
يلعب التحضير النفسي دوراً محورياً في تحويل زيارة الطفل إلى عيادة الطبيب من تجربة مشحونة بالقلق، إلى لحظة تعليمية إيجابية، تسهم في بناء علاقة ثقة بين الطفل والطبيب، سواء بالاعتماد على التعامل الواعي من الأهل أو الطبيب، أو بالاعتماد على وسائل وأساليب تصنع الفرق، وتؤسس لتجربة صحية أكثر أماناً وفعالية للطفل، على المدى الطويل.
في هذا الإطار يحدثنا أخصائي طب الأطفال في مستشفى ميدكير للنساء والأطفال الدكتور سيداهارث أرورا، عن أهم الخطوات التي يجب أن يأخذ بها الأهل والطبيب، لكسر حاجز الخوف والرهبة لدى الأطفال من زيارة العيادات العلاجية، قائلاً «يساعد التحضير النفسي على تقليل خوف الطفل وقلقه من زيارة عيادة الأطفال. فهو بطبيعته فضولي، لكنه قد يشعر بالتوتر عند مقابلة أشخاص جدد، أو دخول مكان غير مألوف، بخاصة إذا كان يتوقع إجراءات مثل الحقن. لذلك يكون من الأفضل أن يحدّثه الأهل بطريقة بسيطة ومطمئنة، والتوضيح له أن الطبيب موجود لمساعدته وحمايته، وأنهم موجودون إلى جانبه طوال الوقت. كما يعد تشجيع الطفل على طرح الأسئلة، وإظهار الاهتمام بما يفكر فيه، حتى لو لم يكونوا على معرفة بجميع الإجابات، طريقة مناسبة لمنحه الشعور بالأمان، ويجعل التجربة أقل توتراً».
يكمل «أما إذا كان الطفل يشعر بخوف شديد من الأطباء، فمن المهم إبلاغ طاقم العيادة بذلك مسبقاً، حتى يكونوا على استعدادا للتعامل مع الموضوع بهدوء». ويوصي د. أرورا بأهمية «اللعب التخيلي في تهيئة نفسية الطفل، من خلال توفير طقم ألعاب الطبيب في العيادة، ومنح الطفل الفرصة لأخذ دور الطبيب في جو من المرح، لمساعدته على فهم ما سيحدث بطريقة مسلية. إضافة إلى الاستعانة ببعض الأشياء التي يرغب فيها الطفل، مثل لعبة جديدة، أو كتاب ممتع، أو حتى مشاهدة فيديوهات يفضلها أثناء الانتظار. بما يسهم في إلهائه وتخفيف توتره، لتكون التجربة أكثر سهولة وراحة للجميع».
ويشير د. أرورا إلى «دور الأهل في بناء علاقة محورية بين الطفل والطبيب، كخطوة أساسية لجعل تجربة العلاج أكثر سلاسة وفعالية. فعندما يرى الطفل أن والديه يشعران بالراحة مع الطبيب، ويعاملانه باحترام، ينعكس هذا الشعور عليه ويمنحه إحساساً بالأمان. فيكون هذا الشعور المدخل الحقيقي لبناء ثقة متبادلة، تجعل الطفل أكثر استعداداً للتواصل، والتعاون خلال الفحص، وحتى تقبُّل العلاج من دون مقاومة. إضافة إلى أن تقديم الأهل للطبيب كشخص صديق ومساعد، وليس كمصدر للخوف، يُعد من العناصر المهمة في هذه العلاقة. فالدعم الذي يُظهره الأهل للطبيب أمام الطفل يسهم في تكوين صورة إيجابية عنه، ومع تكرار التجارب الإيجابية في العيادة، تتعزز هذه الثقة، وتترسخ في ذاكرة الطفل.كما يعزز الحوار الصادق والواضح بين الأهل والطبيب أمام الطفل، من دون مبالغة أو تخويف، فهم الطفل لما يجري من حوله، ويقلّل من شعوره بالقلق، ما يحوّل زيارة الطبيب من تجربة مرهقة إلى لحظة تعليمية تُغرس فيها مفاهيم إيجابية عن الصحة، والوقاية، والعناية الذاتية».

دور الطبيب في تبديد خوف الطفل
يكشف أخصائي طب الأطفال «إلى جانب دور الأهل، يلعب الأسلوب الذي يتبعه الطبيب تأثيراً مباشراً في تخفيف خوف الطفل، وبناء علاقة مريحة معه:
- الاستماع للطفل، وشرح ما سيحدث معه بلغة وكلمات بسيطة ولطيفة يفهمها، إلى جانب نبرة الصوت الهادئة، جميعها عناصر تساعد على تحويل مشاعر القلق إلى ثقة، وتجعل من الزيارة تجربة إيجابية.
- كما تلعب البيئة المحيطة دوراً هاماً. فاختيار ألوان مبهجة، وديكور مخصص للأطفال، واستخدام وسائل بصرية مثل الدمى والمجسمات لشرح الإجراءات ووجود ألعاب في العيادة، جميعها عوامل تساهم في تخفيف التوتر.
- وغالباً ما يفضل أن يتقرب الطبيب للطفل ببطء من دون استعجال، والسماح له بملامسة السماعة، أو الأدوات الطبية، يشجع الطفل على طرح الأسئلة، ويمنحه التقبّل.
- حتى مظهر الطبيب يمكن أن يُحدث فرقاً، حيث يفضل بعض الأطباء عدم ارتداء المعطف الأبيض في التعامل مع الأطفال لتقليل الرهبة».

وفي سياق بناء علاقة إيجابية بين الطفل والطبيب، يحذّر د. أرورا «من استخدام زيارة الطبيب كأداة للتهديد أو العقاب، حتى لو كان ذلك بشكل عفوي. فعبارات مثل: «إذا لم تتصرف جيداً، سيعطيك الطبيب حقنة»، قد تبدو بسيطة، لكنها تترك أثراً عميقاً في نفس الطفل. ويبدأ بربط العيادة بالإيذاء أو العقوبة، ما يعزز مشاعر الخوف والتوتر تجاه الرعاية الصحية، بشكل عام. هذا التصور السلبي قد يلازم الطفل مع مرور الوقت، ويجعله أكثر ميلاً لتجنّب زيارة الطبيب، حتى عند شعوره بالمرض، أو الحاجة إلى علاج. لذا يجب، وبشكل دائم، تقديم الطبيب دائماً على أنه شخص ودود، ومساعد، هدفه الأساسي الحفاظ على صحة الطفل وراحته، وليس تهديده، أو تخويفه. فكل كلمة وتصرّف في هذه المرحلة يسهم في تشكيل نظرة الطفل نحو الطب والعلاج لسنوات طويلة مقبلة».
ويختم د. أرورا «تقوية الشعور بالألفة من خلال الزيارات المتكرّرة من الوسائل الفعالة في تعزيز العلاقة بين الطفل والطبيب، فكلما تكرّرت زيارة العيادة أصبح المكان أكثر ألفة، والوجوه أكثر اعتياداً، ما يبعث على الطمأنينة، ويقلل من رهبة المجهول. ومع الوقت، يتحوّل الطبيب من شخص غريب إلى وجه مألوف، وصديق موثوق، ويصبح الفحص الروتيني جزءاً طبيعياً من حياة الطفل، لا يثير الخوف أو القلق».