاستيعاب تمهيداً لمرحلة تكوين الشخصية.

لكن عندما يقرر أحد الوالدين التفرد بالتربية أي ما هو حاصل اليوم غالباً عند المنفصلين، التفرد بما يريده «ملكية للابن» يكون بذلك قد قرر أن يجني على الابن على مختلف الأصعدة، منها النفسية والتربوية والفكرية أي الصحة النفسية للطفل والمبادئ التربوية والعلائقية وغيرها. من هنا لا بد من التنبه إلى وجوب عدم الاستخفاف بالاهتمام بالأبناء وعدم خلق أي خلل لـالتوازن الأسري في التربية على هذا المستوى.