لماذا يصمت المراهقون؟ ولماذا لا يحبّون البوح بأسرارهم، ويفضلون دائماً إخفاءها عن الأهل، بخاصة الوالدين؟ هذه الأسئلة تشغل بال الكثير من الأسر التي لديها أبناء في مرحلة المراهقة، نتيجة عدم إدراك الوالدين ما يحدث مع أبنائهم المراهقين، وكيف تغيّر الابن بهذا الشكل الكبير.
سألت «كل الأسرة» عدداً من خبراء التربية والطب النفسي وتعديل السلوك: لماذا يلجأ المراهق إلى الصمت والكتمان؟ ومتى يكون الصمت وإخفاء الأسرار الحل الأمثل للتخلص من التصادم المستمر الذي ينشأ بينه وبين أهله؟ وهل هناك سبل لفتح حوارات مثمرة مع الأبناء المراهقين تصل بنا في نهاية المطاف إلى التقارب والصداقة، بدلاً من الصّدام؟
احذروا صمت المراهقين... فهو صراخ داخلي
بداية، يوضح الدكتور والخبير التربوي محمد حسين رضوان، أن الكثير من المراهقين يلجأون إلى الصمت كنوع من لفت انتباه الوالدين، خصوصاً إن كان المراهق يمرّ بمرحلة يصعب عليه التأقلم مع القوانين الوالدية في المنزل، لذا يجد الصمت السبيل الأمثل للتخلص من التصادم المستمر الذي ينشأ بينه وبين أهله. وفي هذه الحالة، على الأهل التنبه إلى الأمر، وعدم إهماله، وفتح أبواب الحوار معه، وليس النصائح المباشرة والجافة.
ويلفت الدكتور محمد رضوان إلى مجموعة من الأسباب التي قد تدفع الأبناء في مرحلة المراهقة إلى إخفاء أسرارهم ، منها:
1. خوف المراهق من ردّة فعل الأهل في حال كان المراهق يعرف طباع والديه العنيفة، والرافضة، والحازمة، لذلك يختار المراهق التزام الصمت وعدم البوح بما يشعر به، أو بما يحتاج إليه، أو بما يجري معه، في سبيل تفادي ردة الفعل القوية من قبل الأهل فينغلق على نفسه.
2. عدم قدرته على التعبير عن نفسه بالطريقة الصحيحة، خصوصاً أن المراهق يعيش حالة من القلق والتوتر من أحكام المجتمع عليه.
3. مقاطعة الأبناء أثناء الكلام، وانتقادهم، وإصدار الأحكام المسبقة عليهم حتى قبل أن يكملوا حديثهم، أو يعبّروا عن مشاعرهم ومشكلاتهم.
4. كمية النصائح المهولة التي يقدمها الأهل للمراهقين والتي قد تكون مبالغ فيها كثيراً، والكثير منها يحمل صيغة الأمر، لا النصح والإرشاد.
5. الكتمان أيضاً قد يكون نتيجة للصراعات العائلية، وينكمش الابن على نفسه بعد أن يرى كمّاً هائلاً من الشجارات والمناوشات بين والديه اللذين يحولان البيت إلى حلبة مصارعة، فيفضل في هذه الحالة الابتعاد واتخاذ قرار الصمت.
6. إحساس الابن المراهق بالظلم في المعاملة من قبل والديه بسبب تفضيلهما أحد الأبناء على حساب الآخر، أو عقد المقارنات الدائمة بينهم، فيفضل الصمت وكتمان أسراره، ورفض مشاركتها مع الأسرة.
7. إدمان الأبناء، في الأجيال الجديدة، على الهواتف المحمولة علّمهم الصمت والكتمان، بل ومشاركة الأسرار والفضفضة مع الآخرين من خلال مواقع التواصل الاجتماعي والعالم الافتراضي، حتى وصل الأمر لروبوتات الدردشة التي تهدد كثيراً من الأسر بصمت أكبر، وفجوة أعمق، في الوقت الراهن، والأيام المقبلة.
8. إفشاء أسرار الأبناء يعلّمهم الكتمان في المرات المقبلة، فإذا تكوّنت لدى الأبناء خلفيات وانطباعات أن أحد الوالدين يفشي أسراره ولا يحفظها، يؤدي ذلك إلى عدم تكرار الابن تجربة التحدث معه حول أمور خاصة بعد ذلك.
9. بعض الآباء يقتحمون خصوصيات أبنائهم كأنها حق مطلق لهم، بخاصة الأسرار الإلكترونية الحديثة، ومبرّرهم في ذلك الخوف والاحتراس.
علامات تكشف معاناة خفية
أما الدكتورة منى أحمد البصيلي، استشاري الطب النفسي، فترى هي الأخرى أن سكوت الابن المراهق، واتخاذه القرار بعدم الحديث والكتمان قد يكون أعلى صرخة استغاثة، أو علامة على مروره باكتئاب المراهقة الذي لا يظهر دائماً بدموع وعصبية، بل يختفي أحياناً وراء أبواب مغلقة، وألوان لا تتحدث، أو الرد بابتسامة خفية بلا حديث. وعلينا دائماً أن ننتبه للتفاصيل الصغيرة التي قد تحدث في شكل انعزال، أو قلة نوم، أو حتى الضحك الزائد، فكل ذلك قد يكون من علامات أن الابن يعاني هموماً ولكنه لا يفضل أن يشاركها معك، أو يفضفض بها إليك.
وتنصح الدكتورة منى البصيلي الآباء والأمّهات بعدم الاستسلام لحالات الصمت والكتمان التي قد تصيب الأبناء في مرحلة المراهقة، لأن ذلك يدفعهم للإصابة بالاكتئاب، وهو عرض شائع يصيب ما يقرب من 18% من المراهقين بين سن 12 و17 عاماً، مع ارتفاع النسبة لدى الإناث. ومع سنوات الصمت يكبر الطفل، ويدخل مرحلة المراهقة وهو محمّل بكم هائل من المشاعر المكبوتة، فتبدأ تطل برأسها في صورة قلق زائد، نوبات خوف، حساسية تجاه النقد، توتر مستمر، ومشكلات جسدية مرتبطة بالضغط النفسي.
وتضيف: «ولأن المراهق الذي تربّى على كبت صوته، يجد نفسه في أصعب مرحلة عمرية وهو لا يستطيع أن يفهم نفسه، ولا يعرف كيف يعبّر عن ألمه. وهنا تربيتنا له لا يمكن أن تصنع منه شخصية قوية ولكنها تصنع عنده صراعاً داخلياً بصوت منخفض، ويتحول مع الوقت إلى أوجاع نفسية وجسدية».
ومن الأمور الأخرى التي ترى الدكتورة مني البصيلي أنه يجب الانتباه لها، بخلاف الصمت والكتمان، والتي توحي بأنه المراهق يعاني هموماً يخفيها عن الأسرة:
- عندما يختبئ في غرفته كثيراً.
- عندما يقول دائماً إنه ليس جائعاً ويرفض مشاركة الأسرة مائدة الطعام.
- عندما يتراجع مستواه الدراسي، أو يتوقف عن دراسة مجالات إضافية كان يحبها واختارها بنفسه.
- عندما يتوقف عن الاهتمام بالنظافة الشخصية، ويعمل في مظهره ويرتدي ملابسه بشكل عشوائي.
- عندما تظهر عليه علامات الشحوب، والعينان الحمراوان، وتساقط الشعر، والهالات السوداء.
- عندما يرتدي ملابسه الداكنة مراراً وتكراراً.
- عندما يتحجج بالنعاس ويذهب إلى فراشه مبكراً ويقضي معظم أوقاته في الهروب إلى النوم.
أسرار وخفايا تخصهم وأخرى يجب كشفها
وفي المقابل، ترى الخبيرة التربوية الدكتورة علياء أمين، مدربة المهارات الشخصية واستشارية العلاقات الأسرية بالقاهرة، أن تعامل الأبوين مع الأبناء في حالة إخفاء أسرار المراهقة يحتاج إلى حنكة وذكاء، ويتوقف الأمر في النهاية على الخبرة الحياتية للآباء، ومساحة الدفء والثقة والاحترام التي يشعرون بها، لكن للأسف بعض البيوت تربّي أبناءها على كتمان كل ما يشعرون به، وتكون معظم توجيهاتهم للأبناء في صورة كلمات مثل «لا تتكلم، تحمّل أنت رجل، عيب تقول هذا».
وتقدم الدكتورة علياء أمين مجموعة من النصائح للأبوين للتعامل مع أسرار فترة المراهقة، منها:
- يتوجب على الأهل التنبّه إلى أن المراهق بحاجة إلى رعاية وتوجيه، ولكن من دون ردّات فعل عنيفة، والاقتراب من الأبناء والاستماع لهم من الممكن أن ينقذ حياتهم.
- عدم التلصّص أو التجسس لكشف أسرار المراهق لا يعني ترك الحبل على الغارب، ولكن امنحوه قدراً من الثقة المتبادلة من دون قيد أو شرط، ولا تقارناه بأحد ليقتدي به، وكونا له الرقيب، لا المتحكّم المسيطر.
- عملية كشف الأسرار تختلف باختلاف سن الأبناء، ومرحلة نضجهم، فهي تجوز في المراهقة المبكرة إن وجد ما يستدعي التقويم والإصلاح، ولكن عند سن الرشد يفضل التعامل بإيجابية، بلين ورفق.
- يجب على الأهل أن يقدموا المساعدة، وأن يقفوا إلى جانب الابن المراهق في مختلف القضايا التي يمر بها، بالحرص على تكوين صداقة قوية مع الأبناء تبدأ منذ الصغر، ولأن ما لا يدرك كله لا يترك جلّه، فمن الممكن مد جسور الصداقة الآن، شرط ألا تلغى الحواجز.
- شجعوا المراهقين على ممارسة النشاطات التي تساعدهم على التعبير عن أنفسهم، كالرسم والقراءة المتنوعة المفيدة، وفن التطريز، والأشغال اليدوية، وحتى النجارة، وغيرها، كل حسب ميوله، كلها وسائل يجد التعبير بها عن نفسه.
- تعرفوا إلى الأسباب التي دفعت أبناءكم إلى الاحتفاظ بالسر بعيداً عنكم، حتى تساعدوهم على التصرف الأنسب والأفضل. وأثناء الحديث معهم ابتعدوا عن أسلوب النصح المباشر، واستخدموا الحوار، وطرح الأسئلة وأخذ الآراء.
- انتبهوا لأوقات فراغهم وصرفهم للمال، وشاركوهم رحلاتهم وزياراتهم، وتعرفوا إلى الأصدقاء المقربين لديهم. ولكن لا توصلوهم إلى مرحلة الاستسلام أمام التجسس على خصوصيات حياتهم. فهذا يؤثر في شخصيتهم بمزيد من السلبية والتبعية.
- إذا عرفتما بعض الأخطاء -الأسرار المضرّة- عن ابنكما المراهق فلا تنزعجا، وخذا الأمر بهدوء وروية، من دون تعنيف أو توبيخ. فمثلاً، إذا فوجئت بأن ابنك أو ابنتك قد تورط في أمر، ما فلا تجرموهم ولا تشعروهم بأنكم مستاؤون منهم، بل حوطوهم بالاحتواء، وأشعروهم بأنكم ستخففون عنهم ما يمرون به، حتى يثقوا بكم، والكتمان وإخفاء الأسرار قد يكونان طارئين على شخصياتهم، وحدث بسبب سوء الحالة النفسية لديهم.
- أشعروهم بأهميتهم في حياتكم ومدى سعادتكم بصحبتهم لا بامتلاكهم لا تحكموا عليهم.
- اهتموا بإشباع حاجاتهم المعنوية من حب ورعاية وتقدير قبل الاهتمام بحاجاتهم المادية، من مشرب ومأكل وملبس، وتحدثوا معهم عن الفروق بين البشر من حيث الظروف، والإمكانات، والقدرات.
