03 مارس 2026

تحذيرات من تدخل الأهل في خلافات الأبناء: متى يكون التدخل خطأ تربوياً؟

معالجة ومستشارة نفسية للأزواج

مجلة كل الأسرة

كل طفل هو فريد، ولكل منزل خصوصية ولكل أم وأب أسلوب مختلف في التعامل مع الآخرين، كما وأن كل أهل يتعاملون مع كل ولد من أبنائهم بشكل مختلف. لذا ما هو الصح وما هو الخطأ في تربية الأبناء؟ ومتى يحدث تدخل الأهل في خلافات الأبناء ولمصلحة مَن مِن الأبناء؟!

بشكل عام مهما قال الأهل إنهم يربون أبناءهم بنفس الطريقة وعلى نفس النهج ويعاملونهم بالطريقة ذاتها، ومع كل ذلك فإن كل ولد يستجيب لأسلوب الأهل بطريقة مختلفة. أقول لكم إنه من المستحيلات تربية الأبناء بالطريقة نفسها حتى فيما يخص التوائم. لأن كل ولد يولد في وقت مختلف وفي ظروف مختلفة وتكون الوالدة في حالة نفسية وصحية مختلفة، بالإضافة إلى الاستعدادات التي يولد معها الابن.

فكل تلك هي عوامل تعكس أو تُظهر شكل العلاقة التي سوف تحاك بين الأهل وكل ولد من الأولاد مهما كان عددهم. أحياناً بعض الأهل وذلك لشعورهم بالذنب حين توجه إليهم ملاحظة حول التمييز بين الأبناء أو حول طريقة تعاطيهم مع أحد الأبناء على خلاف إخوته، يقولون إنه من المستحيل التمييز لأنهم يحبون الأبناء بالتساوي. فهنا أيضاً تناقض آخر، لأننا لا يمكن أن نحب كل أبنائنا بنفس الطريقة، كما وأنه لا دخل للحب في كيفية التعاطي بالمساواة أم بعكسها مع الأبناء.

من منكم لا يشبّه ابنته إلى خالتها التي تحبونها كثيراً، أو ابنكم إلى عمه الذي أنتم على خلاف معه منذ زمن أو إلى الجد الذي لم يعاملكم جيداً أو إلى أي شخص من العائلة تربطكم به علاقة جيدة أم سيئة. فحين لا ندرك الواقع من ناحية تأثيره في الولد، نجد أنفسنا نتفاعل معه بالطريقة نفسها التي تربطنا بالشخص الذي نشبّهه به. وبالتالي فيحمل الولد إرثاً ثقيلاً ومتعباً وله تداعيات على الصحة النفسية للأطفال.

كل ذلك يمهد إلى دخول الأبناء في دوامة مع الأهل وبما أن الأهل يتكلمون دائماً بالحب مع الأبناء في أي أمر يحصل، فذلك يجعل الأبناء يعيشون هاجس الحب والخوف من خسارة حب أهلهم. ولكن ما دخل الحب حين يختلف الأبناء ويتدخل الأهل لفض المشكل وتهديد الأبناء بالتوقف عن حبهم في حال أعادوا الكرة؟ وهل هذا أسلوب صحي في التعامل مع خلافات الأطفال؟

صديقي القارئ الأبناء يتعاركون كثيراً، وذلك يدخل ضمن الديناميكية الطبيعية بين الإخوة في التواصل بينهم، لذلك ليس على الأهل التدخل في مشاكل الأبناء بشكل خاص أنها تتكرر كثيراً في اليوم الواحد. لأنه وفي هكذا أوقات يظهر الأهل تمييزهم في التعاطي مع الأولاد. فهم حين يتدخلون غالباً ما يكونون منحازين لأحد الأبناء، إما بحجة أنه الأصغر أو الأضعف أو أنهم على معرفة بأبنائهم، فيتعاملون مع الأمور بمنطق الظالم والضحية. وبكل أسف وهو لأمر شائع بين الأهل أن يعلقوا يافطة على جبين كل ولد من أبنائهم تجعلهم يحكمون غيابياً حول المشكل الحاصل، وبالتالي ظلم أحد الأبناء وإنصاف الآخر على حساب أخيه.

أخطر فخ يقع فيه الأهل، ويفشلون في نظر أبنائهم بالتعبير عن حبهم لهم، حين يحصل خلاف بين أبنائهم في غيابهم، فيتدخلوا فور وصولهم للانحياز لأحدهم وذلك نتيجة اختبارات سابقة معهم. فتذكروا أن كل خلاف جديد علينا التعامل معه من جديد دون البناء على مواقف أو اختبارات سابقة عشناها معهم، لأن ذلك ينعكس سلباً على العلاقة بين الإخوة وعلى ثقة الطفل بنفسه.

فإن كانوا هذه المرة حقيقة ليسوا مسؤولين فيها عن الخلاف وذلك بمثابة مبادرة لكسب حب الأهل، فسلوك الأهل وردة الفعل تأتي لتدمّر المبادرة وبالتالي تؤدي إلى نفسية متعبة ومزيد من المواقف المخالفة.

لذا ليس علينا التدخل بالأبناء حين يلعبون، وبالتالي ليس علينا التدخل والانحياز لأحد حين يتخانقون، أما إن طلب أحدهم أن نتدخل أو إن اكتفينا بالمراقبة بأنفسنا. فكل ما علينا فعله هو مراقبة الأبناء حين يلعبون، والتأكد أنه ليس في لعبهم أو خلافاتهم أي عنف، وأنهم حين يتخانقون ويبكون ويأتون إليكم، عليكم توجيههم حول حل مشاكل الأطفال بأنفسهم بعيداً عن تدخلاتكم التي قلما تكون منصفة بشكل عام وأبداً بنظر الأولاد.

أحياناً يحتاج الأهل إلى معاقبة الأبناء كلهم بعد خلاف معين بينهم مع التمييز في العقاب فقط بحسب السن وقدرة الابن على فهم سبب عقابه، بما يعزز التربية الإيجابية ويحدّ من الشعور بالظلم.

بقدر ما تبقون على حياد في خلافات أبنائكم بقدر ما تعلموا أبناءكم كيفية إيجاد وخلق طرق لحل مشاكلهم، وبالتالي مساعدتهم على الاتكال على النفس، مع الأخذ بالاعتبار عدم تعرض الابن لأي خطر يضطركم للتدخل للحماية وربما للتأنيب فيما بعد أي حين يهدأ الجميع ويصبح قادراً على تحليل ما حصل كي لا تعاد الكرة.