ترصد الإحصاءات والأرقام ارتفاع معدلات الطلاق في عالمنا العربي، وتزايد الضغوط الاجتماعية التي تهدّد استقرار الأسرة.
وفي هذا السياق، يبرز مفهوم الأسرة المستدامة كضرورة مجتمعية عاجلة، لكون الأسر المستقرة والمتوازنة هي الركيزة الأساسية لبناء جيل واعٍ وقادر على التغيير، وتعزيز الروابط الأسرية والمجتمعية، بما يضمن استدامة القيم، وبناء علاقات متوازنة.
وأخيراً، اختار مركز «اقرأ واستمتع» في مجالس أحياء دبي، تنظيم ملتقى موسع حول «الأسر المستدامة» ناقش واقع الأسر في ظل تغيرات الواقع، وتسارع التطورات في المنظومة القيمية لمجتمعاتنا، لتعزيز الحوار حول دور الأسرة في المجتمع، وتقديم أدوات عملية للمقبلين على الزواج، والأسر الحالية، لبناء أسرة متماسكة قادرة على الصمود أمام التحديات.
الملتقى الذي استضاف نخبة من المستشارين والأكاديميين، شرح واقع المتغيّرات، وطرح تساؤلات جوهرية حول توازن العلاقة بين الرجل والمرأة، وقيام كل منهما بدوره المطلوب منه، كما تطرّق إلى استراتيجيات لتحقيق استدامة الأسرة الإماراتية من منظور اجتماعي، وشرعي ونفسي أيضاً.
ولكن بداية... ما الذي نعنيه بالأسر المستدامة؟
توضح المهندسة ريفين دياب، رئيس مبادرات البيئة والاستدامة في مركز «اقرأ واستمتع»، أن الدافع وراء اختيار هذا الموضوع يأتي في ضوء إعلان صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، عام 2025 «عام المجتمع»، وهو إعلان يحمل دلالات عميقة، إذ يهدف إلى تعزيز قيم العطاء والتكاتف المجتمعي، وترسيخ القيم الإنسانية، إلى جانب الحفاظ على العادات والتقاليد والموروث الشعبي. وقد «اطّلعت، خلال الفترة الماضية، على عدد كبير من المقالات والدراسات والأبحاث الصادرة عن مركز الإمارات للبحوث الاستراتيجية، والتي تناولت، بقلق متزايد، ارتفاع نسب الطلاق في عدد من الدول العربية. وتشير هذه الدراسات إلى أرقام مقلقة؛ إذ تسجّل مصر، على سبيل المثال، نحو 736 حالة طلاق يومياً. كما تُظهر الإحصاءات ارتفاعاً ملحوظاً في نسب الطلاق في دول عربية أخرى، مثل ليبيا، والجزائر، والأردن، وسوريا، ما يعكس تحدّياً اجتماعياً حقيقياً، يستدعي التوقف عنده بجدية ومسؤولية، بحيث تتراوح معدلات الطلاق في بعض الدول بين 2.3 و3.6 حالة لكل ألف من السكان، وصولاً إلى أربع حالات في دول أخرى، وهي نسب تُعدّ خطرة على تماسك المجتمع واستقراره».
وتضيف ريفين، وهي مستشارة أسرية ومدرب مهارات حياتية: «من هنا، تأتي أهمية تسليط الضوء على مفهوم الأسرة المستدامة، ليس كمصطلح نظري، بل كضرورة مجتمعية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الأسري. فالأسر هي النواة الأساسية للمجتمع، والأسرة السليمة والمتوازنة، القائمة على علاقات صحية وإيجابية، هي التي تُنتج أفراداً أسوياء، متمكّنين، وقادرين على نشر الوعي».
وتلفت ريفين دياب إلى «أن هذه المبادرة تتماشى مع رؤية «نحن الإمارات 2031»، التي أكدت بوضوح أهمية بناء مجتمع مترابط تسوده روح التآخي والتسامح والعطاء، ويكون ركيزة أساسية في رفعة الدولة وتقدّمها، من خلال أسر متماسكة تشكّل الأساس المتين لمجتمع قوي ومستدام».
من هنا، يتجلى دور الأفراد والمؤسسات، ولا سيما المتخصصين في مجالات التعليم والتطوير، كما تشير دياب، في «تقديم كل ما نملك من معرفة وخبرات لدعم هذه التوجهات الوطنية والمساهمة الفاعلة في تحقيق رؤية الدولة، وأن نكون جزءاً لا يتجزأ منها».
في مقاربتها لقضية الاستقرار الأسري في ظل تصاعد نسب الطلاق، تؤكد الدكتورة مايا الهواري، متخصصة في الذكاء العاطفي، أن العلاقة بين الرجل والمرأة تقوم في أصلها على التكامل، لا الاستغناء. فالمرأة لا تستغني عن الرجل، كما أن الرجل لا يستغني عن المرأة، لأن الفطرة السوية التي جُبل عليها الإنسان تقوم على التزاوج، والتكاثر، والتعاون، وهي أقرب ما تكون إلى التوازن النفسي والاجتماعي الذي تسعى إليه الأسر المستدامة.
وتتوقف د.مايا عند نقطة دقيقة قد تبدو صادمة للبعض، حين تشير إلى أن وجود الرجل في حياة المرأة هام، لكنه ليس أساسياً في جميع الحالات. فالمرأة، عند الضرورة، قادرة على الاستمرار وتحمّل المسؤولية، كما في حالات الترمّل أو الفقد، حيث تستطيع أن تُربّي أبناءها، وتعمل، وتواصل حياتها، إلا أن هذا لا ينفي أهمية الرجل، بل يؤكد قدرة المرأة على الصمود عند الاضطرار.
في المقابل، ترى د. مايا الهواري أن المرأة في حياة الرجل تمثل ركناً أساسياً، انطلاقاً من مفهوم القِوامة، حيث يُعد الرجل عماد الزواج والمسؤول عن الاحتواء وتوفير المساحة الآمنة للأسرة. وعندما يمنح الرجل هذه المساحة، تتحول المرأة إلى صوت الأسرة النابض، وإلى عنصر التوازن العاطفي والاجتماعي داخل البيت.
الزواج ليس سلطة ولا تبعية، بل شراكة تبنى بالتكامل وتثمر أسرة مستدامة
وفي الحديث عن التوتر أو الخلافات بين الزوجين، تؤكد المتخصصة في الذكاء العاطفي، أن الوعي الذاتي يشكّل الأساس في إدارة العلاقة بشكل صحي: «لفهم ديناميكيات الزواج، يجب أن يكون كل طرف واعياً لنقاط قوته ومناطق التحسين لديه، ومعترفاً بصفاته الشخصية»، لافتة إلى «أن الذكاء العاطفي هو الأداة التي تمكّن الأفراد من إدارة هذه الصفات بشكل متوازن، بحيث تتحول الحاجة إلى السيطرة إلى مهارة تتيح التفاهم، وتنظم العلاقة بين الزوجين، بما يعزز الانسجام، ويقلّل من النزاعات، ويسهم في بناء أسرة مستقرة ومستدامة قادرة على مواجهة ضغوط الحياة اليومية».
ثلاثة أسس للأسرة المستدامة
توضح د. مايا أن الأسرة المستدامة والقائمة على أسس صحيحة تتسم بثلاثة عناصر أساسية:
- الحوار: أساس العلاقة الزوجية، يمكن من التعبير عن الرأي والاستماع للآخر بوعي وانفتاح.
- التقبّل: احترام الأفكار المختلفة حتى وإن لم تتوافق مع التوجهات الشخصية، وفهم خلفياتها.
- التفاهم: تجاوز الخلافات وفهم مصدر الأفكار والمواقف، ما يعزز قدرة الأسرة على الاستمرار في بيئة مستقرة ومتوازنة.
- وتوجز: «هذه العناصر تشكل الركيزة الجوهرية لبناء أسرة متماسكة، وهي أساس مواجهة تحديات الحياة الحديثة والحفاظ على الاستقرار الأسري».
واستكمالا لدور الأفراد، يتجلى دور المؤسسات التعليمية والتدريبية والمبادرات المجتمعية في تقديم دورات وبرامج وورش عمل تساعد الأسر على التماسك، وتزوّد المقبلين على الزواج بالأدوات العملية للتأهيل الأسري، بما يسهم في الحد من نسب الطلاق، وبناء جيل قادر على التغيير الإيجابي.
وفي هذا الصدد يشير الدكتور سيف الجابري، مأذون شرعي ومستشار أسري , إلى أن «الله سبحانه وتعالى خلق الرجل والمرأة ولكل منهما دور محدّد داخل الأسرة، بحيث يكمل كل طرف الآخر في منظومة متكاملة من التعاون والمسؤولية المشتركة. ولكن الإشكالية تكمن عندما يحاول كل طرف أن يتولى دور الآخر، فمثلاً، قد يتدخل الرجل في أدوار المرأة، أو تحاول المرأة أن تتجاوز دورها الطبيعي لتتحمل مسؤوليات الرجل، ما يؤدي أحياناً إلى صراعات داخل الأسرة».
ويضيف د.الجابري: «هذا الخلل في توزيع الأدوار يولّد شعوراً بالتوتر والاحتكاك، إذ إن كل طرف يجد نفسه بعيداً عن طبيعة دوره الفطري، بينما الدور الآخر يبقى غير مكتمل، ما يؤثر في النهاية في استقرار الأسرة، ويحدّ من قدرتها على الاستدامة. من هنا، تأتي أهمية الوعي بالاختلافات الطبيعية بين الأدوار، واحترامها، لضمان بناء أسر متوازنة وقادرة على التعاون والتفاهم».
أدعو نساء وفتيات اليوم إلى توجيه البوصلة الأسرية ليحمل كل فرد في المجتمع قيم الاستدامة
ويوضح نقطة في غاية الأهمية: «الأسرة المستدامة، القائمة على قيم الإبداع والمسؤولية المشتركة، هي الركيزة لأي مجتمع قادر على مواجهة التحديات والحفاظ على استقراره، وإذا توفرت لدينا القدرة والإرادة، فعلينا أن نتساءل في أنفسنا عما يمكننا القيام به. بهذه الروح الإبداعية والمبادرة، يستطيع الأفراد المبدعون أن يساهموا في بناء مجتمع قوي ومستدام، وأن يضمنوا نجاحه على المدى الطويل».
ويعقّب: «هذا هو السبب في صمود الأمة وتماسك شعبها عبر التاريخ، إذ لم تعتمد على مؤسسات خارجية غريبة عن ثقافتنا وقيمنا، بل استندت إلى طاقات أبنائها وإبداعهم، بما يحقق الاستدامة الحقيقية للمجتمع والأسرة، على حد سواء».
ويدعو د.الجابري نساء وفتيات اليوم إلى استعادة زمام الأمور: «توجيه البوصلة الأسرية والاجتماعية اليوم مسؤولية تقع على عاتق نساء وفتيات هذا الجيل، اللواتي يمثلن حجر الزاوية في بناء الأسرة والمجتمع. فالأسرة المستقرة، والقائمة على القيم الصحيحة هي التي تنطلق منها مسيرة المجتمع بأكمله، كما شهدت تجربة المغفور له الشيخ زايد، طيّب الله ثراه، الذي أسّس دولة قائمة على الالتزام والمحبة والتسامح، وجعل هذه القيم أساساً في بناء مجتمع مترابط ومتماسك».
من هذا المنطلق يشرح: «فتوجيه البوصلة من قبل النساء والفتيات يعني غرس هذه القيم في البيوت، وتعليم الأجيال القادمة أهمية الحب والتعاون والتسامح، ليكون كل فرد في الأسرة عنصراً فاعلاً في بناء مجتمع متكامل، قادراً على الاستمرار والنمو، وحاملاً لقيم الاستدامة الأسرية والاجتماعية التي تُعد أساس أيّ دولة مزدهرة».
